كيف فضح علي مبارك الأتراك.. أبوالتعليم يكشف: العثمانلي ألبس مصر جلباب الجهل

علي باشا مبارك

علي باشا مبارك

يكتسب علي باشا مبارك شهرته الأساسية من منجزه الكبير على المستوى القومي المصري في مجالي الهندسة المعمارية والتعليم. ففي الأولى، كان هو من رسم مخطط القاهرة الخديوية التي لا تزال ماثلة إلى اليوم بطابعها الباريسي وسط العاصمة. وفي التعليم، كان هو من خطط وأشرف على النهضة التعليمية في مصر خلال النصف الثاني من القرن الـ 19 حتى لقب بـ "أبي التعليم في مصر الحديثة".

ولأن علي مبارك كان شاهدا على المرحلة التاريخية الحاسمة التي انتقلت بها مصر على يد محمد علي باشا من التخلف إلى الحداثة، فإنه، أي علي مبارك، حرص من خلال آثاره المكتوبة على التأريخ لذلك الانتقال بحماسة وطنية ظاهرة، تكشف عن مقدار التأخر الحضاري الذي لحق مصر عبر القرون الثلاثة التي خضعت فيها للاحتلال العثماني، كي تتكون لدى الأجيال التالية تصورات كاملة عن حجم التغيير الهائل الذي أحدثته نهضة الباشا، محمد علي في البلاد.

كانت أهم تلك الآثار كتاب علي مبارك المعنون بـ «نخبة الفكر في تدبير نيل مصر. وهو دراسة علمية حول نهر النيل والزراعة المصرية، قدم له مبارك بمقدمة تاريخية حول الظروف التي عاشتها الأرض المصرية، والفلاح المصري في العصر العثماني، ثم التحولات الكبرى التي أحدثها محمد علي في كلا منهما. 

من الشراكسة إلى العثمانلي

في البداية، يشير علي مبارك إلى الضعف الكبير الذي ضرب مصر خلال عصر المماليك الشراكسة، والذي بدأ بحكم السلطان الظاهر برقوق، حيث أدت تراكمات الانحلال بالدولة المصرية والمجتمع المصري إلى تمكن العثمانيين من إسقاط المحروسة في قبضتهم. 

يقول علي مبارك: « وفي زمن السلطان الملك الناصر زين الدين أبي السعادات فرج الناصر فرج بن برقوق) بلغت الفتن منتهاها وكثرت الشرور ووقع الغلاء والوباء ونزل بلاد الشام تيمورلنك فخربها وقصر مد النيل بمصر فشرقت الأراضي إلا القليل وعظم الغلاء والفناء فباع أهل الصعيد أولادهم من الجوع وصاروا أرقاء مملوكين وكثرت المناصر (جمع منصر وهم اللصوص وقطاع الطرق) وصاروا يهيمون على الناس ليلا ونهارا فيقتلون وينهبون ولا يجد الناس من يقيهم شر ذلك فكانت أهالي البلاد عرضة لأهوال شتى حتى أنه إذا خلص الإنسان من جور الولاية وظلم العمال وقع في دائرة شر العربان فكان الخوف مع الإنسان أينما ذهب.. وكثر قتل الملوك واستيلاء ذوي الأطماع واضمحلت قوة المملكة حتى أدى ذلك إلى إلحاق مصر بدولة آل عثمان بعد قتل الغوري وصلب طومان باي سنة 925 هـ، فصارت ولاية تابعة لها بعد استقلالها 442 سنة.

باشاوات ضعاف

وعن النظام الإداري الذي ثبته العثمانيين في مصر ومدى تفسخه، قال: « ولها باشاوات من طرف العثمانيين وهم 72 من حين أخذها إلى دولة الفرنساوية فلم ترجع بعد ذلك إلى طريق التقدم لغلبة الصناجق و تحاسدهم. كان الباشا منهم ضعيفا تجذبه أغراض أصحاب الصولة فهوى بها ذلك في أودية الفتن وكان يحل بالبلاد من جورهم وتعديهم ما لا يمكن وصفه، ولا يسلم من شرهم إلا من هاجر منها فتعطلت أكثر الأراضي عن الزرع وخلت البلاد عن أهلها.

يتابع: « وكانت العصب في الوجه البحري القبلي تقسم البلاد قسمين أو أكثر وقيام الصناجق على الباشاوات بقطع وارد البلاد من بعضها إلى بعض ويزيد في الهرج والفساد وبالجملة فكان كل حاكم يليها كأنه إنما وليها لاستعباد أهلها وقتلهم وسلب أموالهم وتخريب ما بها من العمائر والآثار فكان الواحد منهم لا يترك الضرائب الشاقة ولا القتل والسلب ولا يكاد يخلو زمن من طوارق العربان والعساكر ولا يخلو طريق من قطاع ولا جهة من سراق، فإن الحروب كانت متتابعة بين قبائل العربان وبينهم وبين الانكشارية. وكانت القاهرة مركز للتجاريد العسكرية إن لم تكن ميدانا للقتال وكثيرا ما كانت الحروب قائمة في الوجه القبلي والبحري في زمن واحد. بل ربما كان في الجهة الواحدة حروب عديدة ولاتكاد تنقضي حرب إلا وتسفر عن كثير من القتلى ويؤتى برؤوسهم في الزنابيل على الإبل أو في المراكب وعلى رؤوس المزاريق غير من يجلب من الأسرى، مكبلين بقيود الحديد، ويفتخر الأمراء بكثرة من يجلبونه منهم وما يأتون به من النهب والسلب. وكانوا يصلبون الأسرى في الشوارع، ويقطعون رؤوسهم ويطوفون بها في مواكب حافلة.

الحزن والعويل

أدت تلك الفوضى وفقا لـ علي مبارك إلى «إهمال النيل وانعدام الأقوات، وسكنها - أي مصر - الوباء والقحط حتى عد بعضهم مرات القحط والوباء الكثير العام من فتح مصر إلى متوسط القرن التاسع للهجرة فبلغت 26 مرة ثم منه إلى زمن الفرنساوية 14 مرة غير ما خفي من ذلك.. فانظر إلى هذا الأمر الهائل الذي كانت تقاسيه الناس من عدم الزرع لموت الفلاحين وقد عم الطاعون الحيوان حتى القطط والكلاب والطيور وكذا مات في طاعون 1050 هـ كثير من الخلق وخربت فيه نحو 230 بلدا.

ويعلق مبارك على ذلك كله بالقول: « فبهذا كيف كانت ترجى سعادة الأمة في مثل تلك الأيام المفعمة بتلك الفظائع. وكيف يؤمل ممن تصدر عنه تلك الأفعال الخشنة البربرية أن يتدبر في ثروة البلاد، وينظر في أسباب راحة العباد. بل ما نشأة عن ذلك إلا تدمير المعمور، وتخريب المأهول، واقفار المكان، وفقر السكان، فما خلت قرية في تلك الأزمان من بث أشجان وأحزان. ولا بلد من بلاد وادي النيل إلا عولت على البكاء والعويل. وزادوا ضعف البلاد وتخريبها بما أثقلوا به كواهلها من الضرائب والرسوم الزائدة عن حد الطاقة.

ضرائب بلا نهاية

وقد أفرد علي مبارك حديثا مهما عن الضرائب العثمانية في مصر. يقول: «كان غالب قرى مصر في يد الملتزمين، فتركهم السلطان سليم الأول والتزامهم على ما كانوا عليه.. وما كان على الملتزم إلا أن يؤدي الخراج فقط أما الفلاحون فكانوا يكلفون بجميع المغارم خراجا وغيره. فإن قصروا عن أداء شئ منها كان للملتزم حق في انتزاع الأرض من أيديهم. وإن كانوا فيما سبق يتوارثونها فروعا عن أصول ميراثا شرعيا. وكان الملتزم يلزمهم بالعمل والكد في أرضه سخرة، أو إن أشفق فبأجرة لا تدفع حاجة تسد رمقا.

« وقد كان المضروب على الأهالي من المغارم نوعين، أحدهما يعرف بـ مال الميري، وهو جزء من مال آخر يعرف بالمال الحر يقومون بأدائه للملتزمين غير مبني على أساس عدل، ولا قاعدة حقة. وهو مع ذلك لم يكن على نمط واحد في جميع القرى. بل كان يختلف باختلاف شهوات الملتزمين، ويظهر أن الزيادة التي جعلت أموال الضرائب أضعافا مضاعفة إنما حصلت تدريجيا حتى بلغت حد الكثرة في مبدأ القرن الـ 11 للهجرة. وذلك من علاوات أنواع من المظالم كان ولاة السوء يضيفونها على الناس ظلما ويسمونها مضافا.

يردف: « وهكذا ازداد التأخير إلى أن كان عاقبة ذلك محو الآثار القديمة وضياع ما كان لهذه البلاد من الثروة والذكر الحسن. وبعد أن كانت مصر أم البلاد ومنبع خيراتها وبركتها، أصبحت متردية بجلابيب الجهل  يحيط بأهلها الهم والفقر من كل جانب ففارقها أغلب سكانها، وبارت أكثر أراضيها، وتجردت عن عزها وفخرها، وأحاط بمن بقي من سكانها أنواع المحن والرزايا.

الفرنسيس

وقد كان من الطبيعي أن تسقط مصر البائسة بسهولة في قبضة نابليون بونابرت عندما جاء على رأس حملته الشهيرة إليها عام 1798. يقول علي مبارك في نخبة الفكر: « ثم لحصول الجور العام في تلك الأيام، وعدم التدبر من ولاة أمور مصر في العواقب واختلال السياسة وعدم المبالاة بحفظ الروابط والعلائق بينهم وبين الأجانب، أغار الفرنسيس على مصر . ومن عهد نزولهم على ساحل الإسكندرية إلى دخولهم القاهرة، لم يمض إلا 20 يوما واستولوا عليها.

وبقدر ما كان العرق والدم الذي بذله المصريون كثيفا للتخلص من الفرنساوية، فإنهم بعد أن حققوا ذلك أخيرا في العام 1801، أدركوا أنهم لم يطردوا الفرنسيس فحسب، وإنما العثمانلي كذلك معهم. فقد اعتلى عرش الولاية في مصر وال جديد هو محمد علي باشا، أخذ يخطو الخطوات الواسعة حتى ابتعد بالمحروسة عن حكم إسطنبول، ووضعها أخيرا على طريق التقدم والحداثة. وقد كان علي مبارك شاهد عيان على التحديث الذي عاشته مصر في عهد الأسرة العلوية ومشاركا بنفسه في أجزاء هامة منه. 

علي باشا مبارك

ولد في قرية برنبال التابعة لمركز دكرنس محافظة الدقهلية عام 1823، لأسرة ميسورة الحال في الريف المصري. بدأ تعليمه في مدرسة الجهادية، ثم انتقل إلى مدرسة المهندسخانة بين عامي 1839 و 1844. وبعث بعد تخرجه فيها إلى فرنسا ضمن بعثة علمية درس فيها الفرنسية، إضافة إلى المدفعية والهندسة الحربية.

لما عاد إلى مصر، أشرف علي مبارك على صيانة القناطر الخيرية، كما بدأ في تنفيذ مشروع كبير لتطوير التعليم المصري. ولما تولى الخديو إسماعيل السلطة، أسند إلى علي مبارك تحديث مدينة القاهرة بشق الشوارع الواسعة، وإنشاء الميادين، وإقامة المباني والعمائر الجديدة، وإمداد القاهرة بالمياه وإضاءتها بالغاز، وهو نفسه التخطيط الباقي إلى اليوم في منطقة وسط العاصمة، والمعروفة باسم «القاهرة الخديوية.

تعتبر موسوعة «الخطط التوفيقية في عشرين جزء أهم أعماله على الإطلاق. وهي إكمال للتأريخ الطوبوغرافي للقاهرة، والذي بدأه تقي الدين المقريزي في العصر المملوكي، مع تعميم علي مبارك للدراسة فوق سائر أقاليم القطر المصري. 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع