من الأرمن إلى معاذ الكساسبة.. هل أحيت داعش المحرقة العثمانية؟!

داعش يحرق أسراه أحياء

داعش يحرق أسراه أحياء

في فبراير 2015، قام تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش بإذاعة مقطع مصور لإعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة (27 عاما)، أحد الطيارين المقاتلين الذين شاركوا في التحالف الدولي لمحاربة التنظيم المتطرف في سوريا.

في المقطع، ظهر الكساسبة مرتدياً زي الإعدام برتقالي اللون، وهو واقف بداخل قفص حديدي. ثم عمد واحد من مقاتلي داعش الملثمين إلى إشعال النار في خيط من النفط السائل يمتد من أمام قدميه وحتى موضع القفص. ولم تكن سوى لحظات حتى وصلت النيران إلى الكساسبة الذي اشتعل جسده بالكامل حتى تفحم. 

وبعد أكثر من عام، كرر التنظيم فعلته عندما تطايرت الأنباء حول قيامه بإحراق 19 امرأة إيزيدية حتى الموت في يونيو من العام 2016، وذلك نتيجة رفضهن ممارسة الجنس مع المقاتلين. وبعد ذلك الحدث بنحو ستة أشهر، نشر داعش مقطعاً مصوراً جديداً لإعدام جنديين تركيين في 22 ديسمبر 2016، كانا من ضمن الفرقة العسكرية التركية المنفذة لعملية «غصن الزيتون» شمال سوريا.

كل هذه العمليات أثارت موجة غضب غير مسبوقة في كل أنحاء العالم، نتيجة تنفيذها بأسلوب «الحرق حيا الذي كان العالم قد اقترب من نسيانه منذ العصور الوسطى التي كانت المتهمات بالعمل في السحر يحرقن أحياء، ثم مطلع العصور الحديثة مع إنشاء محاكم التفتيش في إسبانيا. 

في فورة ذلك الغضب، قدمت التفسيرات التي ترد حرق داعش أسراه إلى العقيدة الإسلامية التي خولت للمقاتلين استخدام تلك الطريقة البشعة في الإعدام. ولكن مراجعة التاريخ الإسلامي العريض عبر العصور الوسطى، ومعها مراجعة أقوال فقهاء الشريعة الحنيفية ردت على تلك التفسيرات بعدم شهود تاريخ المسلمين سوى لحالة شبه يتيمة من الإعدام بالحرق وهي حادثة حروب الردة. كما أن الفقهاء في تنظيراتهم مالوا دائمًا إلى كراهية إعدام المذنبين بتلك الطريقة الوحشية، لأن النار هي من أصناف العذاب الإلهي الذي لا يجوز للبشر استخدامه.

إذا كان الأمر كذلك، فإن العودة بالوراء لأكثر من ألف وأربعمائة عام للبحث عن أصول استند إليها داعش في منهج الإعدام حرقا يبدو عبثيا. وبدلا من ذلك، يمكن العودة إلى زمن تاريخي أقرب لنا، هو بدايات القرن العشرين، والتي شهدت استخدام تركيا العثمانية لإحراق الخصوم على نطاق واسع ضد الأقلية الأرمنية في شرق الأناضول، أثناء ما يعرف بالإبادة الأرمنية 1915. ومن شأن تلك العودة أن تقدم للقارئ عدة وقائع تجعل من المقارنة بين العثمانيين وداعش في مسألة حرق الخصوم مغرية بشدة، خاصة مع تطبيقها من قبل الأتراك في بقعة جغرافية قريبة للغاية من تلك المناطق التي أعدم فيها مقاتلو داعش من وقع بين أيديهم من الأسرى. 

محرقة الأرمن

إبادة الأرمن على يد العثمانيين، والتي وقعت أحداثها أثناء الحرب العالمية الأولى، ينظر إليها كواحدة من الجرائم الكبرى ضد الإنسانية من حيث حجم الضحايا الذي بلغ نحو المليون ونصف المليون قتيل، وكذلك من حيث فرض الشتات على الأمة الأرمنية بأسرها، والتي أصبح عليها التشظي بين عدة بلدان مختلفة من العالم. 

تضرب تلك الإبادة بجذورها التاريخية في الربع الأخير من القرن الـ19، عندما تخوف العثمانيون من إمكانية التعاون بين الأرمن وروسيا القيصرية التي كانت تحارب السلطنة العثمانية. ونتج عن تلك المخاوف مذابح أمر بها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني في حق القرى الأرمنية شرق الأناضول، خلفت الآلاف من القتلى، وهجرت آلافا آخرين من المنطقة.

ومع انطلاقة الحرب العالمية الأولى ودخول تركيا رسمياً ضد الروس، قرر أعضاء جمعية الاتحاد والترقي النفي العام للأرمن من شرق الأناضول خشية أن يتعاونوا عسكريا مع الجيوش الروسية، ومع حقيقة أن ذلك النفي كان يعني تحريك نحو 2 مليون أرمني دفعة واحدة من مكان إلى آخر، ومع الوسائل البدائية التي استخدمت في ذلك التحريك، فإن النفي تحول بصورة آلية إلى إبادة جماعية. 

تعددت أساليب الأتراك لإعدام الأرمن، فكان الرمي بالرصاص عقوبة لمعظم الرجال، بينما كان الإغراق في نهر الفرات من نصيب كثير من نساء الأرمن وأطفالهم. كما استخدم الأطباء الأتراك وسائل إبادة كانت تعتبر جديدة في أوائل القرن العشرين، منها حقن الأرمن بجرعات زائدة من المورفين، وإصابتهم بوباء التيفود، وتعريضهم المكثف لغاز التوكسيك السام. ومن أفلت من كل ذلك، كان عليه السير على الأقدام مسافة تربو على ألف كيلومتر من الأناضول حتى صحراء دير الزور السورية القاحلة. وهو ما كان يعني هلاكاً فورياً بالجوع والعطش والأوبئة.

حرق الأرمن أحياء، كان كذلك من الوسائل التي رأها قادة الجيش التركي فعالة في التخلص من أكبر قدر من الأرمن دفعة واحدة، وثمة شهادة مهمة لضابط صهيوني في الجيش الرابع العثماني يدعى إيتان بيلكايند (1887 - 1979) كان معاصرا وشاهد عيان على الإبادة الأرمنية، تؤكد على استخدام العثمانيين لذلك الأسلوب الرهيب لإعدام آلاف الأرمن بصورة جماعية.

كان بيلكايند، والذي اكتشف لاحقا أنه جاسوس لصالح بريطانيا ضد تركيا، مكلفا من قبل جمال باشا السفاح قائد الجيش الرابع العثماني في سوريا لإعداد تقرير عن طريقة مكافحة الجراد الذي هجمت أسرابه على بلاد الشام في العام 1915 وسببت في مجاعة كبرى بالبلاد السورية بعد إتيانها على معظم المحاصيل الزراعية في المنطقة. وقد أتاحت تلك المهمة لـ بيلكايند التجول بحرية بين الشمالين السوري والعراقي ومعاينة الأحداث المأساوية التي تعرض لها الأرمن، ثم تدوينها في تقرير لم ينشر سوى في نفس عام وفاته (1979) بإشراف من وزارة الدفاع الإسرائيلية. 

بدأت رحلة بيلكايند في العام 1915، عام إنطلاقة مذابح الأرمن. وكان يرافقه شخص صهيوني آخر يدعى جاكوب بيكر، وشخص أرمني يدعى شرينيان. وكانت أولى المشاهد التي لاقاها بيلكايند هي مشهد «جثث الأرمن الطافية فوق نهر الفرات. وقد دخل بعد ذلك إلى معسكر نفي أرمني علم من النساء فيه أن جميع الرجال قد قتلوا ولم يبقى سوى هن وأطفالهن.

بعد 6 أيام، استطاع بيلكايند الدخول إلى دير الزور، المقر الرئيس الذي كان من المفترض أن يستقبل المنفيين من الأرمن، وقد قبض على بيلكايند فيها بعد أن اشتبه القائد الشركسي للمدينة في أنه من الأرمن. ثم ما لبث أن أفرج عنه، فامتطى جوادا ذهب به ناحية معسكرات نفي أرمنية أخرى كانت تقع على ضفاف نهر الخابور، ووصل إلى بلدة آرام نهاريان، التي شهد فيها بنفسه محرقة عثمانية مهولة. 

بيلكايند يقول :«بعد ثلاثة أيام، وصلت إلى آرام نهاريان حيث كنت شاهدا على مأساة فظيعة، كان هناك معسكران متقابلان، الأول أرمني والثاني شركسي .. الضابط الشركسي دخل معسكر الأرمن وأمر بجمع الحشائش الجافة من المكان وصناعة هرم طويل منها، ثم أمر بربط كل الأرمن الذين كانوا موجودين هناك، نحو 5000 شخص، أيديهم مربوطة بعضها ببعض في دائرة تحيط بهرم الحشائش الجافة الذي أشعلت فيه النار.

الجاسوس الصهيوني أضاف : «لم يكن سوى قليل حتى تصاعد الدخان سريعاً إلى السماء، ومعها تصاعدت صرخات المحترقين حتى الموت، هربت من المكان بأسرع ما أمكن، وبعد ساعتين من الجنون، كنت مازلت قادراً على الاستماع لصرخات الضحايا المساكين، وبعد يومين، عدت إلى المكان، وعاينت آلاف الأجساد المحترقة.

شهادات الضباط الأتراك

وإذا ما طعن أحدهم في شهادة بيلكايند حول حرق الأتراك للأرمن، فإن شهادات رسمية من ضباط وقادة الجيش العثماني، تؤكد أن كلام الجاسوس الصهيوني لم يكن مختلقا، حيث أكد ملازم عثماني يدعى حسن معروف أن الأرمن كانوا يخرجون من قراهم ثم يحرقون بشكل جماعي.

كما أن المحاكمات العسكرية التي أجراها البريطانيون في طرابزون بين 26 مارس و17 مايو 1919 ضد القادة العسكريين الأتراك المتورطين في إبادة الأرمن، شهدت تقديم تقرير قائد الجيش الثالث العثماني الجنرال وهيب الذي كان قد كتبه في 5 ديسمبر 1918، وأكد فيه أن السلطات العثمانية أحرقت جميع سكان قرية أرمنية في منطقة موش.

وهيب، أردف :«كان الإحراق هو أيسر السبل للتخلص من النساء والأطفال، وقد استخدم الباحث الأرمني واهاكن دادريان ذلك التقرير، وخرج بنتيجة مفادها أن 80 ألف أرمني يسكنون 90 قرية عبر سهل موش تم إحراقهم أحياء داخل الإسطبلات والحظائر.

الأسرى الأتراك، الذين وقعوا في أيدي قوات الحلفاء المنتصرة، أدلوا بشهاداتهم أيضا حول تلك المحارق، مؤكدين أن «رائحة الجثث المحترقة ظلت تملأ الهواء لأيام تالية، وأشار الضباط الأجانب أن أولئك الأسرى كان ينتابهم الهلع، ويضربهم مس من الجنون كلما تذكروا تلك المشاهد، أو سئلوا عنها.

تلك الشهادات، تشير إلى محارق عثمانية واسعة نفذها الأتراك بدم بارد في حق الأرمن، وهي كلها تثير الرعب في الأنفس تماماً مثل مقطع إعدام معاذ الكساسبة، أو حتى مقطع إعدام الجنديين التركيين قبل سنوات قليلة. بل إن الجريمة التركية تتفوق حتى في درجة الوحشية والسوداوية بسبب نطاقها التدميري الهائل، الذي خلف عشرات الآلاف من الضحايا ممن تحولوا إلى رماد تذروه الرياح.  ولا شك أن التصوير السينمائي لو كان موجودا بكثافة خلال الحرب العظمى وبنفس القدرات التي عليها اليوم، لكنا امتلكنا اليوم أفلاماً حول المحارق العثمانية، تتجاوز في وقعها الرهيب تلك التي أنتجتها "داعش" خلال السنوات الأخيرة.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع