محمد قطب.. الشيخ الذي علم أردوغان التكفير ودعم حربه في سوريا

محمد قطب

محمد قطب

يحتفظ الإسلاميون العرب والأتراك بهذه القصة المصاغة برومانسية للتدليل على العلاقة الطيبة التي جمعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمحمد قطب، المفكر التكفيري الشهير، والشقيق الأصغر لسيد قطب، المنظر الرئيس لكل الجماعات الإسلامية المتشددة في العالم.

تقول القصة إن أردوغان بعد فوزه بمنصب رئاسة الوزراء في تركيا، للمرة الأولى في عام 2002، توجه إلى المملكة العربية السعودية في إحدى زياراته الرسمية. وبعد أن أدى فريضة العمرة في مكة المكرمة، تحول بموكبه إلى منزل محمد قطب الكائن في المدينة. وأثناء الزيارة، قبل أردوغان، رأس قطب الأصغر ويده، ثم جلس يطلب منه الدعاء وزيارة تركيا والإقامة فيها. ولكن قطب اعتذر لرغبته في مجاورة البيت الحرام حتى آخر حياته.

جلسة أردوغان وقطب القصيرة تلك مثلت نقطة الذروة في علاقة جمعت بين الرجلين منذ سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، لعب خلالها الأخير بمحاضراته التي ألقاها في تركيا على مسامع أردوغان وأمثاله من الإسلاميين الأتراك، الدور الأبرز في نقل الأفكار التكفيرية التي أنشأها شقيقه سيد قطب لأول مرة في مصر إلى الحركة الإسلامية في تركيا، وتكييفها مع الواقع السياسي هناك. ولم يكن التقدير الكبير الذي أظهره أردوغان في مكة لشخص قطب سوى اعتراف من الرئيس التركي بذلك الدور للرجل، الذي كانت أكبر تجلياته على الإطلاق وصول أردوغان نفسه ورفاقه إلى حكم تركيا، واحتكارهم الحكم فيها طوال العقدين الأخيرين من الزمن.

 

قطب الأصغر.. شهرة أقل وخطورة أكثر

من المؤكد أن محمد قطب أقل شهرة وذيوعًا في الصيت من سيد قطب. وهو أمر مفهوم إذا ما أدركنا حقيقة أن سيد يقع في قضية السعي المسلح لإقامة الدولة الإسلامية موقع المنظر الرئيس، بينما يقع القطبي الأصغر «محمد» موقع المتابع لتنظيرات الشقيق والشارح لها. ولكن على الرغم من ذلك، فإن مؤرخي الجماعات الإسلامية، ينظرون إلى محمد قطب باعتباره شخصًا بالغ الخطورة والأهمية، تمثل قراءة منتجه، وفهم حجم تأثيره على الحراك الإسلامي المعاصر، ضرورة لكل راغب في الإحاطة بأيديولوجية الجهاد والتكفير، التي تلقي بظلالها الثقيلة على العالم منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى اليوم.

ففي التعريفات الأكاديمية لمحمد قطب، يقدم الرجل بصفته «الوسيط» بين أفكار شقيقه سيد وتنظيم القاعدة. وقد تمت تلك الوساطة إما بالفعل المباشر، من خلال تلمذة كبار مؤسسي «القاعدة»، عبدالله عزام، ثم أسامة بن لادن على يدي قطب الأصغر، أو بالفعل غير المباشر، من خلال سلطة كتاباته فوق رؤى باقي قادة التنظيم، وعلى رأسهم محمد الظواهري.

تشبع محمد بأفكار شقيقه الأكبر سيد، منذ الصغر. وحبس معه في السجن الحربي بتهمة الاشتراك في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر في عام 1954. وقد أفرج عنهما في عام 1963، ثم أعيدا مرة أخرى إلى السجن في عام 1965. وبعد إعدام سيد قطب في عام 1966، استمر محمد قطب في الحبس حتى أفرج عنه أخيرًا في عام 1971.

بعد الخروج، سافر محمد قطب إلى المملكة العربية السعودية، وعكف فيها على توسعة مشروع شقيقه وتعميق مصطلحاته الرئيسية، تحديدًا «جاهلية المجتمع»، و«الحاكمية». وله في المصطلح الأول الكتاب الأبرز، وهو «جاهلية القرن العشرين».

اعتبرت السنوات التالية للعام 1971 وحتى اندلاع حرب الخليج في العام 1990، سنوات النشاط الكبير بالنسبة له، حيث خرج من المملكة أكثر من مرة لإلقاء محاضرات وإقامة ندوات في تركيا، ودول الخليج. وكان في كل تلك البلدان يُحتفى به بصفته الشارح الأكبر لشقيقه، إضافة إلى كونه أكثر المنظرين للمشروع الإسلامي صلابة، ووضوحًا.

 

أردوغان.. التلميذ

كان رجب طيب أردوغان في الطليعة من آلاف الإسلاميين الذين حرصوا على الوجود في المحاضرات التي ألقاها محمد قطب في تركيا. وكان أردوغان وقتها لا يزال ناشطًا سياسيًّا فاعلًا في حركة «ميللي غوروش». الحركة الأم لكل الأحزاب الإسلامية في تركيا الحديثة، التي أسسها نجم الدين أربكان في عام 1969.

مثلت محاضرات محمد قطب لأمثال إردوغان الوسيلة المثالية لاستيضاح سبل إقامة الدولة الإسلامية في تركيا، التي كانت العلمانية التركية، والجيش الحامي لتلك العلمانية، بمثابة مهددات وجودية لها. وكان التشابه الكبير في التجربة التحديثية وعلاقتها بالدين بين مصر وتركيا، عاملًا ميسرًا على قطب الأصغر للمقاربة بين الحركة الإسلامية في البلدين. 

فقد اعتبر قطب أن المجتمع التركي يعيش جاهلية كبرى مثل المجتمع المصري، تجعله كافرًا واجب الإعادة إلى حظيرة الإسلام. وأن أسلمة ذلك المجتمع، بالكلمة أو بالنضال المسلح، مع تنحية كافة أشكال التغريب الثقافي الذي عاشته تركيا منذ تأسيس الجمهورية، بالكلمة أيضًا أو بالنضال المسلح، ستكون الطريق نحو قيام الدولة الإسلامية التركية القائمة على مفهوم الحاكمية، أي الاتكاء في كافة أمور الحكم على الشريعة الإسلامية وحدها.

هكذا، مثلت محاضرات محمد قطب، وقبلها أعمال سيد قطب، المترجمة إلى التركية، خاصة «معالم في الطريق»، و«في ظلال القرآن»، الأساس الذي استند إليه أردوغان وغيره من أعضاء «ميللي غوروش» في تكفير وتجهيل خصومهم، وكذلك في تأسيس ميليشيات مسلحة لتنحية أولئك الخصوم من الشارع السياسي التركي بالقوة، حتى صار ذلك الأخير ملكًا لهم منذ ثمانينيات القرن الماضي.

 

الأفكار تتحول إلى واقع

ظل محمد قطب نشطًا حتى عام 1990، حين قرر الاعتزال في منزله بمكة المكرمة، اعتراضًا على استعانة دول الخليج بالولايات المتحدة الأمريكية لتحرير الكويت من العراق التي احتلتها بأمر من صدام حسين.

لكن اعتزال قطب الأصغر كان قد جاء بعد أن تمثلت أفكاره هو وشقيقه في صورة وحش كامل هو تنظيم «القاعدة» في جبال أفغانستان. كما أنها نجحت على جانب آخر في أن تكون الممول الأيديولوجي الرئيس لحراك «ميللي غوروش» في تركيا، وغيرها من الحركات الإسلامية عبر العالمين العربي والإسلامي.

واعترافًا بهذا الدور، ظل محمد قطب في عزلته مقصدًا لكل المنتمين إلى السلفية الجهادية. وقد أبدى خلال تلك الفترة، أي التسعينيات، كفره النهائي باحتمال وصول الإسلاميين إلى الحكم عبر المسلك الديمقراطي، وذلك على إثر الإطاحة بالإسلاميين في الجزائر وتركيا بانقلابات عسكرية، وهو ما دفعه إلى العودة للقول بضرورة الكفاح المسلح.

 

أردوغان.. والانحراف عن القطبية

رؤية قطب الأخيرة ما لبثت أن فوجئت بنجاح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية التركية عام 2002، ثم وصول «المريد» أردوغان إلى رئاسة الوزراء في أنقرة خلال نفس العام. وقد أثبتت حكومة أردوغان أنها قادرة على الصمود والبقاء، دون التعرض لانقلاب كذاك الذي أطاح بحكومة نجم الدين أربكان الإسلامية في عام 1997.

لم يعبر ذلك الثبات عن قبول الجيش التركي للواقع الذي فرضته الديمقراطية، ولا عن انتصار الإسلاميين الأتراك وفقا للرؤية القطبية. بل على العكس، جاء ذلك الثبات معبرًا عن نقيض ما سبق.

فالجيش التركي، ومن ورائه الدولة العميقة في تركيا، استجابا معًا لضغوط الغرب الأوروبي بضرورة قبول نتائج الانتخابات أيًا كان الفائز بها. وكان ذلك هو ما غل أيدي الجيش عن العدالة والتنمية بصورة رئيسية. واعتبرت الضغوط الغربية في ذلك الوقت فاتحة لتحالف بين الإسلاميين الأتراك وأوروبا تجاه ملفات شائكة في الشرق الأوسط.

كما أن صمود أردوغان جاء كذلك نتيجة «التنازلات» عن المبادئ الصلبة للسلفية الجهادية التي تعلمها قديمًا على محمد قطب، وقرأها عند شقيقه سيد.

فبعد أن أصبح رئيسًا للوزراء، عمد أردوغان إلى إظهار الكثير من البراغماتية في سلوكه السياسي، إذ واصل السعي المحموم لضم بلاده إلى الاتحاد الأوروبي، وحافظ على علاقة بلاده العسكرية والاستراتيجية الوثيقة بإسرائيل. كما أبقى على قاعدة أنجرليك الأمريكية جنوب البلاد مفتوحة. بل إنه دعا الشعب المصري أثناء زيارته القاهرة في عام 2012، أي خلال حكم جماعة «الإخوان المسلمين»، إلى تأسيس دولة علمانية على النموذج التركي.

 

الدعم يتواصل

كانت تلك التصرفات كلها تعتبر خيانة عظمى للتعاليم القطبية. وكان من المفترض أن ينظر محمد قطب إلى أردوغان باعتباره مارقًا عن الإسلام كما يراه القطبيون. ولكن أي من ذلك لم يحدث. بل على العكس، استمر الدعم القلبي من محمد قطب لتجربة «العدالة والتنمية» باعتبارها تجربة إسلامية. وشهدت السنوات التالية للربيع العربي ألوانًا جديدة من دعم الشيخ لمريده التركي.

فبعد اندلاع الحرب الأهلية في سوريا عام 2011، وانخراط تركيا فيها بدعم فصائل سنية تقاتل الحكومة المركزية في دمشق، أبدى محمد قطب، ترحيبه بالدعم التركي لتلك الفصائل، خاصة «جبهة النصرة»، التي أصبحت بمثابة الذراع المسلحة للأتراك فوق الأراضي السورية.

ونقلت مواقع إخبارية في ذلك الوقت أخبارًا عن زيارة القاضي الشرعي لـ«جبهة النصرة» عبد الله المحيسني، تركيا، بصحبة محمد قطب نفسه. وقد بدا الأمر وكأن قطب الأصغر مثل في ذلك الوقت، عراب التحالف بين أنقرة والتنظيم المسلح الناشئ.

كما أن محمد قطب، دعم وبارك ظهور الدولة الإسلامية في العراق والشام خلال نفس الفترة. وتنظيم الدولة هو امتداد لتنظيم القاعدة، وليد الفكر القطبي الأول. ورغم قول تركيا إنها تعتبر ذلك التنظيم إرهابيًا بصورة رسمية، فإن تقارير استخباراتية عدة أذاعتها وكالات الأنباء أشارت إلى رعاية أردوغان لمقاتلي التنظيم ودعمه لهم.

على هذه الصورة، ظل قطب مقربًا من النظام التركي. ولم يقدر له شهود تداعيات المغامرات التركية العسكرية في سوريا من خلال الوكلاء التكفيريين، بعد أن مات في مكة يوم 4 أبريل من عام 2014، قبل شهرين فقط من إعلان أبي بكر البغدادي نفسه خليفة للمسلمين من الموصل في شمال العراق، وقبل تحول أردوغان من مجرد دعم الفصائل السورية المسلحة إلى اقتحام الشمال السوري بعساكر الجيش التركي وآلياته الثقيلة.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع