«على طريقة جيمس بوند».. بريطانيا تستخدم أردوغان لمواجهة الروس في أوكرانيا

ريتشارد مور، أو C

ريتشارد مور، أو C

كتب: خالد أبو هريرة

على نقيض أسلافه في رئاسة الاستخبارات البريطانية (MI6) من الذين عملوا سرًا ودون جلبة لأكثر من 100 عام كاملة، يعمل أول رئيس مُعلَن الهوية للجهاز المخابراتي الشهير، ريتشارد مور، بكثير من الضجيج وإثارة الجدل.

يستخدم مور -والذي يملك الاسم الكودي C على شاكلة M رئيسة جهاز MI6 في أفلام الجاسوس الأشهر جيمس بوند- حساباً على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، يغرد من خلاله بصفته الرسمية دون مخاوف.

وفي خطاباته العامة، أو حواراته الإعلامية -وكلاهما كان محظورًا على أسلافه- يشير C علانية ودون تزويق أو إيماءات، إلى أعداء بلاده وخصوم الحضارة الليبرالية الغربية كلها. وهم الذين يسميهم «الأربعة الكبار»، ثلاثة منهم دول أشهر من أن تعرّف هي الصين وروسيا وإيران، ورابعهم ظاهرة عالمية لم تزدها السنوات سوى غموضًا في تحركاتها وأهدافها هي «الإرهاب الدولي».

ومقابل الصين التي يحذر «مور» من حروبها الإلكترونية على العالم الحر، وقدراتها على اختراق الأخير، أو إيران التي ينبه إلى تأثير أذرعها الميليشياتية في الأوضاع الأمنية بالشرق الأوسط، فإن روسيا بتدخلاتها الخشنة في شؤون جوارها، وتعيينها الأنظمة الموالية لها في هذا الجوار، تمثل في خطاب C «التهديد الخطير» لبريطانيا وسائر قيم الحضارة الليبرالية الغربية، والذي يجب مواجهته إما بهدف القضاء عليه نهائياً، أو على الأقل لإحتوائه وجعله أقل خطراً عليها.

بعد وقت قليل من إعلانه رئيساً للاستخبارات البريطانية، بدأت تقارير في الإشارة إلى إشراف محتمل من قبل C على خطة غربية واسعة الطموح لإنهاء النفوذ الروسي في أوكرانيا، والذي كانت موسكو قد أسسته منذ العام 2014، بضمها شبه جزيرة القرم بصورة نهائية، إضافة إلى احتلال إقليم دونباس شرق أوكرانيا، وتأسيس جمهوريات مستقلة فوق ترابه «جمهورية لوغانسك الشعبية، وجمهورية دونيتسك الشعبية»، ينظر إليها داخل الخطاب الروسي الرسمي باعتبارها جزءاً أصيلاً مما يطلق عليه «روسيا الجديدة»، وهي حلم موسكو باستعادة مجدها الإمبراطوري القديم في أماكن التمدد السوفيتي.

مستعيداً ذكريات اللعبة الكبرى التي كانت محور الصراع الروسي مع الغرب على ثروات أوراسيا وموقعها الاستراتيجي منذ القرن التاسع عشر الميلادي، يستعين ريتشارد مور بأسلوب شبكات التحالف الذي برع فيه أسلافه مع خانات آسيا الوسطى لمواجهة القياصرة الروس. ولكن هذه المرة تحل الجمهورية التركية ورئيسها رجب طيب أردوغان محل الخانات الذين كانوا أتراكًا أيضًا. وبدلاً من منع تقدم الروس في سهوب التركستان، يستهدف التحالف البريطاني - التركي اليوم الوجود الروسي في أوكرانيا، وتلعب أنقرة من خلاله دور الأداة الرئيسة للغرب في إمداد الحكومة الأوكرانية في كييف بالسلاح والتقنيات العسكرية وخبراء الحرب.

تركيا التي يعلمها ريتشارد مور جيدًا بما أنه عمل سفيرًا لبلاده في أنقرة بين عامي 2014 و2017، كانت قد وقعت اتفاقًا للتعاون العسكري مع أوكرانيا منذ عام 2015 -أي قبل حتى وصول C إلى رئاسة MI6- أصبحت تمد كييف على أساسه بطائرات الدرونز  (بيرقدار TB2).

أخضع الأوكرانيون طائرة «بيرقدار» التركية التي أثبتت كفاءة كآلة قتل في ساحات صراع ممتدة من ليبيا وسوريا إلى إقليم كاراباخ المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان - لاختبارات عملية في مارس من العام 2019 بقصف مواقع الانفصاليين الموالين لروسيا في إقليم دونباس. زعم الانفصاليون في الأخيرة معاناة TB2 من مشكلات فنية أجبرت الجيش الأوكراني على التوقف عن إطلاقها ضدهم. ولكن كييف بدت واثقة في اختيارها الطائرة المصنوعة في تركيا، حتى أنها أعلنت خلال العام المنصرم عن نية المصانع الدفاعية الأوكرانية التشارك مع شركة «بيكر ماكينا» التركية لإنتاج نحو 48 طائرة من طراز بيرقدار TB2.

ترسم الدرونز التركية التي وصلت إلى أيدي الجيش الأوكراني رفقة صواريخ جافلين الأمريكية، صورة لـ«لعبة كبرى» يمارسها الغرب الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية في أوكرانيا، ساهمت في تعديل موقف كييف مؤخراً تجاه روسيا وفصائلها المسلحة في دونباس. وقد بان هذا التعديل بوضوح خلال الفترة القليلة الفائتة، والتي شهدت تزايداً في حدة الاشتباكات بين الجيش الأوكراني والانفصاليين في دونباس، الأمر الذي رد عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحشد مائة ألف جندي على الحدود الأوكرانية، ملوحاً باجتياح الأخيرة وإشعال حرب شاملة لا يعلم مداها أحد.

يقف ريتشارد مور وسط كل تلك الأحداث الساخنة كشريك رئيسي فيها. يسعى إلى تطويق روسيا رغم محاولته النفي، وتصوير تحركات بلاده رفقة واشنطن كمحاولة لمنع بوتين من الاعتداء مجدداً على استقلال أوكرانيا. ولكن الأحداث الأخيرة في شرق الأخيرة، مع ردود الفعل الروسية عليها تقول بعكس ذلك. ربما لأن رئيس الاستخبارات البريطانية آثر العلانية والعمل في صخب دون الغطاء الأمني المعتاد.

فهل ينجح C المتباهي بتراث جيمس بوند في مساعيه؟

من هو «ريتشارد مور»؟
ولد لأبوين إنجليزيين في العاصمة الليبية طرابلس في 9 مايو عام 1963. حصل على درجة البكالوريوس في الفلسفة والسياسات والاقتصاديات من جامعة أوكسفورد. كما حصل على منحة مدرسة كينيدي في جامعة هارفارد.

التحق «مور» بالعمل الدبلوماسي البريطاني، وخدم في مواقع عديدة. في فيتنام (1988)، وتركيا (1990 - 1992)، وباكستان (1995 - 1998)، وإيران (1992 - 1995)، وماليزيا (2001 - 2005). وتولى في كل تلك الأماكن مهاماً يحمل بعضها الطابع الاستخباراتي.

عين رئيساً لقسم مجموعة السياسات الأمنية في إدارة الشؤون السياسية بوزارة الخارجية والكومنولث FCDO بين عامي 1998 و 2001. ثم عمل نائباً لمدير الشرق الأوسط بين عامي 2005 و و2008. وفي العام 2014، عمل مور ولمدة ثلاث سنوات سفيرًا لبلاده في تركيا. ثم أصبح مديرًا لإدارة الشؤون السياسية في وزارة الخارجية والكومنولث (FCDO) من العام 2018 وحتى أغسطس من العام 2020، حيث أعلن تعيينه رئيسًا للاستخبارات البريطانية MI6.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع