أردوغان يكره العدالة.. كشف حساب انتقام رئيس تركيا من القضاة والمحامين

اعتقال القضاة والمحاميين في تركيا

اعتقال القضاة والمحاميين في تركيا

عندما تتراجع الحريات، ويصبح السجن مصير كل معارض، أو صاحب رأى، فأنت إذن في قبضة الخوف. وعندما تنتهك الحقوق، ويتم تغييب القانون وتتحكم الاعتبارات الشخصية في إصدار الأحكام، فأنت أمام نظام حكم غير مسئول وتصبح في دولة تحولت إلى سجن كبير للحريات.. هذا ما وصلت إليها تركيا في السنوات الأخيرة، وتلك هي الحقيقة الموثقة بالأرقام وتستند مصادرها، على تقارير منظمات دولية وتركية أيضا.

فى تقرير بعنوان «انهيار دولة القانون»، صدر في مايو 2018، عن مركز «نسمات» للدراسات الاجتماعية والحضارية التركي، جاء في مقدمته أن هناك في تركيا، ما يشبه الإجماع لدى الحقوقيين والمحللين على تراجع الديمقراطية بشكل متسارع خلال السنوات الأخيرة، في ظل رئيس –على حد وصف التقرير- لا يتوانى عن تهديد منظومة القضاء الجنائي، إذا ترددت في إصدار قرارات، وأحكام تقضى باعتقال معارضيه، حتى أصبح يوجد في سجونه نحو 50 ألف معتقل، منهم قضاة، ونواب عموميون، ومدرسون، وأطباء، وعمال نقابات.. كل هؤلاء تم اعتقالهم خلال عام 2017، إضافة إلى ما يقرب من 150 ألف موظف، تم فصلهم من وظائفهم دون إجراء أي تحقيق إداري أو سبب قضائي.

وفى تقرير أعدته اللجنة البرلمانية لمجلس أوروبا (PACE) بعنوان «ضمان تأمين اتصال المحتجزين بالمحامين» أعربت فيه عن قلقها إزاء الوضع الحالي في تركيا، كما جاء في التقرير على لسان الصحفية مارياتا كارامانلي من فرنسا: «بغض النظر عن الضغوط التي يتعرض لها المحتجزون، وسوء معاملتهم، فإن أكثر ما يقلق هو عدم قدرتهم على إيجاد محامي دفاع يمثلهم أمام المحكمة».

كما سجلت مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة حالات التعذيب في السجون التركية، وتقول المحامية: «كان العنف والتعذيب في كل مكان، ولم يكن ضباط الشرطة سعيدين لرؤيتي على الإطلاق، وكانوا يقولون: لِمَ يحتاج هؤلاء إلى محام؟». كما صارت مداهمة مكاتب المحامين، والقبض عليهم أمرًا سهلًا، بعد أن كانت الحصانة القانونية تمنع ذلك.

 

القبض على المحامين

كما أرسل رئيس مجلس نقابات المحامين والجمعيات القانونية الأوروبية ميتشل بينتشو، خطابًا للرئيس رجب طيب أردوغان، طالب فيه الحكومة التركية باتخاذ الخطوات اللازمة، لإخلاء سبيل المحامين المحتجزين، وتمكينهم من ممارسة عملهم، وتمثيلهم لموكليهم أمام القضاء.

وفى السياق ذاته، وجهت النقابة الفيدرالية الألمانية للمحامين انتقادات لاذعة لاحتجاز العاملين في مجال القانون، وأرسل رئيس النقابة أكهارت سكافر، خطابًا لوزير العدل التركى بكير بوزداغ، أعلن فيه عن قلقه الشديد تجاه إغلاق مؤسسات المجتمع المدني واعتقال المحامين. وكذلك تم توجه أندريه ماتشرين، رئيس النقابة الوطنية الإيطالية، بخطاب رسمي إلى وزير العدل التركي، انتقد فيه الأعمال غير القانونية التي تمارسها الحكومة ضد المحامين.

كما أعرب كل من مجمع حقوقيي إنجلترا وويلز ونقابة المحامين، ومجمع حقوقيي أسكتلندا واللجنة العامة لنقابة المحامين، ومجمع حقوقيي شمال إيرلندا ونقابة محامى إيرلندا، عن قلقهم الشديد إزاء تردِى الأوضاع في تركيا، لا سيما الفصل التعسفي لنحو من 4.4 ألف قاض ووكيل نيابة. كما أكد المحامون البريطانيون المبدأ الذى قررته الأمم المتحدة المتعلق بـ«استقلالية القضاء»، وعلى مبدأ الأمم المتحدة الذى ينص على «أهمية دور المحامين»، وطالبت بإعادة القضاة الذين تم فصلهم تعسفيا إلى عملهم، وكذلك وكلاء النيابة، وإخلاء سبيل المحامين المحتجزين.

 

 

فصل واعتقال القضاة

وتعددت أشكال الضغوط على الجهاز القضائي بأكمله، حسب تقرير مركز «نسمات»، ما أفقده استقلاله ونزاهته، وحولته إلى جهاز خاضع للسلطة التنفيذية عبر وسائل وآليات متعددة وممنهجة، بدءًا من عام 2013، بعد الكشف عن فضائح الفساد المالي الضخم الذى طال عددًا من الوزراء وأبنائهم في النظام الحاكم، حتى بلغ ذروته عام 2016، التي مكنت النظام التركي الحاكم من تنفيذ كل أجندته، وقد تم له كل ما أراد من خلال، ممارسات الفصل التعسفي للقضاة ووكلاء النيابة واعتقالهم، فأكثر من 4.4 ألف قاض ووكيل نيابة تم فصلهم تعسفيًّا من وظائفهم، وما يقارب الثلثين منهم شطبت عضويته من النقابة في 16 يوليو 2016 وهو اليوم التالي لأحداث يوليو 2016، كما جمدت الدولة حساباتهم البنكية قبل أن توجه إليهم أي اتهامات، كما قامت الحكومة التركية بفصل أزواجهم أو زوجاتهم من العاملين والعاملات في القطاع الحكومي، واستولت على مدخراتهم وممتلكاتهم، ورفعت الحصانة عن القضاة.

لقد أدت هذه الممارسات القمعية إلى احتجاج دولي كبير، فخبيرة الأمم المتحدة مونيكا بينتو، ومفوض الأمم المتحدة لاستقلال القضاء كريستوف هاينس ومفوض الأمم المتحدة عن التعذيب، وسوء معاملة المسجونين دافيد كاي ومفوض الأمم المتحدة عن حرية التعبير ستوندجى رونالد، وجين بابتيست ادجوفي، طالبوا جميعا تركيا باحترام حرية القضاء ومبادئ القانون لا سيما وقت الأزمات.

هناك شبه إجماع من المتابعين لما يحدث في تركيا، حسب تقرير «نسمات»، بأن القضاة يقبعون تحت ضغط عام وضغط خاص من أردوغان، وأن القاضي الذى يعارض القرار الموجه إليه من أردوغان يصبح مستهدفًا، وعرضة للاعتقال والحبس، وأن من يخضع لما تمليه عليه الحكومة من أوامر - وإن كانت مخالفة للإجراءات القانونية المتبعة - يتم مكافأته وترقيته.

كما تم اعتقال القاضي سليمان كراجول، الذي شارك في تحقيقات الفساد المالي الشهيرة في 25-17 ديسمبر 2013، بذريعة عضويته في جماعة إرهابية وسعيه إلى قلب نظام الحكم.

وقد وجهت مفوضية فينسيا انتقاداتها لتركيا لاعتقالها قضاة شاركوا في واحدة من أهم قضايا الفساد المالي، وقالت المفوضية إن الحكومة لم تفشل فقط في تطبيق القرارات القضائية النافذة، والصحيحة قانونًا التى صدرت من قضاة ووكلاء نيابة، بل تمادت في فشلها كذلك عندما اعتقلتهم مما يعد إجراء غير طبيعي وغير مفهوم.

وبمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، 10 ديسمبر، نظم نشطاء وقانونيون وقضاة أوروبيون، وقفة احتجاجية أمام السفارة التركية في ساحة مالفييد في العاصمة الهولندية بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان.

ودعت منظمة «محامين في خطر»، التي نظمت الوقفة، تركيا، لإطلاق سراح المحامين والقانونيين المعتقلين في تركيا.

وشارك القضاة في هذه الوقفة، بالأرواب السوداء، ووضعوا شريطًا أسود على أعينهم محتجين على انتهاكات نظام العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، ضد العدالة، وقدم المحتجون عريضة للسفارة التركية بلاهاي يطلبون فيها إطلاق سراح المعتقلين في تركيا ظلمًا من محامين ورجال قانون وقضاة.

وقال هانس غاسبيك، المنسق والمسؤول عن مؤسسة «محامون في خطر»، إنهم قدموا العريضة للسفارة التركية لإطلاق سراح المعتقلين، لكن السفارة لم تقبلها ولم تفتح لهم الباب. كما أنها رفضت مقابلة الوفد المشكل من رجال القانون.

وأضاف هانس غاسبيك أنهم أعدوا تقريرًا يطالب بإعلان السفارة سبب اعتقال القانونيين والمحامين منذ فترة طويلة. وقد أرسلوا هذه العريضة للسفير التركي بلاهاي عن طريق صندوق البريد لإطلاق سراح أصدقائهم في المهنة. لكن الباب لم يفتح لهم فقد كانوا يريدون تسليمها للسفير مباشرة. وأكد غاسبيك على أن هذا الرفض لم يجعلهم ينسون أصدقاءهم المعتقلين.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع