"قومة" حلب 1850.. الشوام ينتفضون والعثمانلي يرد بالمدافع البريطانية

حلب

حلب

أن تعمل الدول على انتهاج التحديث لا شك يعد أمرًا محمودًا يستحق كل التأييد، لكن أن يقترن ذلك التحديث بخلق مظالم تزيد أمور الرعايا سوءا فهو ما لا يمكن قبوله بأي حال، لأن الحداثة ترتبط أساسًا بالتقدم لا التأخر، وازدهار الأحوال، لا تراجعها وازديادها سوءًا. 

كانت الأحداث الدامية التي عاشتها مدينة حلب شمال سوريا في أكتوبر من العام 1850 شاهدًا مثاليًّا على الحقيقة السابقة، فقد انتفض مسلمو حلب ضد السلطات العثمانية الحاكمة بسبب النتائج السلبية الخطيرة لعمليات التحديث التي فرضتها الحكومة المركزية في إسطنبول عليهم، والتي بدلا من أن ترتقي بهم، فإنها أورثتهم وضعًا اقتصاديًّا متدهورًا، وحقدًا على المسيحيين الذين استأثروا بخيرات التحديث دونهم، فكانت ردة فعلهم فيما سمي "قومة حلب" التي عبرت بعنف بالغ عن رفضهم لسياسات العثمانلي التي أضرتهم. 

تبدأ علاقة العثمانيين بعمليات التحديث من عصر التنظيمات الذي أعلنه السلطان عبد المجيد الأول منتصف القرن الـ19، واستهدف علمنة الدولة عبر إصدار مجموعة قوانين هدفها إقامة العلاقات بين شعوب الإمبراطورية على أساس المواطنة لا على أساس العرق أو الدين، لكن تلك الواجهة الملونة لتلك القوانين الجديدة، لم تلبث أن ضربتها حقيقة التوزيع غير العادل لمميزاتها. 

فقد خففت قوانين التنظيمات القيود المفروضة على المسيحيين من رعايا الدولة العثمانية بسبب ضغوطات القوى الأوروبية، وتم الاعتراف رسميًا بكنيسة الأرمن الكاثوليك وكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك كملّتان (طائفتان) في عامي 1831 و1848 على التوالي. كما أدخلت تعديلات مهمة على نظام الضرائب العثماني. حيث أسقطت الجزية من على المسيحيين، بينما فرضت ضريبة الرؤوس على المسلمين. 

لم يؤدِّ ذلك فقط إلى زيادة الأعباء الاقتصادية على مسلمي حلب، بل أيضًا إلى انخفاض كبير في ثروتهم، بينما ازدهر جيرانهم المسيحيون بسبب الروابط مع أوروبا، ممّا أدى إلى خلق شعورٍ بخيبة الأمل من حيث العلاقة بين المسلمين والدولة العثمانية، لأنها وسّعت الفجوة بين المسلمين وغير المسلمين.

أصبح التمييز الطبقي ظاهرًا بشكل أكبر مع الكساد الاقتصادي الذي انتشر في جميع أنحاء حلب منتصف القرن التاسع عشر، ونتج عن كثافة الاستيراد من أوروبا وتفضيل المنتج الغربي على نظيره المحلي. وكانت الأحياء الشرقية من حلب الأكثر تضررا من ذلك الكساد، حيث عمل سكان تلك الأحياء من المسلمين في تجارة القوافل والحبوب، وهما القطاعان الأكثر تضررًا من زيادة التجارة مع أوروبا.التي غمرت السوق بمنتجاتها. 

وعندما مرّ موكب ضخم لبطريرك الروم الكاثوليك مكسيموس الثالث مظلوم في شوارع حلب، رأى المسلمون ذلك كعلامة على زيادة الهيمنة المسيحية على المدينة. وأدت النيران الاحتفالية خلال الموكب إلى شائعات بأن المسيحيين يسلحون أنفسم ضد المسلمين. 

من جانب آخر، كان التجنيد الإلزامي التي استحدثه العثمانيون في عصر التنظيمات العامل الذي فجر غضب الحلبيين في وجه إسطنبول. فبعد أول إحصاء سكاني للذكور البالغين في المدينة، انتشرت شائعات باعتزام الإمبراطورية العثمانية تجنيد الذكور البالغين بالمنطقة، وهو ما مهد حلب تماما لأحداث أكتوبر من العام 1850.

ففي مساء الأربعاء 17 أكتوبر 1850، تظاهر سكان حلب احتجاجاً على التهديد الوشيك بالتجنيد من قبل السلطات العثمانية، في مسيرة إلى قصر مصطفى ظريف باشا والي حلب، والذي أغلق بوابات القصر دونهم، فلجأ المتظاهرون بعد ذلك إلى عبد الله البابنسي، زعيم فصيل الانكشارية في المدينة، والذي رغم رفضه قيادة الحراك، فإنه وافق ضمنيًا على أعمال مثيري الشغب. بعد ذلك تقدم المسلمون إلى حيّي صليبة والجديدة المسيحيين، الواقعين في الجزء الشمالي من حلب، حيث بدءوا في نهب الكنائس والمنازل الخاصة، وقتلوا حوالي 20 مسيحيًا. وخلال هذه الهجمات، تمكن العديد من المسيحيين من العثور على ملجأ بين الخانات في الأسواق أو تمت حمايتهم من قبل جيرانهم المسلمين.

استمرت أعمال الشغب طوال اليوم التالي، 18 أكتوبر. وفي يوم الجمعة 19 أكتوبر، استخدم الأعيان والزعماء المحليون سلطتهم لتفريق المتظاهرين. ووافقوا على تقديم مطالب المتظاهرين إلى الوالي، وتضمنت رفض أي تجنيد إجباري، وإرجاع الممتلكات المسروقة القابلة للاسترداد، وتوقف رنين أجراس الكنائس وحمل الصلبان في المواكب الدينية.

في البداية، قبل مصطفى ظريف باشا والي حلب هذه المطالب، وأضاف أيضًا تعهدًا بأن الضريبة الفردية المكروهة سيتم استبدالها بضريبة الأملاك. وبالإضافة إلى ذلك، تم تعيين عبد الله زعيم الانكشارية حاكماً لحلب بالإنابة.

لكن في 2 نوفمبر، وصلت القوات العثمانية التي طلبها الوالي كتعزيزات من إسطنبول، وكان يرغب في الاعتماد عليها في نزع السلاح من المدينة. لكن قبل هذا، تم تكليف هذه القوات بمحاربة الجماعات البدوية التي تجمعت في جميع أنحاء المدينة مع توقعات بقدرتها على غزو حلب بسهولة. كما تم عزل زعيم الانكشارية عبدالله واستُبدل بمنافس له كان يدعى يوسف شريف زاده.

أدى كل هذا إلى اندلاع القتال مرة أخرى في شوارع حلب، حيث اشتبكت قوات يوسف زاده مع الانكشارية بقيادة عبد الله. وفي 5 نوفمبر، استخدمت القوات العثمانية المدفعية البريطانية لقصف مراكز الثورة، ممّا أدى لتدمير عدة أحياء وقتل أكثر من 5000 شخص. ثم تحول القتال من منزل إلى منزل، إلى أن تم إخماده في وقت لاحق بحلول 8 نوفمبر، عندما تمت استعادة النظام بشكل كامل. 

بعد عودة النظام، بدأ حصر الأضرار التي طالت المسيحيون في حلب، وتبين أن 688 منزلا و36 متجرًا قد طالتهم يد التخريب، بينما دمرت ستة كنائس. وفرض تعويض قدره 5250 قطعة نقدية على السكان المسلمين في حلب. كما تم القبض على ما يقرب من 600 شخص، جند 400 منهم في الجيش، ونُفيَ 200 إلى جزيرة كريت؛ بسبب الخوف من اندلاع العنف مرة أخرى. وبحلول صيف العام 1851، هاجر مئات المسيحيين من حلب، خصوصًا إلى بيروت وإزمير وماردين. 

هكذا انتهت قومة حلب التي اندلعت أساسا بسبب فشل التحديث العثماني في الارتقاء بجميع سكان المدينة، وحصر ذلك الترقي في المسيحيين بها فقط، ما حولها من مدينة تجارية نشطة في طريق التجارة العالمي، لها منتجاتها الأصيلة التي تباهي بها العالم إلى مجرد مستهلك للمنتجات الأوروبية ومستورد كثيف لها. وربما أبلغ الأدلة على أن الصبغة الطائفية لتلك القومة كانت مجرد واجهة لرفض المسلمين في حلب الإجراءات العثمانية، أن هؤلاء رفضوا المشاركة في ذبح المسلمين بعد عشر سنوات فقط في مذابح بيروت ودمشق الشهيرة 1860.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع