بين غضب طهران ومخاوف بغداد.. هل تنجح تركيا في غزو «سنجار»؟

تشييع القتلى الأتراك الذين أعدموا في شمال العراق

تشييع القتلى الأتراك الذين أعدموا في شمال العراق

كتب: خالد أبو هريرة

لأول مرة منذ انطلاقها صيف العام 2015، تنتهي واحدة من حلقات العملية العسكرية الموسعة التي تنفذها تركيا شمالي العراق بالكثير من الدراما.

ففي 14 فبراير الجاري، وأثناء إعلانه عن انتهاء العملية العسكرية «مخلب النمر 2»، أكد  وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، عثور قوات الكوماندوز المشاركة في العملية على جثث 13 تركياً داخل أحد كهوف منطقة غارا الجبلية شمال العراق، مبينًا أنهم احتجزوا كرهائن من قبل مقاتلي حزب العمال الكردستاني (بي كا كا)، وأعدموا رميًا بالرصاص قبيل بدء العملية.

كان من الطبيعي أن يتسبب الإعلان عن مقتل الرهائن الأتراك في اندلاع غضبة شعبية كبيرة بتركيا، تصاعدت خلالها حدة المطالب الجماهيرية بعملية شاملة ضد «بي كا كا» في شمال العراق. وعلى نفس النسق المتصاعد لتلك المطالب، خرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليصرح قائلا: «منذ الآن فصاعدا، لا مكان آمن للإرهابيين (يقصد بي كا كا)، في جبال قنديل، أو سنجار، أو سوريا».

كانت تلك المرة الثالثة التي يشار فيها إلى سنجار تحديدًا في الخطاب الرسمي لأنقرة، بعد تهديد خلوصي أكار في 20 يناير الماضي، أثناء زيارته العاصمة العراقية بغداد، بشن عملية عسكرية لإخراج مقاتلي بي كا كا من المدينة الواقعة إلى الغرب من محافظة نينوى، في حال لم تقم الحكومة الفيدرالية العراقية بذلك، ثم كرر أردوغان التهديد نفسه بعد يومين فقط من تصريح وزير دفاعه، موجهًا حديثه إلى عناصر حزب العمال في سنجار قائلا: «قد نأتي على حين غرة ذات ليلة».

خلقت كل التفصيلات المتتابعة السابقة، المخاوف لدى حكومة بغداد، وفي أوساط اللاعبين الإقليميين بالعراق، من التأثير المحتمل لعملية تركية مركزة ضد سنجار، على التوازن السياسي في منطقة شمال العراق ذات الواقع المعقد بالفعل، التي صارت منذ طرد تنظيم (داعش) من مدنها الرئيسة (سنجار 2015، الموصل 2017)، أشبه بالأرض الحرام التي لا صاحب لها، وتتشابك فيها نزاعات السيادة بين تركيا وإيران، مع التطلعات الانفصالية لـ كردستان العراق، والصراعات النفطية حول ثروات كركوك - الموصل، مع طموحات أنقرة المستترة خلف حرب عابرة للحدود ضد بي كا كا، يصفها نظام أردوغان بالحرب الحتمية لمقتضيات الأمن القومي التركي.

 

سنجار.. الأكراد

تقدم سنجار نفسها كنموذج مصغر على ذلك التشوه السياسي البالغ في الشمال العراقي. فمنذ نوفمبر 2015، الذي أعلن فيه مسعود بارزاني، الرئيس السابق لحكومة إقليم كردستان العراق عن سيطرة قوات البيشمركة، الذراع المسلحة للحكومة الكردية على سنجار، وضمها إلى أملاك كردستان العراق بعد طرد مقاتلي داعش منها، تحولت المدينة إلى ملعب رئيس للمجموعات الكردية المسلحة، بمختلف انتماءاتها. حتى أن مقاتلي حزب العمال الكردستاني أصبحوا يتجاورون جنبا إلى جنب مع البيشمركة، رغم النزاعات الداخلية المعروفة فيما بينهما.

في الأصل، يرجع وجود «بي كا كا» في سنجار إلى العام 2013، لكنه أخذ منعطفًا حاسمًا بعد المساهمة البارزة لمقاتلي الحزب ضد داعش في سنجار العام 2015، ثم إشرافهم على إعادة الإيزيديين إلى المدينة بعد فترة قضاها الأخيرون هروبًا من اضطهاد تنظيم داعش. «وبي كا كا» أظهرت بالخطوة الأخيرة، إضافة إلى تعمدها دمج الميليشيات الإيزيدية في نسيجها الداخلي، رغبة ملحة في ترسيخ وجودها بسنجار مستقبلا، عبر ربط نفسها بـ الإيزيديين الذين يمثلون الأغلبية فيها. وهو ما يرغب حزب العمال الكردستاني من خلاله، في الاستفادة من الموقع الاستراتيجي لسنجار القريبة من الحدود السورية، في الربط اللوجستي والعسكري مع المجموعات الكردية التابعة على الجهة المقابلة في الشمال السوري.

بي كا كا

سنجار.. الحشد الشعبي

لكن طرد داعش من سنجار لم يكن في الحقيقة انتصاراً للأكراد وحدهم، بما أن الميليشيات الشيعية العاملة تحت مظلة "الحشد الشعبي"، والممولة من إيران، قد انتشرت بكثافة هي الأخرى في سنجار بعد العام 2015. وهي تمثل مصالح طهران في شمال العراق، عبر الاستفادة من متاخمة سنجار للحدود السورية على غرار بي كا كا، ولكن بأهداف مغايرة، حيث ترغب إيران في منح نفسها معبراً دائماً إلى الشمال السوري، يمكنها من الضخ العسكري واللوجستي للأخير، ومعاونة حليفها بشار الأسد في دمشق.

ظل الوجود الكردي، والميليشياتي الشيعي، يشغل بشكل مزدوج الفضاء السياسي لـ سنجار، حتى أكتوبر من العام 2017، عندما أجبرت حكومة كردستان العراق على سحب قواتها من المدينة، بعد تلويح الجيش العراقي في بغداد بتنفيذ ضربة ضد قوات البيشمركة لإجبارها على الانسحاب. وهو التهديد الذي أتى كرد فعل من الحكومة الفيدرالية في بغداد على الاستفتاء الذي أجري في أربيل عاصمة كردستان العراق، للانفصال (سبتمبر 2017)، وتم تجميده لاحقا.

وإذا كانت تركيا قد استشعرت راحة من خطوة الانسحاب التي قامت بها أربيل من سنجار، بحكم اهتمام أنقرة الأصيل بمحافظة نينوى وعاصمتها الموصل، واعتبارها منذ حرب الخليج الثانية 1990، أرضا لا بد من ضمها إلى جسد الدولة التركية، أو على الأقل إبقائها بعيدا عن الطموحات الكردية، فإن عدم اشتمال الانسحاب الكردي على عناصر بي كا كا، وبقاء الأخيرين يتحركون بحرية في سنجار، دفع النظام التركي إلى تمديد عملياته العسكرية من جبال قنديل، حيث المعقل الرئيس لحزب العمال الكردستاني في الشمال العراقي، إلى مدينتي سنجار ومخمور في محافظة نينوى، في محاولة تركية لتفويت فرصة الالتحام بالشمال السوري على حزب العمال الكردستاني.

ولأن الحكومة العراقية الفيدرالية في بغداد، تعلم أن ضربة عسكرية تركية مثل تلك في حال نجاحها، لن تقتصر نتائجها فحسب على التخلص من بي كا كا في سنجار، وإنما سوف تدشن وجوداً تركياً طويل الأمد في محافظة نينوى، كذاك الذي أسسته أنقرة فعلا خلال السنوات السابقة شمال الموصل (قاعدة بعشيقة)، أو في نواحي دهوك وأربيل، فإنها سارعت لقطع الطريق إلى سنجار أمام تركيا. تماما كما قامت في الفترة الأخيرة بقطع الطريق أمام تحالف تركي للاستحواذ على مطار الموصل، ومنحته لشركة مطارات باريس (ديسمبر 2020)، وهددت قبلها في يوليو 2020 باستهداف المصالح الاقتصادية التركية في العراق، أو إيقاف التجارة التبادلية بين البلدين (يبلغ حجمها 16 مليار دولار سنويا، ويصب معظمها في صالح أنقرة)، في حال استمر القصف التركي لشمال العراق.

اتفاق سنجار

هذه المرة، عمد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى توقيع "اتفاق سنجار" مع حكومة كردستان العراق في 10 أكتوبر من العام 2020، واتفق خلاله الطرفان على تطبيع العلاقات والتعاون لإنهاء الوجود الميليشياتي في سنجار، وإخراج عناصر بي كا كا وميليشيات الحشد الشعبي منها على حد سواء، ثم إحلال القوات الفيدرالية العراقية محلها، ما يعني إعادة تبعية سنجار مباشرة إلى بغداد من جديد.

حرب تركية إيرانية؟

لكن خطوة الكاظمي التي افتقدت القوة اللازمة للتنفيذ على الأرض، وجلبت عداوة إيران كذلك، بحكم استهدافها الحشد الشعبي، ظلت حبرا على ورق. ومنذ توقيع "سنجار" وحتى الآن، يلح النظام التركي على بغداد بالإسراع في تنفيذ الاتفاق، قبل أن ينفذه هو على طريقته الخاصة. بينما تجاهلت طهران الأمر، وأبقت على الميليشيات التابعة لها في سنجار دون تقييد لحركتها.

بل أن إيران ذهبت حتى إلى ما هو أبعد من ذلك. ولعلمها مثل حكومة الكاظمي بنوايا أنقرة تجاه محافظة نينوى، وتضارب ذلك مع مصالحها الاستراتيجية في الشمال العراقي، فإنها حولت نيران "الحشد الشعبي" إلى صدور القوات التركية الغازية. فعلى سبيل المثال، أكدت ميليشيا "أصحاب الكهف" قيامها بهجوم صاروخي ضد قوات الجيش التركي في شمال العراق. كما أصدرت الميليشيا نفسها بيانا تهدد فيه رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان بإلحاق الضرر بالمصالح التركية في العراق، في حال الإصرار على اقتحام سنجار. وأخيرا، تمكنت إيران خلال الأسابيع القليلة الماضية من حشد نحو 10 آلاف مقاتل في نينوى، من بينهم أفراد من ميلشيا عصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله، لمواجهة العملية التركية المرتقبة.

بيان أصحاب الكهف

 

هذا الفوران من جانب الوكلاء الإيرانيين، يعني أن حرباً تركية في سنجار سوف تتخطى مجرد المواجهة التقليدية بين الجيش التركي وبي كا كا، إلى مواجهة مفتوحة كذلك مع طهران، وهو أمر حاولت تركيا، وإيران كذلك، تجنبه طيلة السنوات الفائتة، عبر تقاسم السيادة في مناطق الاهتمام بالشمال العراقي، بما لا يضر مصالح أحد الأطراف.

ومن جهة أخرى، لا يبدو أردوغان قادراً على الحصول على موافقة حكومة بغداد على عملية عسكرية في سنجار، ليس فقط نتيجة رفض الحكومة العراقية الفيدرالية الوجود التركي برمته في شمال العراق كما أسلفنا الذكر، وإنما كذلك لإقتراب الانتخابات النيابية في بغداد (أكتوبر 2021)، وعدم استعداد مصطفى الكاظمي لنيل خسارة سياسية جاهزة، بإلقاء اللائمة عليه في أي توغل تركي جديد بالشمال العراقي.

نتيجة هذا التعقيد، اقترحت نصيبة يونس، الخبيرة في السياسات العراقية، في مقال حديث لها تحت عنوان "لماذا يجب أن تبقى تركيا خارج سنجار؟"، نشره المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية عبر موقعه الإلكتروني، على الأطراف الدولية الفاعلة في العراق التدخل فورا لمنع تركيا من تنفيذ عمليتها العسكرية ضد سنجار، قبل أن تتسبب تلك العملية في ما أسمته "يونس"، نتائج عكسية للمراد منها، كأن تزيد سطوة ميليشيات الحشد الشعبي في نينوى على سبيل المثال، مقابل مضاعفة الوهن الذي أصبحت عليه القبضة المركزية لبغداد فوق الشمال العراقي. أو كأن تتحول الحرب بين تركيا وعناصر بي كا كا إلى مواجهة غير حاسمة، كتلك التي تدور في جبال قنديل على الحدود العراقية التركية. و"نصيبة يونس" ترى أن دعم القوى الدولية لتنفيذ اتفاق سنجار هو السبيل الوحيد للحيلولة دون وقوع أيا ما سبق.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع