فاتورة الحرب.. يدفعها الأتراك

أردوغان

أردوغان

كتبت: أسماء علاء الدين

مع بداية حكاية مأساوية في 24 فبراير بغزو روسيا لأراضي أوكرانيا واشتعال فتيل النيران بين كلا البلدين، بدأت توقعات المحللين الاقتصاديين في العالم بأن تلك الحرب ستؤثر بشكل هائل على الاقتصاد العالمي. وقد بدا هذا جليًا مع ارتفاع أسعار العملات الأجنبية وأسعار نفط برنت. لكن تبدو الحرب كما لو أنها «ضربة موجعة» بالأخص للاقتصاد التركي الذي كان يحاول التعافي بعد عدة أزمات قصمت ظهره.

في التقرير التالي يرصد موقع «تركيا الآن» مدى تأثر الاقتصاد التركي بتداعيات الحرب في 10 أيام:

اشتعلت الأزمة الروسية الأوكرانية في الوقت الذي كانت فيه الحكومة التركية برئاسة رجب طيب أردوغان، تعمل على إنقاذ اقتصاد الدولة عن طريق آلية «الودائع بالليرة التركية المحمية بالعملة الأجنبية» - تتيح تحقيق نفس مستوى الأرباح المحتملة للمدخرات بالعملات الأجنبية عبر إبقاء الأصول بالليرة- وعلى الرغم من أنها لم تحقق النتائج المرجوة للشعب وذلك بظهور المواطنين في الطوابير التي تمتد لأمتار وزيادة الأسعار المستمرة، إلا أنها كانت القشة الأخيرة التي تتعلق بها الحكومة ولكن سرعان ما دخلت الحرب بين موسكو وكييف على الخط؛ فأثرت سلبًا على الاقتصاد ومن ثم قطمت ظهر المواطن.

بدا هذا واضحًا مع بداية ضرب روسيا لأوكرانيا في 24 فبراير، إذ خسرت الليرة التركية أكثر من 5% من قيمتها حيث وصل سعر صرف الدولار الأمريكي إلى 14.53 ليرة تركية، وسجل سعر صرف اليورو 16.46 ليرة فيما وصل سعر جرام الذهب 916 ليرة.

ويُعتبر هذا ارتفاع في سعر الليرة التركية التي كانت قد بدأت تنتعش نوعًا ما؛ إذ لم يتخطى سعر صرف الدولار الأمريكي قبل بداية الحرب حاجز ال 14 ليرة. ففي 23 فبراير – قبل الحرب – وصل سعر صرف الدولار الأمريكي 13.80 ليرة تركية، فيما سجل سعر صرف اليورو 15.66 ليرة ووصل جرام الذهب إلى 8.40 ليرة تركية.

وإليكم مخطط يوضح أسعار صرف العملات الأجنبية أمام الليرة التركية بداية من قبل الحرب بيوم وحتى 10 مارس، حيث تعتبر أكبر قيمة سجلتها العملات الأجنبية أمام الليرة يوم 24 فبراير (يوم الحرب)أسعار صرف الدولاروبطبيعة الحال، أي نتيجة تأثر العملة المحلية  (الليرة التركية) بدأت الحكومة بفرض زيادات على أسعار البنزين والديزل وغاز المسال، إذ كان هذا القطاع أكثر القطاعات التي تأثرت بالحرب، فالحكومة فرضت في 3 أيام على التوالي زيادات على أسعار البنزين والديزل، مما أثار غضب المواطنين، هذا إلى جانب الزيادات المتتالية أيضًا على غاز المسال.

بدأت الحكومة بفرض زيادات على سعر غاز المسال بداية من 28 فبراير وبعدها بيوم فرضت زيادة أخرى على الفور في 2 مارس.

أسعار غاز المسال

أما عن أسعار البنزين والديزل فقد شهدت زيادات متتالية؛ إذ فرضت الحكومة 4 مرات زيادات  على أسعار الوقود، منهم 3 مرات كانوا على التوالي.  وقد اشتكى المواطنون من الزيادات مشيرين إلى أنها أصبحت يومية ولا يستطيعون الخروج من منازلهم وأنه إذا استمرت الأوضاع على هذا المنوال سيضطرون إلى بيع سياراتهم التي أصبحت مصطفة أمام منازلهم.

البنزين والديزل

لم تقف تداعيات الحرب عند هذا الحد، حيت تعتبر تركيا أكبر مستورد لزيت عباد الشمس في العالم، بشكل رئيسي من روسيا وأوكرانيا. ولكن بطبيعة الحال أوقفت الحرب واردات تركيا من الزيت بشكل كبير.

سفينة تركية ببحر آزوف

تضخم الأمر عندما منعت  روسيا يوم الخميس الماضي (3 مارس) مرور 15-16 سفينة تركية، محملة بزيت عباد الشمس الخام، من بحر آزوف المتفرع من البحر الأسود في جزئه الشمالي ويتصل به عن طريق مضيق كيرتش ويطل على الشواطئ الأوكرانية من شماله وعلى روسيا من جهة الشرق وشبه جزيرة القرم من الغرب.

في الواقع، تنتظر 15-16 سفينة محملة بزيت عباد الشمس الخام، حيث لا يسمح لها بالخروح من ميناء روستوف على حدود بحر آزوف (إحدى النقاط الرئيسية في استيراد زيت عباد الشمس الخام). ومن المعلوم أنه يتم تحميل معظم زيت عباد الشمس المستورد إلى تركيا من ميناء روستوف في المنطقة، وفي حال أن تلك الشحنات لم تصل تركيا من المتوقع أن تعيش الدولة أزمة كبيرة.

وفي إطار ذلك، أرسل رئيس مجلس إدارة جمعية مصنعي الزيوت النباتية، طاهر بيوكهلفاججيل، رسالة إلى وزارة التجارة، يعبر فيها عن خطورة هذا الوضع، إذ قال: «بحر آزوف هو إحدى النقاط الرئيسة في استيراد زيت عباد الشمس الخام لقطاعنا. يتم تحميل معظم سفننا من ميناء روستوف الموجود في هذه المنطقة. وبالنظر إلى الوضع الحالي، فقد سيطرت القوات الروسية بالكامل على بحر آزوف وأصبح بحرًا داخليًا. وحاليًا، لا يزال الاتحاد الروسي لا يسمح بخروج سفن الشحن من هذه المنطقة. من ناحية أخرى، ربما تكون روسيا التي تواصل تجارتها ببيع الغاز حتى لدول الاتحاد الأوروبي. بدأت بفرض حظر غذائي على دولتنا دون أن تدرك الوضع الحالي».

وحذر من أن مخزون البلد من الزيت قد يكفي حتى نهاية مارس أو منتصف أبريل وذلك، بقوله: «كما تعلمون، تتزايد خسائر بلدنا في الصراع الروسي الأوكراني المستمر يومًا بعد يوم. وفي الوقت الحالي، أصبح قطاع الزيوت النباتية أكثر استراتيجية من قطاعات الغذاء الأخرى. مخزون بلدنا، متضمنًا ما بأرفف السوق سيكون كافيًا حتى نهاية مارس أو منتصف أبريل. وننتظر 15-16 سفينة تابعة لقطاعنا متواجدة بموانئ البحر الأسود».

وطالب في إطار ذلك، وزارة الخارجية التركية والسفارة الروسية باتخاذ مبادرات من أجل فتح بحر أزوف أمام السفن، منوهًا أن العلاقات بين تركيا وروسيا في مستوى متقدم بالمقارنة مع دول الاتحاد الأوروبي ودول أخرى في المنطقة.

وهنا تدق أجراس الخطر تركيا حيث ارتفعت قبل أسبوعين أسعار زيت عباد الشمس الخام من 1400 دولار إلى أكثر من 2000 دولار للطن. ومن المتوقع أن تصل تكلفة ومعالجة الزيت الذي سيأتي إلى تركيا إلى ألفين و400 دولار، ومن ثم سيُباع الزيت بسعر أعلى إلى المستهلك.

وعلى الرغم من أن تركيا منتج ومصدر للزيت النباتي، إلا أنها لا تتمتع بالاكتفاء الذاتي من حيث المواد الخام، إذ تعتمد بشكل كبير على المصادر الأجنبية. ووفقًا لبيانات وزارة الزراعة والغابات، فإن معدل الاكتفاء الذاتي لتركيا من عباد الشمس هو 64 بالمائة. فيما تستورد بنسبة 36%.

ووفقًا لبيانات معهد أبحاث الاقتصاد الزراعي التابع لوزارة الزراعة والغابات ، في موسم 2020-2021 ، وصلت واردات تركيا من زيت عباد الشمس 32.4 % حيث احتلت الرمتبة الأولى في الاستيراد، فيما احتل الاتحاد الأوروبي المرتبة الثانية بعد تركيا بنسبة 27.8٪.

وتحتل أوكرانيا المرتبة الأولى بنسبة 30.7% في إنتاج عباد الشمس العالمي، بينما تحتل روسيا المرتبة الثانية بنسبة 27.2% ويحتل الاتحاد الأوروبي المرتبة الثالثة بنسبة 17.8٪.

وبالفعل بدأت الأزمة تندلع في الأسواق التركية حيث تداول رواد موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» في تركيا، اليوم السبت،  مقطع فيديو لهجوم المواطنين على أحد المتاجر (سوبرماركت) من أجل الحصول على زيت عباد الشمس بسعر رخيص. ويبرز مقطع الفيديو تدافع المواطنين ومسارعتهم للحصول على كمية كبيرة من زيت عباد الشمس مقابل ثمن رخيص. فيما تداول رواد التواصل الاجتماعي مقطع فيديو آخر  يبرز اصطفاف المواطنين في طابور من أجل الحصول على الزيت بأي طريقة ممكنة.

 

وهنا بعد الأزمات المتتالية التي تضرب الاقتصاد التركي وسوء الأوضاع في الدولة وعدم قدرة المواطن على جلب قوت يومه، هل يستطيع الرئيس رجب طيب أردوغان في إنقاذ الدفة أم يرفع الراية البيضاء؟

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع