مذابح سيفو.. العثمانلي يقتل 500 ألف من المسيحيين السريان

مذابح سيفو

مذابح سيفو

لو كانت المذابح الواسعة التي تعرض لها المسيحيون السريان (الآشوريون) على يد العثمانيين الأتراك في الفترة من العام 1914 وحتى 1920 والمعروفة باسم «مذابح سيفو»، وراح ضحيتها نحو نصف مليون شخص قد جرت في أي وقت آخر غير فترة الحرب العالمية الأولى لقامت الدنيا وقعدت نتيجة أثرها التدميري الواسع كحادث أنتج عشرات الآلاف من الضحايا، إضافة إلى تهجير آلاف آخرين بعيدًا عن مساكنهم التاريخية في شرق الأناضول.

لكن لأن العصر الذي ذبح فيه الآشوريون كان عصر الإبادات الجماعية بامتياز في تركيا، حيث تم التخلص من الأرمن ومن اليونانيين بأعداد تفوق الحالة الآشورية، فإن «مذابح سيفو» ظلت رغم دمويتها الفائقة في الظل وبعيدة عن دراسات الأكاديميين التي ركزت دائما على الإبادة الأرمنية بشكل خاص والتي راح ضحيتها نحو المليون ونصف المليون قتيل. 

 

الحرب العظمى وأقليات الأناضول

مع دخول العثمانيين الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا القيصرية ضد دول الحلف الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وروسيا) في العام 1914، تحول شرق الأناضول إلى ساحة حرب بين الأتراك والروس، ولأن الأخيرين كانوا قبل تلك الحرب بسنوات طويلة على صلة وثيقة بالمجموعات المسيحية في المنطقة فقد تولدت في تركيا مخاوف من تعاون تلك المجموعات مع روسيا عسكريا ضدها، وبالتالي بدأ الأتراك في تنفيذ عمليات تهجير واسعة لكل المسيحيين من شرق الأناضول إلى شمالي سوريا والعراق، وهي العمليات التي أفرزت الإبادة الأرمنية، إضافة إلى «مذابح سيفو» في حق السريان. 

بالنسبة للآشوريين، فقد كانت أعدادهم تقدر في الدولة العثمانية بداية القرن العشرين بنحو مليون نسمة. وتجمع هؤلاء في مناطق تمثل حالياً إيران والعراق وتركيا. وتركزوا في مناطق بالقرب من بحيرة أرومية في بلاد فارس، وبحيرة وان (وتحديداً إقليم هكاري)، وفي الولايات العثمانية الشرقية كدياربكر وأرضروم وبدليس. 

وقبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، تحديدا في عصر السلطان عبد الحميد الثاني، تعرض الآشوريون لأول مذابح واسعة بأمر الأتراك، عندما قامت عضابات كردية بإيعاز من الحكومة العثمانية بتنفيذ مجموعة مجازر في حقهم بجبل هكاري وديار بكر بين عامي 1895 و1896.

 

بداية أحداث سيفو

أما بالنسبة لعصر الحرب العظمى، فقد تلقى مار شمعون الحادي والعشرون بنيامين الزعيم الروحي لكنيسة المشرق الآشورية وبطريركها وعودًا قبيل دخول الدولة العثمانية إلى الحرب العالمية الأولى بفتح مدارس وتطوير مناطق تركز الآشوريين في هكاري في حالة موافقته على الوقوف حيادًا في أي حرب مستقبلية ضد روسيا. وفعلًا لم ينضم الآشوريون إلى الروس والثوار الأرمن خلال بدء العمليات العسكرية خريف 1914، حتى أن بطريرك كنيسة المشرق أرسل رسائل إلى رعاياه طلب فيها منهم الولاء لحكامهم المحليين العثمانين وعدم مجابهة الميليشيات التابعة لها. 

ولكن بفشل الهجوم الأول للعثمانيين في جبهة القوقاز باتجاه باطوم (جورجيا حاليا)، قرر هؤلاء أن الطريقة الوحيدة في تحقيق انتصارات في تلك الجبهة تكمن في تغيير الواقع الديمغرافي في المرتفعات الأرمنية، وذلك بإبادة وترحيل سكانها الأرمن. غير أن عمليات التصفية لم تشمل الأرمن فحسب ففي 12 تشرين الثاني 1914 أعلن السلطان محمد الخامس العثماني الجهاد على «أعداء الإسلام». وتمكن العثمانيون في يوم رأس السنة 1915 من اختراق الدفاعات الروسية في إيران دون مقاومة تذكر والسيطرة على تبريز وأورميا، بينما بدأت المليشيات الكردية العاملة تحت إمرة العثمانيين في عمليات إبادة بجبل هكاري شملت قرى أرمنية وآشورية على حد سواء. كما قام العثمانيون باعتقال أعيان السريان وأجبروهم على العمل كحمالين لدى الجيش العثماني ثم قاموا بقتلهم بعد انتهاء المهمة الموكلة لهم.

 أعقب ذلك اعتقال أخ البطريرك، هرمز شمعون، أثناء دراسته في إسطنبول، حيث نقل إلى الموصل واستعمل كرهينة فطلب الأتراك من البطريرك عدم تلبية دعوات زعماء العشائر الآشورية بالتحالف مع الروس فرد عليهم بأن حياة رعيته أهم من حياة أخوه. فأعدم هرمز شمعون بالموصل، ورد البطريرك بالرضوخ لضغوط رؤساء العشائر وأعلن الحرب على الدولة العثمانية في 10 مايو 1915.

 

الحرب في هكاري

بالرغم من وعود الروس بدعم آشوريي حكاري إلا أنهم لم يرسلوا سوى 400 من الخيالة القوزاق الذين أبيدوا من قبل الميليشيات الكردية قبل وصولهم إلى جبال حكاري. فالتجأ الآشوريون بقيادة شمعون بنيامين إلى أعالي الجبال على ارتفاع أكثر من 3.000 كيلومتر، حيث كان من الصعب على الجيوش النظامية اختراقها. غير أن الأتراك أبقوا قواتهم في المناطق المحيطة بها لعلمهم أن الثلوج سترغمهم على النزول في النهاية خاصة مع نقص الأقوات الذي هددهم بمجاعة شاملة. 

علم شمعون بنيامين أن حلول الشتاء سيعني الإبادة لرعيته، فسافر إلى إيران حيث حاول إقناع الروس بإرسال قوة ثانية لمساندة المحاصرين الآشوريين، غير أن هؤلاء أعلموه باستحالة الأمر ونصحوه بعدم العودة إلى هكاري، لأن هذا سيعني مقتله، غير أنه سرعان ما عاد وتمكن من قيادة معظم المحاصرين في طريق وعر لم يحسب العثمانيون حسابه إلى أورميا فوصل حوالي 50.000 منهم إلى سهل أورميا، وهلك الآلاف جوعًا وتعبًا أثناء عبورهم الجبال الممتدة بين هكاري وأورميا. 

وعلى الرغم من فرار العديد من سكان قرى حكاري الجبلية، لقى سكان المدن والسهول الواقعة في مرتفعات أرمينيا مصيرًا مختلفًا. فبعد هزيمتهم أمام الروس في وان، انسحبت الميليشيات الكردية الممولة إلى سعرت، حيث قامت في يونيو 1915 باعتقال جميع الرجال الكلدان في البلدة وسلب بيوتهم بأمر من حاكمها حلمي باشا. ويروي شهود عيان كيف قام المهاجمون بتعرية المعتقلين من ملابسهم وقتلهم بالسلاح الأبيض.

وبعد عدة أيام صدرت أوامر بترحيل ما تبقى من نساء وأطفال من سعرت وسبعين قرية مسيحية بتلك المنطقة، فسيروا مسافة 100 كم بصحبة خيالة كردية إلى ماردين وقبل وصولهم إليها أرسل حاكمها بدري باشا برقية طلب فيها من الخيالة تصفية جميع من معهم من الأطفال والنساء. فجلبوا إلى وادي يعرف باسم واويلا حيث قام الخيالة معززين بمئات الرجال والنساء الأكراد من القرى المجاورة بقتل معظمهم بالسيوف والخناجر والحجارة ولم يسلم منهم إلا من تظاهر بالموت. 

وفي نفس الوقت توجهت قوات عثمانية بقيادة جودت باشا وخليل باشا كانت متمركزة في هكاري إلى قرى سنجق سعرت حيث تواجد حوالي 60.000 مسيحي، معظمهم من الكلدان والسريان الأورثوذكس، وقاموا بإبادة جميع سكان القرى المسيحية. 

 

مجازر الجزيرة الفراتية

وخلال شهر يونيو 1915 نفسه، بدأت القوات العثمانية بالهجوم على القرى السريانية بمنطقة الجزيرة الفراتية. ففي 10 يونيو وقعت مذبحة ماردين وما حولها، وفي 14 يونيو هوجمت نصيبين. وقد رفض الحاكم التركي لتلك الأخيرة نوري باشا دخول الجيش العثماني بها لعلمه أن هذا سيؤدي لوقوع مذبحة. ما دفع محمد رشيد باشا والي ديار بكر إلى إصدار الأوامر باغتياله،

وبعدها في الحادي والعشرين من نفس الشهر، وقعت مجزرة بمديات. وبعد عودته من سعرت التقى خليل باشا ببعثة يقودها ناجي باشا ومدعومة بمستشارين عسكريين ألمان. لاقت هذه البعثة مقاومة شديدة لدى محاولتها دخول بلدات آزخ وعين وردو وباصبرين السريانية، ما دعا القادة العثمانيين إلى تسميتها بـ«انتفاضة مديات». 

وبالرغم من حشد أعداد متزايدة من القوات العثمانية في محاولة دخول تلك البلدات، إلا أن فشلها المستمر في ذلك جلب إليها انتباه كبرى القيادات العسكرية ومنها الجنرال الألماني فون در غولتز أهم القادة الألمان الناشطين في الدولة العثمانية. فأرسله أنور باشا وزير الحربية التركي على رأس فيلق من الجيش الثالث العثماني لإخضاع المنطقة، وبعد عدة معارك فشل العثمانيون والألمان في دخول كل من آزخ وعين وردو. فتم الاتفاق على وقف لإطلاق النار بين الطرفين.

وفي 7 نوفمبر، رفض ناجي باشا مقابلة وفد أعيان آزخ وامر قواته المعززة بالخيالة والمدفعية الثقيلة بالهجوم على البلدة. وخلال الهجوم الأولي فشل الأتراك في اقتحام القرية استمر الحصار على آزخ وقام الأتراك باستدعاء الآلاف من قواتهم المتمركزة في الموصل وسوريا لإخضاع البلدة. غير أن نقطة التحول في المعركة كانت في ليلة 13-14 نوفمبر، عندما تسللت مجموعة من الفدائيين الآشوريين إلى معسكر الأتراك وبدأوا بقتل الجنود وهم نائمون فدب الذعر بينهم وسارعوا بإطلاق النار على بعضهم بعضا، بينما فرت أعداد كبيرة منهم تاركة أسلحتها الثقيلة غنيمة لأهالي البلدة، فسارع ناجي باشا إلى عقد الصلح معهم.

 

مجازر بحيرة أورميا

تعرضت القرى الآشورية المحيطة شرق بحيرة أورميا إلى مجازر من قبل العثمانيين خلال فترة سيطرتهم عليها، ففي 1915 دخلت قوة عثمانية بقيادة كشلي خان بلدة غولباشان، والتي كانت إحدى أكثر بلدات المنطقة ازدهارا، وقاموابتدميرها ولم ينج من سكانها سوى المئات. وفي خوسروفا قام العثمانيون بجمع حوالي 7.000 نسمة من سكان القرى المجاورة وذبحم مع سكان البلدة، وفي حفتفان، تم قطع رأس 750 من الرجال بعدها قام الأكراد بترحيل 5.000 من نساء البلدة معهم. وتم حرق 200 شخص في كنجار. كما حدثت مجازر في كل من غيوغتابي وآدا، بالإضافة إلى قرى آشورية/كلدانية أخرى، كما قام العثمانيون قبيل انسحابهم بجمع الذكور الآشوريين في بلدة سلماس بحجة احصائهم، حيث قاموا بقطع رؤوسهم.

 

إعادة التوطين

وبعد نهاية الحرب العظمى بخسارة العثمانيين، اندلعت حرب الاستقلال التركية اليونانية التي انتصر فيها مصطفى كمال أتاتورك، وأسس بناء عليها الجمهورية التركية الحديثة. وقد فرض على الآشوريين أثناء تلك الحرب الجديدة أحداثًا دامية أخرى أنهت أي وجود لهم في الأناضول. 

فبعد انتصار مصطفى كمال، قام الجيش التركي بترحيل آخر من تبقى من السريان والأرمن في مناطق الجزيرة العليا وقيليقية إلى مدن سوريا الشمالية خاصة حلب. كما قام النازحون السريان من ماردين ونصيبين بالاستيطان بمدينة القامشلي على في الجهة السورية المقابلة لنصيبين. 

 

طرق الإبادة

احتفظ لنا شهود العيان بطرق إبادة الآشوريين على يد الأتراك وحلفائهم من الخيالة الأكراد. وكان استخدام السلاح الأبيض الأكثر شيوعًا، لكونه غير مكلف ومنه انحدر اسم المجازر بالسريانية سيفو أي السيف. ويروى أنه في بداية المجازر في آمد (ديار بكر) اعتقل حوالي الألف من أعيان البلدة من الأرمن والسريان بتهمة حيازة أسلحة وبعد أن جمع مبلغ مالي مقابل إطلاق سراحهم قرأ عليهم المفتي خبر الصفح عنهم، وبعد أن سيقوا في شواع البلدة وضعوا في عوامات خشبية على نهر دجلة ليتم إيقافهم في ملتقى نهر بطمان بدجلة جنوب المدينة، حيث عروا من ملابسهم وذبحوا ورمت جثثهم بالنهر.

كما قامت السلطات بأخبار أهاليهم بوصولهم سالمين إلى الموصل. وقد قام العثمانيون بهذه العملية عدا مرات حتى أنه يروى أن أهالي الموصل كانوا يشاهدون وصول العوامات الخشبية الفارغة متبوعة بجثث المقتولين طافية على النهر، فقام القنصل الألماني هناك بالاحتجاج لدى والي الموصل، غير أن الأخير ألقى اللوم على والي ديار بكر جودت باشا. 

حاولت السلطات بعدها إجبار بطريرك المدينة على الأرمن توقيع وثيقة ترجع وفاة الأعيان لأسباب طبيعية غير أنه رفض، فقاموا بقلع سنونه ونتف لحيته وتم اغتصاب زوجته وقتلها ثم فقأوا عينيه ودقوا مسمارًا بجبينه. وأثناء مجازر نصيبين وجزيرة ابن عمر الثانية في أغسطس 1915 اقتيد الرجال إلى وادي بعيد وتم ذبحهم بعد تخييرهم بين الموت ودخول الإسلام. فقتلوا خلال يومين 800 رجل... بعد يومين أرسلت بقية العوائل في عوامات خشبية، وبأعالي النهر تم التقاطهم في قرية كردية وتم اغتصاب النسوة وقتلهن ورمي جثثهن بالنهر.

وتعتبر قرية قرة باش شمال شرق آمد من أولى القرى السريانية التي تم إبادة سكانها بشكل شبه كامل. فبعد أن تم تجميع جميع قطع الأسلحة فيها، دخلها مجموعة من خمسين رجلًا، وقاموا بجمع الرجال بها وقتلهم بعدها قام مسؤولان من حركة تركيا الفتاة بتحريض سكان قرية كردية مجاورة بالهجوم على قرة باش واعدين إياهم بالغنائم مقابل إبادة سكانها. وبالفعل هوجمت القرية في أيار 1915 فنهبت المنازل وأحرقت كما قام المهاجمون باغتصاب النسوة وقتلهن. 

 

الاعتراف الدولي

لم تحظ مذابح سيفو باهتمام دولي كبير على غرار إبادة الأرمن سوى في السنوات الأخيرة. ففي عام 2007 أصدر المؤتمر الدولي لدارسي الإبادات، وثيقة صوت عليها بالإجماع تدعو إلى الاعتراف بالمجازر الآشورية. وفي عام 2008 قرر البرلمان السويدي الاعتراف بالمجازر ضد الآشوريين/السريان/الكلدان كجرائم إبادة. كما قامت شخصيات ومؤسسات كردية بالاعتذار عن دور الأكراد في مجازر الأرمن والآشوريين واليونان مثل عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني.

 

سياسة الإنكار

أما تركيا، فلا تزال بعد كل تلك السنوات مصرة على إنكار وقوع حوادث إبادة جماعية من الأساس. فبحسب الدولة التركية لم تكن هناك خطة منظمة لإبادة الأرمن والآشوريين في أراضيها.  كما قامت أنقرة بتبني قرار "إهانة الهوية التركية" في 1 يونيو 2005 والذي يجعل الاعتراف بحدوث مجازر في عهد الدولة العثمانية جريمة يعاقب عليها القانون.

ويعتبر يوم 24 أبريل من كل عام ذكرى مجازر سيفو، وهو نفس اليوم التي يتم فيه تذكار مجازر الأرمن وفيه تم اعتقال أكثر من 250 من أعيان الأرمن في إسطنبول وإعدامهم رميا بالرصاص.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع