كلوت بك.. كيف رأى أبو الطب المصري الحديث سنوات الحكم العثماني لمصر؟!

كلوت بك

كلوت بك

يمثل كتاب «لمحة عامة إلى مصر» للطبيب الفرنسي كلوت بك، شهادة تاريخية عن وهدة التخلف الحضاري التي أسقط فيها العثمانيون مصر المحروسة طوال ما يقارب الثلاثمائة عام، وذلك من خلال المقارنات التي عقدها مؤلفها بين أوضاع البلاد في عصر العثمانلي، وبين ما آلت إليه بعد استبداد محمد علي باشا بحكمها دون إسطنبول. 

هو أنطوان بارتلمي، والمعروف باسم كلوت بك، ولد لأسرة فقيرة في جرينوبل بفرنسا في نوفمبر 1793. وبعد تعلمه في إحدى المدارس الخيرية، بدأ في ممارسة الطب عمليا كمساعد للطبيب الفرنسي سابييه، حتى نبغ في الجراحة، الأمر الذي أهله للالتحاق بمدرسة الطب في مونبلييه، التي منحته درجة الدكتوراه في عام 1830. 

في عشرينيات القرن التاسع عشر، كان والي مصر محمد علي باشا، قد وضع على عاتقه مهمة تحديث القطر المصري، وفقًا للنمط الأوروبي، وكان الجيش، الذي حوله الباشا من دائرته العثمانية القديمة، القائمة على التحزب والفرق المتنافرة، إلى دائرة الجيش الوطني القائم على تجنيد الفلاحين المصريين، هو الميدان الرئيس لعمليات التحديث تلك، حيث كان يدرك تمام الإدراك، أن جيشًا جديدًا سيكون هو المعين الوحيد للاستقلال بمصر عن السلطنة العثمانية، والاطمئنان إلى عدم قدرتها على الغدر به.

ولما كان تحديث الجيش، يستلزم تجنيد عدد كبير من المصريين، وهو ما يتطلب رعاية صحية خاصة، تمنع عن المجندين شرور الأوبئة والأمراض المعدية، فقد رغب الباشا في الاستعانة بالخبرات الفرنسية في مجال الطب للإشراف على الوضع الصحي العام للجيش المصري. ومن هنا جاءت بداية الاتصال بين كلوت بك ومحمد علي باشا.

 

استقدام كلوت بك

ففي عام 1825، تمكن محمد علي من استقدام كلوت بك إلى مصر، وعينه في منصب «جراح باشي»، أي «رئيس الجراحين» في بلاطه. ثم عهد إليه بتنظيم الخدمة الصحية في مصر. فافتتح مدرسة للطب في منطقة أبو زعبل خلال شهر فبراير من عام 1827. وهي التي نقلت في أوائل عام 1837، إلى مكانها الحالي في قصر العيني، (حالياً كلية طب قصر العيني التابعة لجامعة القاهرة).

تخرج على يد كلوت بك في المدرسة رواد مهنة الطب في مصر في ذلك الوقت، كما بذل الرجل جهودًا كبيرة في نقل الكتب الطبية من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية. واستطاع مع زملائه من الأوروبيين، تدريب الكثير من الأتراك والمصريين في القاهرة ليصبحوا أطباء في الجيش، إضافة إلى توليه الإشراف على البعثات التي ضمت عددًا من نبهاء المصريين وأرسلها محمد علي باشا إلى باريس للدراسة المتخصصة والتدريب، تمهيدًا لعودتهم وتكوين نخبة نهضوية في البلاد.

وفي عام 1839، سمح محمد علي لكلوت بك بالسفر إلى فرنسا بعد زواجه، واستثمر الأخير فترة تفرغه، ليؤلف دراسة عن القطر المصري، سماها «لمحة عامة إلى مصر»، نشرها في باريس في عام 1840.

 

على خطى "وصف مصر"

«لمحة عامة إلى مصر»، كان محاولة من كلوت بك لإكمال العمل الموسوعي الهائل «وصف مصر»، الذي وضعه علماء الحملة الفرنسية أثناء الحملة على مصر بقيادة نابليون بونابرت 1798 - 1801. ولا شك أن كلوت بك، الذي مر حينذاك على وجوده بين ظهراني المصريين نحو 15 عامًا، كان قد اعتبر نفسه هو الأجدر بإتمام تلك المهمة.

كلوت بك سار في كتابه، على نفس النهج الذي ابتدعه علماء حملة بونابرت، حيث تقصي المعلومات حول أدق التفاصيل المصرية، من التاريخ والجغرافيا، إلى الجيولوجيا والأنثروبولوجيا (علم الإنسان)، والتكوين الديموغرافي (السكاني)، إلى وضع الأديان وطبيعة الأخلاقيات السائدة، والتركيبة الاجتماعية الغالبة، حتى ينتهي أخيرًا بالنظم السياسية المستجدة بمصر على أيامه.

في الغالبية الساحقة من تلك التفاصيل، يعقد كلوت بك دائما مقارنة بين الأحوال في مصر قبل نهضة محمد علي وبعدها، لتتجلى، بوضوح، النقلة المذهلة التي حققتها البلاد في عهد الباشا، من التخلف والركود تحت حكم العثمانيين ووكلائهم، إلى تلمس طريق الحداثة الأوروبية، وكان حديث كلوت بك في تلك المقارنات، يستند إلى المستحدثات في مصر كدليل على تلك النقلة، أكثر من ترديد عبارات إنشائية جوفاء.

 

همجية وجهل

من أهم تلك المقارنات، حديث كلوت بك عن النهضة العلمية في عصر الباشا، فبعد أن يعدد مظاهر النهوض العلمي، سواء في مصر القديمة، أو خلال العصور الوسطى الإسلامية، ينتقل إلى الحديث عن تكلس الفكر المصري في العصر العثماني، واصفًا السلطة التركية بأنها: «كانت على الدوام مزعزعة الأركان ضعيفة القواعد، فلم تعن بالشؤون العلمية التي أخذت تضمحل وتذوي كما تذوي أوراق الشجر. فإن المماليك (يقصد بكوات المماليك الذين حكموا مصر لصالح إسطنبول في القرن الثامن عشر) لم تكن لهم دراية بشيء غير العلم بأساليب القتال، ولا عمل عندهم أشرف من رياضة الأجسام، دفعوا بمصر إلى الأمام، وإنما عن طريق الهمجية والجهل».

في ذلك العهد «لم يرتفع شأن لعلم سوى دراسة القرآن. أما العلوم والفنون الأخرى، فقد ألقيت في زوايا النسيان، وأطرحت حتى صار علم الطب دجلًا وشعوذة فظيعة وساءت الأحوال إلى أن فقد المصريون كل ذكرى تتعلق بماضي بلادهم. وفي عهد الحملة الفرنسية، أخذ بعض مواطنينا يقصدون إلى الأهرام لمشاهدتها، فكان الأهالي يقولون إن تلك الأهرام شادها أقوام فرنسيون من سلالتهم. وكانوا قبل ذلك يعتقدون أنها أثر من آثار الطبيعة وعمل لا دخل ليد الإنسان فيها».

نخبة علماء الأزهر، في ذلك الحين، يصفها الكتاب بالقول: «وكانت نتف العلوم التي تتحلى بها مصر في ذلك الأوان احتكارًا للعلماء ووقفًا عليهم، إذ كان هؤلاء يتلقون في الجامع الأزهر بعض الشيء من فلسفة أرسطو، واللغة العربية، والكتابة والحساب، وتفسير القرآن، وتاريخ الخلفاء، لينقلوه فيما بعد إلى غيرهم ولم يكونوا حاصلين من مبادئ علم الهيئة (الفلك) وتخطيط البلدان إلا على مبادئ وأصول مبنية على الأغلاط والأباطيل».

 

بعثات الباشا

وإذا كانت الحملة الفرنسية قد أحدثت هزة عنيفة لذلك الوضع المزري، ونبهت أهل مصر إلى ضرورة إنهاء تخلفهم، فإن محمد علي باشا هو من تولى تلك المهمة المحفوفة بالمخاطر.

الطبيب الفرنسي يواصل في كتابه: «كان من نصيب محمد علي أن يتولى نشر راية العلوم والمعارف في قطر قطعت فيه الدور الأول من أدوار نموها وازدهارها (يقصد ما بعد الحملة الفرنسية).. فلم يمض على استلامه مقاليد الأمور زمنا يسيرا حتى أنشأ جملة من المدارس لم تبلغ من الأهمية المبلغ الذي كان يتمناه لها. ثم أدرك فيما بعد أن لا مناص له من الاعتماد على أوروبا في الاسترشاد بهم إلى طريق التقدم العلمي».

نتيجة لذلك فإن الباشا «وجه إلى إيطاليا وفرنسا طائفتين من الشبان المسلمين لتنشئتهما فيهما على تلقي العلوم والتحلي بحلية الآداب والفنون. فنبغ من بينهم في مقدمة من نبغوا (عثمان أفندي نور الدين)، الذي بعد أن قضى سنوات في بلادنا (يقصد فرنسا) عهدت إليه إدارة مدرسة قصر العيني الكبرى. وأسس مدرسة أركان الحرب بالخانقاه في سنة 1821».

أثناء وجود عثمان أفندي نور الدين بفرنسا، وهو أول من أرسلهم محمد علي باشا إلى أوروبا، لتلقي العلوم «كاشفه العلامة الفرنسي (جومار) بمشروع ابتكره لتحقيق ذلك الغرض. وهو إرسال بعثات مصرية إلى أوروبا لطلب العلم بها، فتلقاه عثمان أفندي بالاستحسان واطلع عليه سمو الوالي الذي لم يلبث أن أمر بتنفيذه بدءًا من عام 1826، إذ عهد سموه إلى المسيو جومار إرسال أول بعثة مصرية في فرنسا وكانت مؤلفة من 44 شابا من الأتراك والمصريين».

وبعد مضي سنة أو سنتين من تأليف تلك البعثة تم تهيئة «أحد عشر طالبا من أولئك الشبان لدرس أساليب الإدارة العسكرية والمدنية والسياسية، وثمانية لتعلم فن البحر والهندسة العسكرية والمدفعية. واثنين لاستقصاء علوم الطب والجراحة وخمسة لدرس الزراعة والمعادن والتاريخ الطبيعي، وأربعة لتحصيل العلوم الكيميائية، وأربعة لممارسة فن الأيدروليك وصب المعادن، وثلاثة لمباشرة الحفر في المعادن والطباعة، وواحد لإتقان فن الترجمة، وآخر لإجادة فن العمارة». وقد أصبح هؤلاء جميعا رواد النهضة العلمية في مصر بعد عودتهم. 

 

قلة عدد سكان مصر

كتاب كلوت بك، قدّم تفسيرًا لأسباب قلة أعداد السكان في مصر وقت نزول الحملة الفرنسية إلى شواطئها، حيث تراوحت أعدادهم وفقا لإحصائيات غير رسمية بين 2 إلى 3 ملايين نسمة فقط.

الكتاب عزا ذلك التناقص الحاد إلى نظام الحكم العثماني في مصر قائلا: «قضى الله أن لا يوجد على وجه الأرض بلد اختل فيه نظام الحكم فيها اختلاله في القطر المصري، أو شهد في مدد قصيرة تناوب السلطات المختلفة عليه، على ما عرفت به من شدة الهمجية والميل إلى التخريب مع الدعة والتهاون والغباوة في إدارته».

يردف: "وإذا بحثت عن أسباب نقص عدد سكان القطر المصري فإنك لا تلبث أن تتأكد رجوعها كلها إلى ما كانت عليه حكوماته من اختلال نظام واستبداد حكم وعماية عن الصواب ونزوع إلى الفوضى التي اغتصبت زمام الحكومة، وتصرفت في شؤونها بالعبث والإفساد حتى ضاع الغرض النافع المقصود منها".

ثم يقول: "فإذا كان في مصر أسر هجرت الأرض بسبب زحف الصحراء عليها، فما الخطأ إلا خطأ السلطة ولية الأمر. وإذا كانت الأوبئة على تعددها واختلافها قد تحيفت القطر المصري وفتكت بأبنائه واتخذته لنفسها مستقرا ومقاما فمن ذا الذي تقع عليه مسؤولية الإهمال غير الحكومة".

وقد كان محمد علي باشا هو من عمل على إعادة أعداد السكان إلى طبيعتها في مصر مرة أخرى، حيث يقول الكتاب: "محمد علي شق الترع الكثيرة التي حملت إلى الأقصية من بلاد الأرياف عناصر الخصب والرخاء. وأدخل التحسين على نظام الري فأصابت حسناته القفار والصحاري فزادت محصولات مصر زيادة بالغة".

كما أنه "استدعى إليه الأطباء الأجانب لاستئصال شأفة الأمراض، وأنشأ مدرسة للطب ومستشفيات عديدة. وكان داء الجدري قبل ولايته يحصد الثلث من عدد الأطفال. فبما اتخذ من وسائل المكافحة والوقاية زال هذا السبب الذي كان من أهم أسباب نقص السكان. إذ تقرر تلقيح المولودين، وغيرهم بالمادة الجدرية، وحال بين الموظفين والتسلط على الأهلين بالظلم والعسف. وساد الأمن وخفقت ألوية النظام بحيث أصبح ساكنوها متقلبين على مهاد الراحة والنعيم".

 

الصحة

يقود ذلك إلى مقارنة الأوضاع الصحية في مصر قبل وبعد نهضة محمد علي، حيث العلاج بالسحر والشعوذة في العصر العثماني، والعلاج بالطرق الأوروبية الحديثة في عصر الباشا.

عن مرض الدوسنتاريا مثلا، يقول كلوت بك: "من الأمراض الملازمة لمصر، وهي بعد الطاعون من أشدها فتكا بالمصابين بها، ويعرفها المصريون باسم الدوسنتاريا والسهلة… ذلك المرض الذي يكافحه الأهالي الوطنيون بالشعوذة وطب الركة، ودجل الدجالين. فتكون عاقبته وخيمة عليهم، ويعالجه الأطباء الأوروبيون بالطرق النافعة وأخصها مضادات الالتهاب والحمية. والحمية شرط لا بد منه في نيل الشفاء التام".

هناك كذلك الجدري، والذي يقول عنه الكتاب: "من الأمراض الجلدية الأكثر شيوعا في مصر وفتكا بأهلها. على أنه فقد منذ بضع سنوات كثيرا من قوة انتشاره وشيوعه. بفضل ما اتخذته الحكومة من الوسائل لإجراء عملية التقليح على الأطفال. والمأمول أن ينتهي الأمر بانقطاع ضرر هذا الداء عن مصر كما انقطع عن الديار الأوروبية".

 

الحشيش

إضافة إلى ذلك، يشير كلوت بك إلى الأضرار الخطيرة التي تعرض لها المصريون نتيجة تعاطيهم الحشيش، والذي كان مباحا ومصرحا بتعاطيه والإتجار فيه بواسطة حكام العثمانيين ووكلائهم. يقول كلوت بك: "الحشيش هو المستخرج من القنب المصري. وفي الغالب يتخذ منه مسحوق يدخن ضمن ما يحرق في نوع من الشيشة يسمى الجوزة. وهو في هذه الأحوال المختلفة يحدث عند من يستعمله غيبوبة لا تلبث أن تتحول إلى أقوال وأفعال شاذة".

ثم يصف أوضاع النبتة المخدرة في أيامه قائلا: "وفي أيامنا هذه يقتصر تجهيز القنب حشيشا على عامة الشعب، فهو محصور بينهم، يأكلونه ويشربونه ويدخنونه في القهاوي العامة وفي حوانيت خاصة به تسمى (محاشش) وكلمة حشاش التي تدل على متعاطي الحشيش تستعمل أيضا في لغة القوم للسباب والشتم".

ثم يتابع: "وهو كجميع المشروبات التي تزعزع أركان المجموع العصبي يصيب متعاطيه بالجمود الذي يجعله إلى الحيوانات العجم أقرب منه إلى بني الإنسان". ومن المعروف أن محمد علي باشا كان أول حاكم لمصر في عصرها الحديث، يحرم زراعة الحشيش والإتجار فيه، بعد أن تبينت له آثاره المدمرة على المصريين، المادة البشرية لنهضته العسكرية والصناعية.

 

خزعبلات

كان طبيعيا كذلك أن يتطرق كلوت بك إلى الإيمان بالخرافات الذي كان سائدا في مصر العثمانية. وبعد أن يعدد مظاهر تأثير السحر والشعوذة بين عامة المصريين، نجده يقول: "لم يكن العامة فقط هم الذين استحوذت الاعتقادات الباطلة والأوهام على عقولهم. بل يشاركهم فيها الخاصة على اختلاف مذاهبهم". ثم يحكي عن محمد بك، أول ناظر للحرب في عصر محمد علي باشا، وكيف كان يأوي رجلا مجذوبا اسمه الشيخ يوسف كان يعتقد في كراماته.

وفقا للطبيب الفرنسي، فإن محمد بك "أنشأ ضريحا للشيخ يوسف بجوار ضريحه ولا تزال رفاته تظللها نفس القبة التي تظلل هذا الكخيا (النائب) العظيم الذي كان وكيلا لمحمد علي في إدارة البلاد".

وكالعادة، سعى محمد علي باشا بكل قوته إلى محاربة الخرافة في المجتمع المصري، نظرا لقناعته بتقليص مثل تلك الممارسات فرص نجاح مشروعه الطموح. والكتاب يرصد حكاية طريفة عن "عرافة"، ادعت العلم بالغيب، وذاع صيتها بشدة في مصر، خاصة بين ضباط وأفراد الجيش المصري، فما كان من الباشا، إلا أن استدعاها إلى قصره، وكشف خداعها أمام الجميع.

 

كلوت بك، بعد عصر الباشا

بعد نشر الكتاب، عاد كلوت بك في عام 1840 إلى مصر، وظل يمارس عمله حتى وفاة محمد علي، ثم استقال من منصبه كرئيس لمدرسة الطب في أبريل 1849 ، نتيجة عداء الحاكم الجديد لمصر، "عباس باشا" للخبراء الأجانب في البلاد، ولكن كلوت بك، عاد إلى منصبه عندما تولى محمد سعيد السلطة، وأصبح هذه المرة "المفتش العام للصحة في مصر". وقد ظل في منصبه حتى كبرت سنه، إلى أن قرر اعتزال العمل والعودة إلى فرنسا في عام 1858 حيث ظل بها حتى وافته المنية في أغسطس 1868.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع