«اِللِّي يْمِد رِجْلُهْ مَا يْمِدِّشْ إِيدُهْ».. حكاية علي كشكش والسلطان

السلطان العثماني عبد العزيز

السلطان العثماني عبد العزيز

في أبريل من العام 1863، زار السلطان العثماني عبد العزيز مصر وقضى بها عشرة أيام كاملة في ضيافة الخديوي إسماعيل. وفي أحد أيام هذه السفرة، زار عبد العزيز مسجد الإمام الحسين، ثم خرج واخترق خان الخليلي وهو فوق حصانه، بينما سار الأمراء على أقدامهم خلفه على النمط القديم من المواكب. 

مر السلطان بعدة دكاكين في الخان كانت مزينة لاستقباله، كان أصحابها يلوحون له بأيديهم تحية له فيرد عليهم التحية. واستمر على ذلك حتى مر بحانوت يجلس أمامه رجل غريب الهيئة، لم يكد يرى السلطان حتى مد رجله وخاطبه باللغة التركية قائلا: «هل أعطيك ثمن القهوة؟». فتعجب عبد العزيز من جرأته وتجاسره عليه، وأسرع واحد من الحاضرين فعرف السلطان بأن الرجل مجذوب، يسميه الصبيان علي بك كشكش، وأنه في حال لا تسمح له بالتصرف كذوي الأحلام السليمة. فتفهم السلطان هذا، وأمر بمنح علي كشكش مبلغا ماليا لمساعدته، ولكن كشكش رفضها وقال لمن أعطاه إياها من طرف السلطان: «قُلْ لِسَيِّدِكَ: مَنْ مَدَّ رِجْلَهُ لَا يَمُدُّ يَدَهُ».

يقول العلامة أحمد تيمور باشا في معجمه للأمثال العامية المصرية في تفسير هذا المثل: أي من مَدَّ رجلَه ولم يعبأ بالناس لا يمَدُّ يَدِه لسؤالهم؛ لأنه بذلك ظهر بمظهر المُسْتَغْنِي عنهم فكيف يصح له استجداؤهم بعد ذلك؟!.

إلى هنا انتهت حكاية علي بك كشكش مع السلطان العثماني عبد العزيز. وهي ذات معاني أعمق من مجرد كونها طرفة يقصد من روايتها تسلية القارئ.. إنها حكاية مجذوب مصري أثبت في تعاطيه الشجاع مع السلطان العثماني أنه أكثر حكمة من حاكم المحروسة نفسه، وأوفر عقلا منه، ولندع الوقائع التاريخية لزيارة عبد العزيز وآثارها السلبية على مصر تنبئنا بحقيقة ذلك.

السلطان والخديو

كانت زيارة عبد العزيز إلى مصر لعبة سياسية كبيرة بينه وبين الخديوي إسماعيل، لم تنته إلا وقد بلغ كل طرف منها مقصده من الآخر. 

فـ إسماعيل، والذي تولى السلطة في مصر رسميا في 18 يناير من العام 1863، كان يرغب في إلحاق تغيير أساسي بالشرعية السياسية لحكمه، يضمن له المزيد من استقلالية الأسرة العلوية في مصر عن إرادة العثمانيين في إسطنبول. وأراد أن يتم ذلك من خلال تلك الأخيرة نفسها.

لهذا، ترى إسماعيل، وقبل حتى أن يرد إليه في القاهرة فرمان الولاية من السلطان العثماني، يسافر على رأس وفد كبير لتقديم فروض الولاء والطاعة بين يدي عبد العزيز ويقدم الهدايا والرشاوي إليه، ثم يدعوه إلى زيارة مصر ليرى بأم رأسه حجم التغيير الهائل الذي أحدثته أسرة محمد علي في البلاد. 

أما السلطان عبد العزيز والذي قبل دعوة إسماعيل، فكان من ناحيته يرغب في الاستفادة من ثراء الخزانة المصرية للتخلص من المديونيات التي أثقلت الخزانة العثمانية لصالح أوروبا، كما أحب الاطلاع على تجربة التحديث الناجحة التي قام بها محمد علي في مصر لينقلها إلى تركيا. 

هكذا بدأت زيارة عبد العزيز إلى مصر في 7 أبريل 1863، وهي الوحيدة من نوعها لسلطان عثماني بعد دخول سليم الأول إلى البلاد غازيا في العام 1517. ورافقتها أجواءا احتفالية غير مسبوقة، وإنفاقا هائلا من جانب إسماعيل لكسب ود السلطان والحصول على الفرمانات المنشودة منه. 

وفي اليوم الأخير له بالبلاد، أبدى عبد العزيز موافقته على طلبات إسماعيل كاملة، فمنحه الحق في توريث ملكه إلى أبنائه، كما خول له حرية التصرف في الشؤون الداخلية لمصر، وكذلك مكاتبة ملوك وأمراء البلاد الأوروبية، وإبرام المعاهدات والاتفاقيات معهم دون الرجوع للسلطان، ما كان يعني اعترافا عثمانيا رسميا باستقلال البلاد سياسيا عنها. وبدءا من العام 1866، أصبح يشار إلى إسماعيل في المكاتبات الرسمية بلقب الخديو إسماعيل، وليس إسماعيل باشا. 

ولكن السلطان وهو يسمح بكل هذا، كشف في المقابل عن طلباته الخاصة، فاشترط على إسماعيل رفع قيمة الخراج السنوي الذي ترسله مصر إلى إسطنبول من 400 ألف إلى 750 ألف جنيه، وأن يسدد المبلغ لا إلى الخزانة في إسطنبول، وإنما إلى الدائنين للسلطنة العثمانية من الدول الأوروبية، ما كان يعني تخلص عبد العزيز من أزمة الديون التي حيرت دولته وإلقاء تبعاتها على مصر. وكان الخديوي إسماعيل من الغباء بحيث وافق على هذا، ليخرج السلطان عبد العزيز من ميناء الإسكندرية رفقة سفينة محملة بالهدايا والتحف التي لا تقدر بثمن، مع مبلغ مالي قدره مليون جنيه على سبيل الرشوة، وتعهدا من حاكم مصر بتكفله بديون تركيا، وهو الأمر الذي استمرت معاناة مصر منه حتى العام 1941، أي بعد سقوط الدولة العثمانية نفسها بنحو عقدين كاملين من الزمن. 

إذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال يبقى: من كان أكثر عقلا، الخديو إسماعيل الذي سمح للعثمانيين الضعفاء بخداعه مقابل أطماعه الشخصية، فأورثها دينا لا ناقة لها فيه، أم علي بك كشكش الذي وصفوه بالمجذوب، وهو الذي أهان السلطان فعرض عليه دفع ثمن قهوته، وكأنه يعرض بإفلاس السلالة العثمانية وضعف موقفها المالي، ثم مد رجله أمامه عمدا في إشارة رمزية إلى عدم احتياجه العثمانيين، ما أكده بعد ذلك لفظا بالمثل: «اِللِّي يْمِد رِجْلُهْ مَا يْمِدِّشْ إِيدُهْ». وكأن كشكش أراد إبلاغ إسماعيل باشا رسالة، بأن مصر تمد رجلها على استقامتها، وأنها لا تحتاج العثمانلي ولا دولته في أمر تستطيع أن تناله هي بقوتها الذاتية، لا بالرشوة ولا فخم الاحتفالات. 

ربما كان كشكش مجذوبا حقا، ولم يدر في خلده أمام السلطان عبد العزيز كل ما افترضنا. ولكن فعلة الخديو إسماعيل هي من جعلت تصرف كشكش، لو اعتبرناه تلقائيا، أكثر عقلا وأكثر وطنية. 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع