علي بك الكبير.. عجز العثمانيون عن هزيمته فاشتروا تلميذه بالذهب

علي بك الكبير

علي بك الكبير

في نحو عام 1740، خُطف صبي مسيحي في الثالثة عشرة من عمره من إحدى قرى جورجيا، ثم اقتيد إلى القاهرة ليباع كمملوك لصالح أمير يدعى إبراهيم كتخدا. وفي مصر جرى عليه ما كان يجري على أقرانه من المماليك الجدد، حيث أُجبر على اعتناق الإسلام، وخضع لتربية عسكرية قاسية، كما مُنح اسمًا جديدًا هو علي، أو علي بك الكبير، كما سيعرف مستقبلًا، وهو نفسه المملوك الذى قلب الأوضاع في مصر والشرق الأوسط خلال النصف الثاني من القرن الـ18 بعد أن انتزعها من قبضة العثمانيين الأتراك. 

 

شيخ البلد

كانت بداية ترقي علي بك عندما أعتقه سيده إبراهيم وهو في سن العشرين بعد أن توسم فيه تفوقًا كبيرًا في ركوب الخيل، والضرب بالسيف والطعن بالرمح، واستخدام الأسلحة النارية. ثم اقتحم بفضل سيده الجهاز الإداري المملوكي في عام 1749، عندما تولى منصب كاشف (أي أمير) لإحدى جهات الوجه البحري. 

في تلك الأثناء، كان المتولي لمنصب شيخ البلد هو صاحب السلطة الفعلية في القطر المصري، أقوى حتى من الباشا العثماني الذي كانت ترسله إسطنبول إلى القاهرة، ويظل حبيسًا في قلعة الجبل دون أن يترك بصمة مؤثرة على الأحداث. ولذلك، أبدى علي بك طموحًا كبيرًا لاعتلاء مشيخة البلد مع دخول ستينيات القرن الـ18، فاستكثر من شراء المماليك، ثم وثب على المنصب متوليًا إياه في سنة 1763. ولكنه لم ينجح في الاحتفاظ بمنصبه خلال ذلك الوقت، حيث أجبره خصومه على الفرار من القاهرة إلى الصعيد تارة وإلى الحجاز تارة أخرى وإلى الشام تارة ثالثة.

لم يثن ذلك علي بك عن التطلع إلى منصب شيخ البلد مرة ثانية، وهو ما نجح فيه سنة 1767. وهذه المرة، صادر أموال خصومه وقتل بعضهم ونفى البعض الآخر، حتى خلا له الجو وبسط سيطرته على مصر. وكان أهم مماليكه الذين أعانوه على ذلك: محمد بك أبو الذهب، ومراد بك، وإبراهيم بك، وأحمد بك الجزار. 

فور تخلصه من خصومه، اتضح أن علي بك الكبير يطمح إلى ما هو أعلى من مجرد القبض على السلطة الفعلية في مصر وحكمها نيابة عن العثمانيين، وأن رغبته الحقيقية هي الاستقلال بالمحروسة عن السلطنة العثمانية نهائيًّا. وكان العثمانيون في ذلك الوقت ينالون الهزائم المتوالية في حربهم أمام روسيا القيصرية. فاستغل علي بك ذلك واستصدر أمرًا من الديوان بعزل الوالي العثماني، وتولى هو منصب القائمقام بدلا من الوالي المخلوع في 11 ديسمبر 1768.

أتبع ذلك منع علي بك قدوم الولاة الأتراك من إسطنبول إلى القاهرة، كما أنه عمد في نفس السنة 1768 إلى إيقاف إرسال الأموال المقررة سنويًّا على مصر إلى الدولة العثمانية.

 

ضم الحجاز

وفي أثناء ذلك، نجح علي بك في القضاء على كافة المتمردين ضده في الوجهين البحري والقبلي. ولم يكتف بذلك، بل انتقل بتطلعاته إلى خارج حدود القطر المصري، فوضع خطة واسعة لضم الحجاز، منتهزًا فرصة الصراع الذي نشأ في مكة بين اثنين من أشراف الحجاز على الحكم، وأرسل مملوكه محمد بك أبو الذهب إلى هناك في يونيو 1770، حيث نجح الأخير في ضم المدينتين المقدستين، مكة والمدينة، إلى دولة سيده وأستاذه علي بك الكبير، ما منح الأخير الفرصة للتسمي بلقب خادم الحرمين الشريفين، وهذه المرة الأولى التي يفقد العثمانيون فيها ذلك اللقب، منذ استولى سليم الأول على مصر والحجاز في عام 1517. 

 

الحرب في الشام

انتقل علي بك بعد ذلك إلى بلاد الشام، واستغل فرصة استنجاد ظاهر العمر والي عكا به ضد العثمانيين الأتراك، وبدأ في إنفاذ الحملات العسكرية من القاهرة إلى سوريا لانتزاعها من قبضة إسطنبول. 

وقبل أن يمضي علي بك في ذلك، قام بالاتصال بقائد الأسطول الروسي المرابط في البحر المتوسط، وعرض عليه معاهدة تحالف مع بلاده مقابل تزويده بالأسلحة والخبراء العسكريين. وقد وعد القائد الروسي بعرض طلبات علي بك على حكومة الإمبراطورة كاترين. 

على أي حال، اختار علي بك مملوكه محمد أبو الذهب للسيطرة على الشام. وأخرجه على رأس جيش كبير يتألف من أكثر من 40 ألف جندي ليزحف على سوريا، وأعلن أن السبب من الحملة هو إيواء عثمان العظم والي دمشق لخصوم علي بك وإعدادهم للإغارة على مصر.

سريعًا، تمكن محمد أبو الذهب من تحقيق انتصارات كبيرة على الجيوش العثمانية المتفسخة، فاستولى على غزة والرملة. ولما اقتربت قواته من بيت المقدس خرج إليه حاكمها وقضاتها وأعيانها، ورحبوا بقدوم الحملة المصرية التي دخلتها دون قتال. ثم استسلمت يافا بعد حصار دام شهرين، ثم انضمت قوات الشيخ ظاهر العمر إلى القوات المصرية ففتحوا صيدا، ولم يبق أمامهم سوى دمشق، والتقى الجيشان الحليفان بالجيش العثماني الذي لم يستطع المواجهة والصمود، ولقي هزيمة كبيرة، ليدخل محمد أبو الذهب بعد المعركة إلى دمشق في 6 من يونيو 1771.

 

خيانة أبو الذهب

بينما كان علي بك الكبير يحتفل بانتصاره الكبير في القاهرة، كان محمد أبو الذهب يتوقف عن العمليات العسكرية ضد العثمانيين، ويستعد للرجوع إلى مصر، ليس للمشاركة في الاحتفالات وإنما للقضاء على علي بك الكبير، بعد أن نجح العثمانيون في استمالته وإغرائه بحكم مصر إن هو قضى على سيده. 

عاد أبو الذهب سريعًا إلى مصر، وسحب في طريق عودته جميع الحاميات التي كان قد أقامها في البلاد المفتوحة، وبدأ يحارب أستاذه علي بك. وقد عجز الأخير عن اتخاذ قرار صارم ضد تابعه الذي خرج عليه، ولم يعد هناك مفر من الصدام بين الرجلين، وانتهت الغلبة فيه لأبي الذهب الذي كان يملك زهرة جنود الجيش المصري، واضطر علي بك الكبير إلى مغادرة القاهرة، والالتجاء إلى صديقه ظاهر العمر، في فلسطين، ومعه ثروته الضخمة و7 آلاف من فرسانه ومشاته، وبدأ في تنظيم قواته والاتصال بقائد الأسطول الروسي الذي راح يمنيه بقرب وصول المساعدات، لكن هذه الوعود تمخضت عن ثلاثة مدافع وبضعة ضباط وعدد من البنادق فحسب.

تعجل علي بك العودة إلى مصر على غير رغبة ظاهر العمر، الذي نصحه بالتريث والتمهل، حتى إذا وصل إلى الصالحية بالشرقية، التقى بجيش أبي الدهب في 26 أبريل 1773 في معركة كان النصر فيها حليف الأخير، وأصيب علي بك في هذه المعركة بجراح، نقل على أثرها إلى القاهرة، حيث قدم له مملوكه أبو الذهب الرعاية الطبية، لكن ذلك لم يغن عن الأمر شيئًا، فمات في 8 من مايو 1773، بعد أن دوخ السلطنة العثمانية، ووضع بذور استقلال مصر عنها. 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع