الدوشرمة.. العثمانلي يؤسس جيشه من الأطفال المخطوفين

أطفال الدوشرمة يقدمون إلى السلطان العثماني

أطفال الدوشرمة يقدمون إلى السلطان العثماني

خيل ثقيلة تقتحم القرية، يعتليها جنود غلاظ الأكباد. دججت جوانبهم بالسيوف والرماح والخناجر. يترجل واحدا منهم بيده فرمان، يفتحه ثم يقرأه بصوت عال على مسامع الأهالي الذين تجمعوا مفزوعين: هذا فرمان من مولانا السلطان المعظم بجمع الأصحاء من أبنائكم لخدمة الدولة العلية في سلك الجندية وأعمال الحرب، فمن سمع الأمر سلم ابنه الذكر سليم البدن مع غروب الشمس، ومن تهرب أنزلت به أشد العقوبة. 

سويعات قليلة تعقب ذلك يبدأ بعدها التجميع. ينزع الشباب الصغير من أحضان أمهاتهم. يكدسون فوق عربات تجرها الثيران. وبعد رحلة طويلة متعبة، يستقر بهم المقام في عاصمة آل عثمان، إسطنبول، حيث يجبرون على اعتناق الإسلام وتعلم التركية كما يمنحون أسامي جديدة. ومنذ تلك اللحظة فصاعدا، يصبحون عبيدا للسلطان منفذين لأوامره ولا شئ غيرها. يخوضون لأجله مهالك الحروب، ويبذلون الدماء، حتى لو كلفهم ذلك أن يضربوا بسيوفهم رقاب أبائهم وإخوتهم الذين انسلخوا منهم قسرا. 

طوال أكثر من أربعمائة عام، تكرر المشهد السابق من قبل العثمانيين داخل القرى المسيحية بالبلقان فيما عرف باسم الدوشرمة (أي نظام التجميع)، أو ضريبة الغلمان. وهي الوسيلة التي كون بها العثمانيون قواتهم العسكرية التي أسست إمبراطوريتهم، وارتكبت المذابح سعيا لنصرهم، فكان الجريمة العثمانية مزدوجة: الأولى حين خطفوا الشباب المسيحي وحولوهم إلى آلات للقتل لصالحهم، والثانية حين عرضوا الشعوب المغلوبة لنقمة هؤلاء وسياط عذابهم. 

البداية

كانت بداية الدوشرمة في عصر السلطان مراد الأول، ثالث أمراء الدولة العثمانية، والذي لاحظ أن استمرار تكوين الجيش العثماني من العناصر التركمانية متقلبة الولاء يعرض السلالة العثمانية لخطر الخيانة من تلك العناصر والانضمام إلى أيا من الإمارات التركية الأخرى في آسيا الصغرى (الأناضول). 

لهذا، تفتقت أذهان كلا من الفقيه يوسف القرماني والصدر الأعظم جاندرلي خليل باشا عن فكرة شيطانية وافق عليها مراد فورا، تقول بتحويل الأسرى المسيحيين الذين يقعون في أيدي الجيش العثماني إلى جنود مخلصين للدولة. وعرف هذا النظام باسم أعجمي أوغلان لار، حيث كان يحول الشباب المسيحي صغير السن إلى الإسلام ويلقن فنون الحرب التركية حتى يصبح في مرحلة النضوج مطيع بشكل مطلق لإرادة السلطان. وقد أصبح هؤلاء النواة الأولى للانكشارية، وتعني العسكر الجديد، الفرقة العسكرية البرز في التاريخ العثماني بأسره. 

ضريبة الغلمان

لكن هذا النظام ما لبث أن تعرض لضربة شديدة بعد معركة أنقرة 1402، والتي سحقت فيها الجيوش العثمانية بقيادة بايزيد الأول على يد القائد المغولي الرهيب تبمورلنك، فإإضافة إلى الانهيار المؤقت في الدولة العثمانية نفسها، فإن توقف حركة الغزو ضد البلقان بفعل الهزيمة أدى إلى توقف توريد الأسرى المسيحيين إلى مؤسسة أعجمي أوغلان لار، وهو ما كان يعني الموت الوشيك للانكشارية. 

أمام ذلك، طرح العثمانيون فكرة شيطانية جديدة تزيد سوءا عن الفكرة الأولى، قضت هذه المرة بفرض ضريبة بشرية على سكان القرى المسيحية يصبحون بموجبها مجبرين على تقديم أبنائهم الذكور أصحاء البدن إلى الجيش العثماني، وعرفت هذه الضريبة باسم الدوشرمة، أي نظام التجميع.

قضى نظام التجميع بأخذ الشباب من عمر 14 إلى 18 سنة من أحضان ذويهم ذويهم. وفي البداية، كان ذلك يقتصر جغرافيا على قرى بلغاريا وألبانيا واليونان، ثم انتقل لاحقا إلى الصرب والبوسنة والهرسك والمجر. وبعد القرن الخامس عشر بدأ التجميع من بين العوائل المسيحية في الأناضول نفسه بشكل تدريجي. وفي القرن السابع عشر شمل هذا جميع الرعايا المسيحيين في الدولة العثمانية.

بعد وصول هؤلاء الشباب إلى إسطنبول، كانوا يلقنون الشهادة ويصبحون مسلمين. ثم يقوم رئيس الانكشارية بتفتيشهم وفحصهم لمعرفة إن كان من بينهم شاب مختون، ثم يرسلون لختنهم جميعا. ويختار أفضلهم من ناحية تناسق أعضائه إلى القصر حيث شكل هؤلاء أفراد مؤسسة قابو قوللاري، أي عبيد القصر أو خدم القصر السلطاني، ومن هؤلاء عين الصدور العظام والوزراء وكبار رجال الدولة. 

أم ضخام الأجساد فكانوا يرسلون إلى الانكشارية في منطقة بوستانجي، بينما يرسل الآخرون إلى رؤساء الانكشارية في الأناضول والروم إيلي لتوزيعهم على القرى التركية. وكانت تطلق على هذه العملية اسم التسليم للأتراك، حيث يعيش هؤلاء الشباب وسط عائلات تركية لمدة كافية لتعلم اللغة التركية ومبادئ الإسلام، ثم يرجعون إلى المعسكرات حيث يسجلون كجنود. 

لاحقا، وعندما كانت الحاجة تظهر لتجميع شباب جديد، كان رئيس الانكشارية يراجع الديوان ويبلغ بمقدار حاجته من المورد البشري، ثم يقوم باختيار أوجاق آغاسي أي الشخص الذي يقوم بعملية جمع الشباب، وتصدر الأوامر إلى ولاة الألوية وإلى القضاة وإلى الفرسان من أصحاب الأراضي في المنطقة التي سيتم فيها التجميع ويطلب منهم المساعدة في عمليات التجميع، والتي كانت تتخللها العديد من المفاسد والأفعال الوحشية. فعلى الرغم من تحريم القانون العثماني لضم الشاب المسيحي إلى الدوشرمة إذا كان الذكر الوحيد في الأسرة، فإن موظف التجميع كان يقوم بالقبض على أمثال هذا مقابل الرشاوي. وكان الأب الذي يعترض على هذا يتم تعليقه من قدميه، بينما تعلق الأم المعترضة من شعرها.

الانقلاب

ولأن المقدمات الخاطئة تستلزم نتائج كارثية، فإن نظام الدوشرمة الذي انكوى به المسيحيون لقرون في ظلال الحكم العثماني، لم يلبث أن خلف آثارا شديدة السلبية على الدولة العثمانية نفسها. فأولا، لم يكن من المتوقع أن يخلص شباب الدوشرمة للإسلام وهم الذين أجبروا على اعتناقه. ولدينا شهادات من حركة قاضي زاده، وهي حركة سلفية ظهرت في أواخر القرن السادس عشر، وازدهرت طوال القرن التالي، تؤكد أن رجال الدولة العثمانية من المتخرجين في نظام الدوشرمة يعانون غياب الدين وقشرية العقيدة الإسلامية، وأن هذا أدى إلى تغييب الشريعة لصالح القوانين الجائرة التي فرضها هؤلاء على رعايا الدولة. 

من جهة أخرى، فإذا كان المقصد من الدوشرمة تكوين فئة مخلصة للسلالة العثمانية، تربطها بها علاقة العبد بسيده المطاع، فإن أفراد الدوشرمة لم يلبثوا أن انقلبوا على ذلك الوضع وأصبحوا طرفا فاعلا في كل الصراعات الدامية على العرش، خاصة في زمن الضعف الذي ضرب السلطنة منذ أواخر القرن السادس عشر. في ذلك الوقت، أصبح مألوفا انطلاق عساكر الانكشارية في شوارع العاصمة يحرقون ويقتلون كل من صادفهم اعتراضا على عدم تلقيهم الرواتب من السلطان. بل إنهم صاروا من التجبر بمكان، بحيث بات بمقدورهم عزل وتعيين من يشاؤون من أفراد السلالة العثمانية فوق العرش. وفي بعض الأحيان وصل بهم الحال إلى قتل السلاطين الذين يرفضون وجودهم في السلطة، وأشهر تلك الحوادث مقتل السلطان عثمان الثاني في القرن السابع عشر على أيدي الانكشارية بسبب محاولته سلبهم امتيازاتهم المالية، ثم قتلهم السلطان سليم الثالث في أواخر القرن الثامن عشر بسبب رغبته في تحديث الجيش العثماني.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع