أردوغان وصديقه الحميم.. علاقات دافئة تجمع الرئيس التركي بـ«طالبان»

أردوغان مع قلب الدين حكمتيار

أردوغان مع قلب الدين حكمتيار

كتب: خالد أبو هريرة

في عام 2003، عندما فاز رجب طيب أردوغان برئاسة الوزراء في تركيا للمرة الأولى، تسربت إلى وسائل الإعلام التركية صورة قديمة تجمع أردوغان في شبابه بقلب الدين حكمتيار، القيادي في حركة طالبان، ومؤسس حزب الإسلام، أحد الجماعات الأفغانية المسلحة التي حاربت الاتحاد السوفيتي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

وقت ظهورها للمرة الأولى، استخدمت الصورة المشار إليها على نطاق واسع للتدليل على العلاقة التاريخية والأيديولوجية المتينة التي تربط أردوغان، السيد الجديد في أنقرة، بقادة الجهاد العالمي في أفغانستان. وكان ظهور أردوغان جالساً على ركبته عند أقدام حكمتيار وكأنه مريد في حضرة شيخه، كفيلاً بذهاب العلمانيين الأتراك إلى أن قناعات رئيس وزرائهم الجديد التي كونها من تعاليم أساتذته من قيادات طالبان، كفيلة بهدم القيم العلمانية للجمهورية التركية.

ظهر أردوغان حريصاً طوال السنوات الأولى من حكمه، ربما حتى العام 2008 تحديداً، على الابتعاد بنفسه من شبهة اعتناق الأفكار الجهادية. بعد أن أعلن التزامه بقوانين بلاده العلمانية، وما يتفرع عنها من حريات الرأي والتعبير والميول الجنسية.. إلخ. وقد بدا للمراقبين، داخل تركيا وخارجها، أن أردوغان نجح في تقديم نموذج مختلف من الحكم الإسلاموي المعتدل، والمنفتح على الأفكار المغايرة، بل وأصبح ذلك النموذج حتى مثالاً تسعى تشكيلات الإسلام السياسي في العالم العربي إلى تقليده والسير على منهاجه.

ضرب النسيان ضربته حول صورة أردوغان وحكمتيار في تلك الفترة. ولم تعدها الذاكرة الجمعية لمعارضي الرئيس التركي إلى العلن، إلا بعد أن انقلب الأخير على سيرته الأولى في السلطة، وبدأ في ملاحقة معارضيه بعنف داخل تركيا، كما شرع في تنفيذ سياسة عدوانية تجاه جميع جيرانه على الحدود تقريباً.

هذا الانقلاب الذي جعل الجيش التركي في بضعة سنوات قلائل، موزعاً بين الشمالين السوري والعراقي، وأذربيجان، وليبيا، ترافقت معه استعانة واسعة من أردوغان بالفصائل الجهادية المسلحة التي تنتمي روحياً إلى تنظيم القاعدة، أو تلقت تدريبها العسكري المبكر في أفغانستان. وبينما عزا البعض تعاون أردوغان مع كيانات مثل الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، أو جبهة النصرة، إلى براغماتية الرئيس التركي التي طالما استعان بها لتحقيق أغراضه، فإن آخرين فضلوا العودة مباشرة إلى صورة أردوغان مع قلب الدين حكمتيار، مذكرين بأن حاكم تركيا لم يغير قناعاته يوماً بأفكار الجهاد الدولي، وإن أخفاها حيناً من الدهر.

اليوم، تعود الصورة القديمة نفسها للاستخدام للمرة الثالثة. ولكن باستخدام مختلف، يرتبط بعلاقة تركيا بأفغانستان، التي تعيش أياماً بالغة السخونة، بعد انسحاب القوات الأمريكية منها، وما تلاه من انهيار في صفوف الجيش الأفغاني، وهروب للحكومة الأفغانية أمام حركة طالبان، التي أطلت برأسها من جديد فوق العاصمة كابول، وأعلنت تأسيس الإمارة الإسلامية في أفغانستان.

قبل أيام قلائل، كانت تقارير متواترة تشير إلى رغبة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تحسين علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية، عبر شغل المكان الخالي الذي سوف تتركه واشنطن بعد انسحابها من أفغانستان. وكانت الرغبة التركية في إدارة مطار كابول، الذي يضمن التدفقات العسكرية الأجنبية على البلاد، هو ذروة تلك التحركات الجديدة من النظام التركي تجاه الملف الأفغاني. وقد كان رد حركة طالبان، حتى قبل اقتحامها العاصمة كابول، عنيفاً تجاه الطموحات التركية. فقد رفضت بصورة باتة أي سيطرة من تركيا أو غيرها على مطار كابول. بل وحتى هددت باستهداف المصالح التركية، وجنود الجيش التركي في أفغانستان (نحو 500 جندي تركي).

العلاقة الكبيرة التي تجمع أردوغان بحكمتيار، إضافة إلى مكانة الأخير بين أمراء الجهاد، تفرض اليوم السؤال حول إمكانية وساطة الأخير بين طالبان والرئيس التركي لإنهاء ما يظهر على أنه توتر بين الطرفين.

كان حكمتيار قد تولى رئاسة الوزراء في أفغانستان لفترتين في تسعينيات القرن الماضي، عندما كانت طالبان تسيطر على كابول. وبعد الغزو الأمريكي في العام 2001، وضع حكمتيار ضمن قوائم الإرهابيين الدوليين، بسبب ارتباطه بنشاطات تنظيم القاعدة. وفي أكتوبر من العام 2013، قرر مجلس الوزراء التركي، وتماشياً مع قرارات مجلس الأمن الدولي، بتجميد أصول 219 شخصاً مرتبطاً بطالبان، كان من بينهم قلب الدين حكمتيار. وبعد أن توصل الأخير مع جماعته حزب الإسلام إلى اتفاق سلام مع الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر 2016، رفعت الأمم المتحدة اسم حكمتيار من قوائم الإرهاب الدولي، وسارع أردوغان إلى اتخاذ خطوة مماثلة في تركيا في مايو من العام 2017.

سمح رفع اسم حكمتيار من قوائم الإرهاب في تركيا، بعودته إلى زيارة الأخيرة من جديد. وقد كان أردوغان سباقاً بإرسال طائرة خاصة في فبراير 2017، لنقل حكمتيار إلى تركيا للعلاج في مستشفى إسطنبول من مرض خطير كان يعاني منه. كما نقلت الصحف الصادرة في باكستان ما هو أبعد من ذلك، عندما زعمت أن الرئيس التركي تمنى لو كان يستطيع السفر إلى كابول، واستقبال قلب الدين حكمتيار في المطار، احتفالاً بعودته إلى وطنه أفغانستان، بعد سنوات قضاها في المنفى بإيران.

من جانبه، بدا حكمتيار منسجماً إلى حد كبير مع سياسات الرئيس التركي، وداعماً لها. ففي سبتمبر 2020، احتفت وكالة الأناضول التركية الحكومية، بخطبة ألقاها حكمتيار من فوق منبر مسجد حزب الإسلام في كابول، هاجم خلالها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتحركاته ضد التنقيب التركي عن الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، واصفاً الرئيس التركي بالقائد النبيل، والأتراك بالشعب المؤمن، الذي تحاول القيادة الفرنسية حرمانه من ثرواته الطبيعية والوفاء بوعد العام 2023، الذي يشير أردوغان إليه باعتباره التاريخ الذي سوف تستعيد تركيا فيه حقوقها التاريخية التي سلبت منها في الحرب العظمى قبل أكثر من مائة عام.

وفي حوار مع وكالة الأناضول نشر في فبراير من العام 2020، أعرب حكمتيار عن رغبته في استضافة تركيا لعمليات التفاوض بين الفرقاء السياسيين في أفغانستان. وقد ظهر منسجماً مع أهداف (العثمانية الجديدة)، عندما قال بأن الأفغان يحبون (الماضي المشرق) للأتراك، ويرغبون في إحياء (أمجاده).

هذا الانسجام بين حكمتيار وأردوغان، يشجع على التفكير في احتمالية وساطة الأول بين حركة طالبان والرئيس التركي للتوصل إلى حل يرضي الجميع، بدلاً من المواقف الحدية التي قد تجبر السياسة التركية في أفغانستان، على الاختيار من بين اثنتين، كلتاهما له المذاق المر نفسه، فإما الرضوخ أمام تهديدات طالبان، والكف عن لعب خليفة واشنطن في الضبط الأمني لأفغانستان، وبالتالي قبول الإهانة للدولة التركية. وإما المضي قدماً في مسألة مطار كابول، والدخول في تحد صعب مع مقاتلي الحركة، سوف تكون عواقبه وخيمة على الجانب التركي.

منذ التقى قلب الدين حكمتيار بأردوغان لأول مرة في منزل أحد الإسلاميين الأتراك بحي فاتح إسكندر باشا بإسطنبول، ربما تلك هي المرة الأولى التي يمكن للرئيس التركي فيها أن يستفيد علانية من تلك العلاقة التي جمعته بأحد كبار أمراء الجهاد الدولي في أفغانستان، وأن يؤسس من خلالها لوجود تركي دائم في كابول ما بعد الانسحاب الأمريكي، وتأسيس الإمارة الإسلامية. فهل يقبل حكمتيار بلعب دور الوسيط؟ وإن فعل، فأي قدر من النجاح يمكنه أن يصيب؟

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع