سارة آرونسون.. ارتمى في أحضانها الباشا فسقطت دولة العثمانلي إلى الأبد

سارة آرونسون

سارة آرونسون

في سبتمبر من العام 1917، هاجمت قوة من الجيش العثماني مستوطنة زخرون ياكوف الصهيونية والواقعة بمنطقة عتليت القريبة من مدينة حيفا الفلسطينية، واعتقلت أفراد أسرة آل أرونسون من الصهاينة بتهمة إدارة شبكة تجسس لصالح بريطانيا ضد السلطنة العثمانية في سوريا.

كان أهم المعتقلين عالم النبات الصهيوني آرون أرونسون والذي كان مؤسس شبكة التجسس ورئيسها، ثم شقيقته سارة آرونسون التي اكتشف الأتراك أنها أدارت شبكة دعارة في دمشق جذبت إليها قادة وضباط الجيش العثماني الرابع وحصلت منهم على معلومات بالغة الخطورة عن تحرك القوات العثمانية الألمانية المشتركة ضد الإنجليز، ما كان سببا في تلقي الحلف الخسارة العسكرية ضد الأخيرين خلال معارك الجبهة الشرق أوسطية من الحرب العظمى.

ولما كانت سارة على علم بأنها ستتعرض لمختلف أنواع التعذيب البدني على يد الأتراك، فإنها قررت التخلص من حياتها بالانتحار. فأطلقت على نفسها النار من مسدس فور القبض عليها، ولكنها لم تمت من الطلقة التي أصابتها على الفور، بل ظلت حية لمدة 4 أيام كاملة، قبل أن تموت أخيرا في 9 أكتوبر 1917 وهي في السابعة والعشرين من عمرها.

كانت هذه خاتمة سارة، الجاسوسة الصهيونية التي لعبت دورا رئيسيا في هزيمة الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، ومن ثم إعلان سقوطها إلى الأبد، وهو ما يفرض علينا سرد البداية كي تكتمل الصورة في ذهن القارئ.

ولدت سارة آرونسون في مستوطنة زخرون ياكوف بعتليت عام 1890. و"زخرون ياكوف" تعتبر من أقدم المستوطنات الصهيونية في فلسطين، أقيمت بفرمان عثماني محل قرية زمازين الفلسطينية. وتزوجت سارة في مطلع شبابها من تاجر يهودي بلغاري، وسافرت معه الى إسطنبول. لكن هذا الزواج لم يصمد طويلاً، فعادت إلى عتليت، وبدأت في العمل مع شقيقها آرون وأشقائها في مختبر الأبحاث النباتية الذي كان غطاءً لشبكة "نيلي" التجسسية، والتي كونها آرون من إخوته بما فيهم سارة بالطبع، إضافة إلى اثنين من أصدقاء العائلة. واختار للشبكة اسم "نيلي" الذي هو الأحرف الأولى للعبارة الافتتاحية في سفر صموئيل من أسفار العهد القديم: "خلود إسرائيل ليس كذبة".

بدأ عمل "نيلي" من خلال استغلال آرون آرونسون خبرته كعالم نبات، للتقرب من السلطات العثمانية. فعندما انتشر الجراد في عموم بلاد الشام خلال العام 1915، تم تعيين آرون ليكون القائد العام لمكافحة الجراد، بأمر من أحمد جمال باشا (والمشهور بجمال باشا السفاح)، قائد الجيش العثماني الرابع في سوريا ومقره دمشق، ومنحه صلاحيات عسكرية كاملة، مكنته من التنقل بين المدن السورية، وتسجيل الملاحظات حول حجم القوات العسكرية العثمانية الألمانية، ثم إرسال تلك المعلومات السرية إلى الاستخبارات البريطانية في القاهرة.

أما سارة، فقد أوكل إليها مهمة تأسيس جيش نسائي من بائعات الهوى، للإيقاع بالضباط العثمانيين والألمان، وجمع المعلومات منهم. وأول ما قامت به هو توزيع جيشها النسائي على أكبر الفنادق، في كل من القدس، ودمشق، وبيروت، حيث تتواجد المقرات العسكرية التركية والألمانية، أما هي، فقد تمكنت من خلال علاقاتها مع إحدى العائلات البيروتية العريقة، من التعرُّف على أحمد جمال باشا نفسه، فسلبت عقله بجمالها، واستطاعت في فترة وجيزة أن تصبح عشيقته ومحل ثقته.

استغلت سارة قربها من جمال باشا في جمع المعلومات عن نوايا الحلف العثماني الألماني. كما نشأت في فندق فيكتوريا بدمشق علاقة بين فتاة يهودية اسمها سيمون من أعوان سارة وبين ضابط تركي مقرب من جمال باشا، ونجحت سيمون في كتابة معلومات عن القوات التركية المشاركة في حملة ترعة القناة على مصر، والتي كان هدفها السيطرة على شبه جزيرة سيناء تمهيدا للهجوم على وادي النيل وطرد الإنجليز من مصر. ونجحت جهود سارة التجسسية في إفشال ذلك المخطط.

فشل حملة القناة أتبعه تحول الطرف الإنجليزي من الدفاع إلى الهجوم، حيث تحركت قوات الجنرال اللنبي من مصر إلى فلسطين للانقضاض على الأتراك والألمان. وفي هذه الحملة، استطاعت سارة الاجتماع بـ اللنبي الذي سلمها قائمة من المهام، تهدف إلى منع وصول القوات العثمانية إلى فلسطين، والحصول على تحركات وخطط العثمانيين في منطقة غزة. وقد نجحت سارة مع جيشها من العاهرات في إنجاز المهمة القائمة على أكمل وجه، ما تسبب في هزيمة ساحقة للقوات التركية في جنوب فلسطين ومن ثم تسليم القدس إلى الإنجليز دون أدنى مقاومة.

بعد هذه الهزيمة، بدأت الشكوك تحوم حول سارة آرونسون. واكتشف جمال باشا أخيرا خيانتها، ولكن بعد فوات الأوان. فقد خسر الحلف العثماني الألماني الحرب في سوريا أمام قوات اللنبي وقوات الثورة العربية بقيادة الضابط الإنجليزي لورانس العرب. بينما تمكنت سارة من الهرب، وتعرفت على الثري اللبناني يوسف عمران، واستطاعت تجنيده، فساعدها بجمع المعلومات، والتخفي عن أعين رجال جمال باشا. كما ساهمت علاقاته العميقة مع علية القوم، في جمعها معلومات عسكرية خطيرة، قامت بإرسالها عن طريق الحمام الزاجل إلى عتليت مقر شبكة "نيلي". لكن ذلك لم يلبث أن توقف بعد أن قبض على يوسف عمران أثناء مهمة تجسسية، وتم تعذيبه ومن ثم إعدامه، في فبراير من عام 1916 على يد الأتراك. أما سارة فقد استطاعت الإفلات للمرة الثانية، وهربت متنكرة على هيئة راعي أغنام في بادية الشام.

استمر عمل سارة في ذلك الوقت عن طريق الحمام الزاجل، حتى وقعت حمامة منها في يد الأتراك، ففكوا شفرتها وتوصلوا إلى كشف شبكة نيلي والقبض على أعضائها في سبتمبر من العام 1917 كما سبق ذكره، ولكن مرة أخرى بعد فوات الوقت وبعد أن كتب الفصل الأخير في حياة السلطنة العثمانية التي أسقطها الباشا يوم ارتمى في أحضان الصهيونية سارة.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع