«مرثية اليمن».. أغنية تركية وثّقت الفشل العثماني في احتلال اليمن السعيد

جنود أتراك في اليمن

جنود أتراك في اليمن

كتب: خالد أبو هريرة

 

ليس هناك سحب في الجو، ما هذا الدخان؟

لم يمت أحد في الحي لم هذا الصراخ ؟

تلك الأراضي اليمنية لم هي وعرة جدا

آه يا لهذه اليمن.. لقد سحقت زهرتها

من يذهب إليها لا يعود أتعجب لماذا ؟

هنا قلعة "هوش" (قلعة عثمانية بين تعز وصنعاء) الطريق إليها متعرج إلى أعلى

من يذهب إليها لا يعود اتساءل عن السبب ؟

البزق يعزف من أمام الثكنات

انه يوجع قلبي أنه حافي القدمين

الفتيات يبكين على من ذهب إلى اليمن

آه يا لهذه اليمن زهراتها الحلبة

من يذهب إليها لا يعود أتعجب لماذا؟

هنا قلعة هوش الطريق إليها متعرج إلى أعلى

من يذهب إليها لا يعود اتساءل عن السبب؟

من أمام الثكنات .. يأتي صوت جندي احتياط

انظروا ماذا يوجد في حقيبته

حذاؤه وطربوش أحمر ..

آه يا لهذه اليمن زهراتها الحلبة

من يذهب إليها لا يعود أتعجب لماذا؟

هنا قلعة هوش الطريق إليها متعرج إلى أعلى

من يذهب إليها لا يعود اتساءل عن السبب؟

الأوز يتجول أمام الثكنات

يدي وذراعي وقلبي المتألم يرتعشون

الفتيات يبكين على من ذهب إلى اليمن

آه يا لهذه اليمن زهراتها الحلبة

من يذهب إليها لا يعود أتعجب لماذا؟

هنا قلعة هوش الطريق إليها متعرج إلى أعلى

من يذهب إليها لا يعود اتساءل عن السبب؟

أمام الثكنة عربة تجرها الخيول

قائدنا يوزع المهام

إننا ذاهبون أيها الرقيب

آه يا لهذه اليمن زهراتها الحلبة

من يذهب إليها لا يعود أتعجب لماذا؟

هنا قلعة هوش الطريق إليها متعرج إلى أعلى

من يذهب إليها لا يعود اتساءل عن السبب؟

هذه كلمات أغنية من الفولكلور التركي الشعبي، تعرف باسم "مرثية اليمن"، ألفها الأتراك حزنا على ذويهم من الجنود الذين قتلوا في اليمن أثناء الصراعات العثمانية البريطانية بالحرب العالمية الأولى.. ورغم أنها بذلك تؤرخ لحادثة تاريخية محددة، فإنه من الممكن لنا أن نسحب معانيها على كامل الوجود العثماني في اليمن، والذي كان على الدوام وجودا قلقا وغير مستقر، فقد فيه الأتراك زهرة جنودهم أمام ضربات الثوار اليمنيين ممن رفضوا الخضوع لإرادة إسطنبول.

ومن المعلوم أن الحكم العثماني في اليمن مر بمرحلتين: الأولى تبدأ من غزو الأتراك للبلاد في العام 1538 تحت قيادة والي مصر سليمان باشا الخادم، وتنتهي العام 1635 على إثر ثورة زيدية عارمة ضد العثمانيين قادها في الشمال اليمني الإمام محمد بن القاسم.

أما المرحلة الثانية فتبدأ بدخول قوات والي مصر محمد علي باشا إلى اليمن في العام 1838، وتنتهي بخروج العثمانيين منه في أعقاب هزيمتهم أمام بريطانيا في الحرب العظمى العام 1918.

وسواء في المرحلة الأولى أو الثانية، لم يهنأ الأتراك بعيشة هانئة في اليمن أبدا. وعلى مدار العقود المتتالية، كان سماع أسرة تركية في الأناضول بخبر تجنيد أحد أفرادها وتوجيهه للحرب في اليمن بمثابة إصدار شهادة وفاة له. لأن أغلب الجنود الأتراك الذين ذهبوا إلى هناك كانوا لا يعودون أحياء. وهو ما يمكن رده إلى الطبيعة الجبلية بالغة الصعوبة للأرض اليمنية، وصلابة رجالها وإصرارهم على رفض الخضوع للأتراك.

منذ طرد العثمانيين في العام 1635 وحتى منتصف القرن الـ19، ظل اليمن بعيدا عن أي سيطرة أجنبية. ولن مع حملات محمد علي باشا التي أرسلها منذ العام 1811 إلى الجزيرة العربية، كان مقدرا لهذا الوضع أن يتبدل.

ففي العام 1838، دخلت قوات الباشا منطقة تهامة في اليمن. وهو الأمر الذي شعرت أمامه بريطانيا بالخوف من تواجد قوة تهدد الطرق البحرية التي تربطها بمستعمراتها الأهم في الهند، ولهذا سارعت باحتلال ميناء عدن.

وبعد هزيمة محمد علي وتوقيعه على معاهدة لندن التي قلمت أظفاره العسكرية عام 1840، أصبح عليه التخلي عن اليمن. فسلمها لحلفائه أشراف المخلاف السليماني بزعامة الشريف حسين بن علي حيدر وحلفائهم في عسير من آل عائض.

في هذه الأثناء، ظهر في اليمن مغامرا طموحا من الأئمة الزيديين اسمه الإمام المتوكل محمد بن يحيى، والذي أقام علاقات طيبة أول الأمر مع القوات المصرية في تهامة. ثم بعد رحيلها ذهب إلى مصر باحثاً عن عون عسكري يدخل به صنعاء التي كان يحكمها إمام زيدي آخر اسمه المهدي. ولكن المتوكل عاد مصر خالي الوفاض، فيمم وجهه شطر أشراف المخلاف السليماني، ولقى ترحيبا من الشريف حسين بن علي حيدرة الذي أمده بالأموال والعتاد ما مكن المتوكل دخول صنعاء إماماً جديداً.

لكن هذا الحلف مع أشراف المخلاف السليماني لم يلبث أن انهار لتصادم مصالح الطرفين، فقامت لذلك الحرب بينهما. ولما دارت الدائرة على الشريف حسين، قام بالاستنجاد بالسلطات العثمانية في الحجاز لتدخل تهامة.

وبالفعل، صدرت الأوامر لوالي الحجاز بقيادة جيش لدخول تهامة، فدخل الجيش التركي ميناء الحديدة عام 1849 بالتعاون مع الشريف حسين. وقد رأى الإمام المتوكل أن من الحكمة أن لا يترك خصمه يستأثر وحده بعلاقات ودية مع الأتراك، فقرر هو الآخر أن يظهر حسن نواياه تجاههم، وقد ذهب في ذلك إلى حد أنه دعاهم لدخول صنعاء ثانية، وقنع بمرتب شهري يؤدونه له وأعلن في الناس أن أمرهم قد صار إلى الأتراك العثمانيين.

لكن اليمنيين، والذين كانت مآسي الحكم العثماني في المرحلة الأولى لا تزال مختزنة في ذاكرتهم من رواية الأسلاف، رفضوا هذا الوضع الشاذ الذي فرض عليهم العودة للخضوع للأتراك. وأعلن سكان صنعاء وكافة القبائل المجاورة والقادمة تصديهم للجنود العثمانيين ومنعهم من الإقامة في عاصمة اليمن، فضيقوا عليهم الخناق وقتلوهم في الأسواق حتى أنهم لم يتمكنوا من الخروج لشراء حاجياتهم وظلوا محصورين في ثكناتهم ينتظرون الفرج.

من جانب آخر، كان الناس يطاردون الإمام المتوكل لقتله ونعتوه بالخيانة. ثم خلعوه وبرئوا منه وعينوا مكانه الإمام المهدي، وهو نفس الإمام الذي انهزم أمام المتوكل قبل ما يزيد قليلا عن الأربع سنوات. ويقوم الإمام الجديد بالقبض على المتوكل وقطع رأسه ثم يفاوض الأتراك في كيفية الخروج من صنعاء إلى الحديدة بأمان ليستقروا هناك، فخرجوا خاسئين منكسي الرؤوس يوم عيد الفطر 18 أغسطس 1849.

ولم يعمر الإمام المهدي في السلطة طويلا فقد خلع بعد عدة أشهر ليأتي إمام جديد وتدخل صنعاء وما حولها في فترة فوضى واضطراب يتنازع السلطة فيها أئمة صغار ما مهد الطريق لعودة الأتراك العثمانيين ثانية إلى صنعاء .

ففي العام 1872 قام القائد التركي “مختار باشا” بدخول العاصمة اليمنية من جديد. وعمد إلى الحد من تأثير مشايخ القبائل، وحَصَرَ نشاطَ الأئمة الزيديين، على ممارسة زعامتهم الدينية دون التدخُّل في الشئون السياسية. ثم قام بفرض الضرائب الباهظة على سكان اليمن، ما أدى إلى تفشي الجوع وسوء الأوضاع في البلاد. واندلعت عدة ثورات في اليمن، ثورة الحدا وثورة قبيلة خولان، وقبيلة أرحب، وقبيلة حاشد، ولكن الاحْتلَال العثماني نجح في إخمادها.

وفي العام 1891، قامت ثورة يمنية جديدة ضد الأتراك بقيادة الإمام محمد بن يحيى حميد الدين والذي استطاع محاصرة قواتهم داخل صنعاء، وكاد أن يقضي عليها. إلا أن وصول تعزيزات عثمانية بقيادة (أحمد فيضي باشا) أدى إلى فك الحصار عن المدينة.

وبعد وفاة الإمام محمد بن يحيى الملقب بالمنصور سنة ١٩٠٤م قام اليمنيون بهبة ثورية غرضها الاستقلال عن السلطنة العثمانية. قادها هذه المرة الإمام يحيى بن المنصور، والذي أدي تفوقه على الأتراك في ميدان الحرب إلى عقد صلح بين الجانبين العُثْمَـاني واليمني في العام 1906، منح الإمام يحيى بناء عليه صلاحيات واسعة.

ثم اندلعت الثورة اليمنية من جديد في العام 1911، عندما عاود الزيديون محاصرة قوات الاحْتلَال العثماني في صنعاء وبعض المدن اليمنية الأخرى بقيادة الإمام يحيى حميد الدين. وانتهى الحصار هذه المرة بالتوقيع على صلح دعان في أكتوبر 1911، الذي منح فيه اليمنيون اعترافا عثمانيا باستقلالهم عن حكومة إسطنبول.

ولكن مع قيام الحرب العالمية الأولى العام 1914، عاد اليمن إلى واجهة الصراع من جديد. فقد خطط العثمانيون لإنفاذ حملة عسكرية إلى جنوب الجزيرة العربية بغرض طرد البريطانيين من عدن وقطع طرق المواصلات بين الإنجليز والهند. وأرسلوا إلى اليمن إنفاذ ذلك فرقتين عسكريتين كاملتي العدد والعدة زحفتا نحو المناطق الجنوبية حتى بلغت الحوطة في لحج دونما مقاومة تذكر، واحتلتها في 5 يوليو 1915 ولم تدخل في معركة مسلحة إلا في منطقة الدكيم، ثم واصلت الزحف حتى وصلت إلى مدينة الشيخ عثمان.

ولكن القوات البريطانية لم تلبث أن انتصرت على الأتراك، وأجبرتهم على التراجع نحو الحوطة والمرابطة فيها، ثم تم دحرهم أخيرا أمام أبواب عدن. وأعلن الانسحاب العثماني بعد ذلك من اليمن كله بعد إعلان الهزيمة العثمانية العامة أمام الحلفاء في العام 1918. وجاء الانسحاب العثماني الأخير هذا، بعد أن فقد الأتراك قدرا كبيرا من جنودهم في الأراضي اليمنية، ما دفعهم إلى تأليف مرثية اليمن التي خلدت ذكرى أولئك الذين ذهبوا إلى هناك ولم يعودون أبدا..

 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع