العثمانلي في زمن «لاله»: خمر وأفيون وحفلات ماجنة

لوحة متحيلة لحياة القصور العثمانية

لوحة متحيلة لحياة القصور العثمانية

ماذا يفعل الناس إذا ألفوا سلطانهم ماجنا لاعبا، لا تشغله غير إحياء الحفلات الساهرة، وانتقاء الخليلات الجميلات؟!.. لا شك أنهم سيسيرون خلفه حذو النعل بالنعل وحذو القذة بالقذة، فهم كما شاع قديما وطار في الآفاق على دين ملوكهم، يميلون حيث مال، ويذهبون حيث ذهب، فإن جد جدوا، وإن عبث عبثوا.

هكذا كانت أيام السلطان العثماني أحمد الثالث. لهو لا ينفذ ومجون لا ينقطع. بدأ من رأس الدولة، وسار كالنار في رعاياه، حتى أتت العاقبة ثورة في إسطنبول لم تبقي ولم تذر.   

بويع أحمد الثالث بالسلطنة في العام 1703، في وقت كانت الدولة العثمانية تمر فيه بأزمات عدة، على رأسها التخلف العسكري، والترهل الاقتصادي. وبينما كان من المفترض أن ينحو السلطان الجديد مناحى التحديث والإصلاح، فإن شخصية أحمد الثالث اللينة والناعمة لم تكن لتقدر على مثل تلك الخطوة الكبيرة، بل إنه حتى حين أخذ بمفهوم التجديد لم ينزله مواقعه الضرورية في الجيش أو في السياسات المالية للدولة، وإنما أنزله مواقع هواه الشخصي اللاهي والعابث، فأصدر فرمانا يأمر فيه رجال دولته ورعاياه بالاهتمام بزراعة زهرة الزنبق (لاله في اللغة التركية) ذات الشكل البديع، فأنصت له الناس وتفننوا في زراعة أنواع عديدة منها بلغت 234 نوعا من أنواع الزنابق، حتى أطلق على العصر كله اسم عصر لاله أي عصر الزنبق. 

تلا ذلك توجيه السلطان عنايته للمرح ولا شئ غيره، وكان الصدر الأعظم نوشهر لي  إبراهيم باشا أكبر معين له في ذلك، إذ شاركه حب الدعة والترف والشغف بالأجواء الاحتفالية التي لا تكترث للمشاكل العويصة التي تمر بها الإمبراطورية. وطوال الفترة من العام 1718 إلى العام 1730، أشرف الاثنان على إقامة القصور الفخمة التي بنيت بمصاريف كبيرة كادت تهلك الخزانة العامة، مثل قصر سعد آباد في منطقة كاغد خانة وقصر شرف آباد في اسكودار. ثم أعلنا عن تنظيم ما عرف باسم حفلات مسامرات الحلوى داخل تلك القصور. وهي حفلات لم تنقطع طوال تلك الفترة، أطلق عليها هذا الاسم بسبب أنواع الحلوى المتعددة التي كانت تقدم فوق موائدها. وقد أنفق عليها - أي الحفلات - أموالا طائلة، كما شهدت مفاسد أخلاقية تورط فيها جميع الحاضرين، وعلى رأسهم السلطان وصدره الأعظم. 

طارت الأنباء بتلك المسامرات في إسطنبول. وكانت الأضواء المنبعثة من داخل القصر كل مساء، ومواكب المدعوين وهي تشق المدينة بعربات مطهمة بالذهب تجرها خيول من سلالات أصيلة، تثير الخيال الجامح في أنفس الناس الذين رأوا سلطانهم هانئا يتقلب في النعيم، فقرروا السير على خطاه، وتقليده. 

وفي حدائق ياغي فرح وحدائق جيراغان وفي غيرها، أصبح معتادا أن تجد أهالي إسطنبول يقيمون حفلاتهم التي تحاكي حفلات السلطان. ولم يكن سوى القليل، وفي ظل غياب الضابط الأخلاقي، تفشي الفساد داخل تلك الحفلات الشعبية، وانتشرت فيها الأفعال غير المشروعة، من تعاطي الأفيون والمخدرات، إلى ممارسة الفواحش علنا بين الرجال والنساء. 

وبعد أن تفاقم الأمر، تقدم من ظلوا متمسكين بالأخلاقيات المجتمعية الصارمة إلى شيخ الإسلام عبد الله أفندي طالبين منه إصدار فتوى بهذا الخصوص، فأصدر الأفندي فتوى ذكر فيها حرمة استعمال الأفيون والمخدرات في الدين الإسلامي، وقال بأن بائعي ومروجي هذه المخدرات سيعاقبون بعقوبات شديدة كالنفي والغرامات المالية، وأما من يدعي جواز استعمال هذه المواد أو يحض على استعمالها فيجب إعدامه. 

كما جاء في فرمان سلطاني أنه لوحظ أن ازياء بعض النساء و هندامهن في إسطنبول قد فسدت وخرجت عن الإطار الشرعي إلى درجة تغري باقتراف الأفعال غير الشرعية، وأن هذا أدى إلى وقوع بعض الحوادث غير المشروعة لذا تقرر منع أي زي نسائي غير شرعي، واتخاذ جميع التدابير اللازمة للحيلولة دون وقوع مثل هذه الأفعال غير الأخلاقية. ولكن هذا كله لم يغني عن وقوع المصيبة على رأس السلطان الماجن ومعاقبته على ما اقترفته يداه. وكان تأزم الموقف العثماني في الحرب المشتعلة على الجبهة الشرقية ضد إيران خلال ذلك الوقت هو ما عجل بإنزال تلك العقوبة به. 

فبعد سلسلة من الهزائم التركية، طلب الصدر الأعظم إبراهيم باشا من أحمد الثالث أن يقود الحرب بنفسه لتحميس الجنود. ولكن الطبيعة الرخوة لأحمد الثالث جعلته غير مهيأ لذلك، فرفض قيادة الجيش بنفسه، مؤثرا البقاء وسط جواريه، وحفلاته التي لا تنتهي. 

أثار هذا الموقف الجبان غضب الجنود الأتراك الذين راحوا يطالبون بعزل السلطان وتولية ابن أخيه ولي العهد الأمير محمود سلطانا. وقاد هذه الاحتجاجات جندي في البحرية العثمانية يدعى باترونا خليل الذي عمل لسبعة أشهر كاملة على تأجيج الثورة في نفوس الجنود. ثم قم فام هو ورفاقه ببدء حركة العصيان عندما توجهوا إلى باب جامع بايزيد من جهة قاشقكيجيلار وأهابوا بأصحاب السوق هناك بغلق دكاكينهم ومتاجرهم قائلين لهم: "لنا دعوة شرعية.. من كان من أمة محمد فليغلق دكانه وليأت معنا".. فتبعه خلق كثير وبدأت الفوضى تضرب إسطنبول. 

وقد كان قادة هذه الحركة من العامة هم: موصلو بشه، كوجوك موصلو، قوطوجو حاج حسين، جنار أحمد، على أوسطى. أما القواد والموجهون الفكريون لها فهم: قاضي إسطنبول السابق زلالي حسن أفندي الذي أصابه الضرر من إبراهيم باشا و دلي إبراهيم وهو من معلمي المدارس الابتدائية، وواعظ جامع أيا صوفيا اسبري زاده أحمد أفندي.

حاول شيخ الإسلام عبد الله أفندي التدخل لتهدئة الثائرين ولكنه فشل. ونجح الثوار في إجبار أحمد الثالث على عزل إبراهيم باشا من الصدارة العظمى وكذلك شيخ الإسلام نفسه وجميع أقارب إبراهيم باشا وأصهاره ونفي معظمهم. ثم أشرفوا على إعدام إبراهيم باشا خنقا. ولم يكتفوا بذلك، بل تجمعوا في ساحة الخيل "آط ميداني"، وأرسلوا زلالي حسن أفندي، والذي طالبوا بتعيينه قاضي الروم إيلي (الولايات الأوروبية)، وإبراهيم أفندي، الذي طالبوا بتعيينه قاضيا في إسطنبول، إلى السلطان أحمد الثالث طالبين منه التنحي وتعيين الأمير محمود سلطانا، فاستجاب لهم أحمد الثالث وتنحى عن العرش. 

كما طالب الثوار بحرق جميع القصور في منطقة سعد آباد التي شهدت مسامرات الحلوى، لكونها قصور ملذات وأماكن فساد ووكر الصدر الأعظم إبراهيم باشا مع النساء، فاستجاب أحمد الثالث أيضا ولكنه أمر بهدم القصور لا إحراقها. 

وإذا كانت ثورة باترونا خليل قد نجحت فإن قادتها كانت نهايتهم مأساوية. فقد طمع باترونا خليل في الصدارة العظمى، ولما تبين عدم فهمه في أمور الدولة عين سر عسكر أي رئيس العسكر، ثم قام حاكم القرم بالتآمر مع شيخ الإسلام باستدعائه إلى قصر صوفا وقتله هو ورفيقه موصلو بشه، كما قتل 18 من قادة الثورة وألقى جثثهم بالقرب من سبيل أحمد الثالث في إسطنبول، ليكتب بذلك فصل الختام في حكاية العثمانلي في زمن لاله، أو زمن الزنبق. 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع