جهاد العثمانيين الأحول «1».. كيف تخلى الأتراك عن الأندلس؟

تسليم غرناطة

تسليم غرناطة

في ذي القعدة من العام 982 هـ/نوفمبر 1487، وفدت سفارة من غرناطة على البلاط المملوكي في القاهرة. والتقى رئيسها ابن الأزرق بالسلطان المملوكي الأشرف قايتباي، مبلغا إياه رسالة ملك غرناطة أبي عبد الله، والتي طلب فيها نجدة المماليك ضد ملك قشتالة فرناندو، الذي كان على وشك تنفيذ هجوم شامل على آخر معاقل المسلمين في الأندلس، غرضه نزع الإسلام عن الجزيرة للأبد.

أثارت كلمات ابن الأزرق الحزن في أنفس الحاضرين من أمراء المماليك وفقهاء مصر وقضاتها الأكابر. كان يروي عن الحصون الإسلامية التي تقع في أيدي الصليبيين بالأندلس. وعن غدر فرناندو بأهالي تلك الحصون بعد منحها الأمان، وأسر أهلها باعتبارهم رقيقًا، عليهم فداء أنفسهم بكل ما يملكونه من مال ومتاع. قال لهم إن المسلمين أصبحوا قلة في الأرض التي حكموها ثماني قرون بغير انقطاع. هم لا تنقصهم الشجاعة، إذ يثابرون على قتال العدو ليل نهار. ولكنهم في فاقة من العدد والعتاد. هم لا يطلبون من إخوانهم في الشرق إلا نصرتهم في تلك الساعة التي ستحسم مصير مئات الآلاف من المسلمين. فإما النصر، أو التنصير. وإما العز، أو تغريبة الأبد. 

ما إن فرغ سفير غرناطة من كلامه الذي ينزف دما، حتى راح يقلب بصره في وجه السلطان والجالسين حوله. ألفى وجوهًا واجمة تطرق إلى الأرض، ولم يجد ما كان ينشده من عيون ألهبها الحماس لتقديم النجدة. ألقى السؤال على السلطان قايتباي ليبدد القلق الذي انتابه: «ما قول مولانا؟!». فرد قايتباي على مهل: «إني لا أعتذر عن نصرتكم ببعد الشقة، وطول المسافة. ولكني أعتذر بغياب العساكر التي لم يبق فيها بمصر اليوم غير أقل القليل، بينما يرابط أغلبها في حلب منذ عامين لقتال ابن عثمان ورد عاديته عن أطراف المملكة».

كان الرد صادمًا لابن الأزرق. نزل بعده من قلعة الجبل مكسورًا حائرًا في أمره. ولم يكفه وعد قايتباي بمخاطبة فرناندو ووعيده بإيذاء النصارى في مصر وفلسطين والشام، إن لم يكف أذاه عن مسلمي الأندلس، فقد كان سفير غرناطة يعلم تمامًا أن القشتاليين ومليكهم لن تردعه إلا القوة. القوة وحدها. 

وبينما انتهت سفارة الغرناطيين على ذلك النحو المخيب، كان أكثر ما بقي منها تلك الكلمات التي أطلقها سلطان المماليك عن حربه مع العثمانيين في الشام. فكيف يكون الإسلام في الأندلس في أشد الحاجة ليد العون، بينما يتقاتل ملوك الإسلام داخل بلادهم؟! وكانت اللائمة هنا بالطبع تقع على الدولة العثمانية، بما أنها كانت من بدأ الشر مع المماليك. وبما أنها كانت أقوى الممالك الإسلامية في ذلك العصر. وقد اجتمع لها من الوفرة في المال، والرجال، والسفن، ما لم يتوافر للمماليك الشراكسة في مصر، الذين كانت دولتهم قد شاخت، ونخر الفساد فيها. 

بل إن الأدهى، وما زاد من موقف العثمانيين خزيًا، أن سفارات النجدة التي أرسلتها غرناطة إلى الشرق لم تقتصر فحسب على قاهرة المماليك، بل امتدت إلى إسطنبول عاصمة العثمانلي نفسها، وفي نفس العام (1487). ولم تنجح السفارة الغرناطية الأولى ولا الثانية إلى بلاط السلطان العثماني بايزيد الثاني في إقناعه بتوقيف الحملة على المماليك، وتحويل جهده إلى الحرب في الأندلس. بل مضى في غيه، وأصر على غزو الشام بزهرة جنوده، وأغلب أسطوله. وياليته فاز وانتصر بعد كل هذا، بل انكسر في الأخير بين ساحات أضنة (1488) لينهي المماليك أطماع العثمانيين في مصر والشام إلى حين. 

أما أهل غرناطة، فلم ينالوا من بايزيد سوى مجموعة سفن تحت قيادة كمال ريس باشا، لم تكن تكفي لتلك النصرة التي تخيلها أبو عبد الله ملك غرناطة عندما فكر في الاستنجاد بآل عثمان. فقد كانت خطة الملك الغرناطي الأخير الطموحة، ترمي إلى نزول الأسطول العثماني بشواطئ بلنسية شرق الأندلس، حيث ينضم إليه الآلاف من المدجنين (لقب أطلق على مسلمي الأندلس الذين خضعوا للحكم المسيحي في إسبانيا)، وتبدأ من هناك عمليات القتال العثمانية الأندلسية المشتركة ضد القشتاليين. غير أن كل تلك الأحلام لم تلبث أن بعثرتها رياح الخيبة، عندما سمع أبو عبد الله بدخول السفن المحدودة لكمال ريس إلى غرب المتوسط. 

فطوال الفترة من العام 1487 وحتى العام 1491، نفذ القائد البحري العثماني مجموعة غارات محدودة على السواحل المسيحية للأندلس، لم يكن أي منها كفيلا بردع فرناندو الذي أيقن بعد عدم وصول نجدات كبيرة من الشرق بأن الوقت حان للهجوم الأخير على غرناطة، لتسقط في يده أخيرًا ويدخلها في موكب النصر يناير من العام 1492. وينتهي بذلك الفصل الأخير في الحكم الإسلامي بالأندلس، ويبدأ فصلًا آخر من معاناة المسلمين هناك، بعد أن خيروا بين التنصير أو الرحيل عن الوطن. 

 

ماذا فعل العثمانيون بعد سقوط غرناطة؟!

عاين كمال ريس باشا هزيمة الغرناطيين بنفسه، ولم يحرك ساكنًا بما إن سفنه ورجاله كانوا أقل من أن يحدثوا الفارق. وكل ما كان قادرًا عليه هو المشاركة في نقل مجموعات كبيرة من المسلمين الذين قرروا الخروج من الأندلس إلى المغرب والجزائر وتونس. ثم وصلته وهو منهمك في هذا رسالة بايزيد الثاني تأمره بالعودة فورا إلى إسطنبول، بما أن غرناطة قد سقطت، وكأن كمال ريس كان مبعوثًا في الأصل لإنقاذها. 

وقد أبى بايزيد مرة أخرى ألا يضيف من عنده جديدًا على موقفه العجيب من الأندلس وأهلها. فإذا كانت الأندلس قد انهارت، فإن أهلها من المسلمين لا يزالون أحياء ينتظرهم مصير مجهول. وبدلا من أن تفتح المدن العثمانية الكبرى، مثل إسطنبول وأدرنة وسالونيك وإزمير أبوابها أمام مسلمي الأندلس ليسكنوها، كان يهود الأندلس (السفارديم) هم من أمر بايزيد الثاني أسطوله بنقلهم إلى مملكته وإسكانهم في تلك المدن بعد أن طردهم ملك قشتالة من إسبانيا. ولا يزال اليهود عبر العالم كله، على رأسهم يهود إسرائيل، يحتفون إلى اليوم بسيرة بايزيد الثاني الذي استقبلهم في أراضيه، وسمح لهم بالثراء الفاحش من السيطرة على التجارة الدولية بين الشرق والغرب. 

أما مسلمو الأندلس، فلم ينلهم من خير بايزيد الكثير، اللهم إلا مسجد العرب الذي أسسه بعضهم ممن آثر الهجرة إلى إسطنبول. أما أن يستعان بهم في شؤون الحكم والسياسة، أو في سلك المناصب الدينية بالعاصمة العثمانية فلا. لأن تلك المناصب كان آل عثمان قد حصروها في نخبة من مواليهم الذين كانوا ينتسبون في الأغلب إلى المتحولين للإسلام من مسيحيي البلقان. 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع