أراد تجنيد العرب فقتله الأتراك.. عثمان الثاني صاحب «المأساة العثمانية»

إعدام عثمان الثاني

إعدام عثمان الثاني

كتب: خالد أبو هريرة

في سيرته تلاقت كل مساوئ الدولة العثمانية في القرن الـ17 الميلادي، من صراعات العرش المميتة، وقتل الإخوة دون جريرة، إلى ألاعيب الحريم الخبيثة، ومؤامرات الانكشارية المكشوفة والصاخبة.. هذا هو عثمان الثاني، السادس عشر في ترتيب سلاطين آل عثمان، والذي كان أول من قتل من سلالته على يد جنوده الأتراك، بسبب رغبته في استبدالهم بالعرب. 

هو عثمان بن السلطان أحمد الأول. ولد في نوفمبر من العام 1604، وانفتحت عيناه على الدنيا، في عصر أصبحت فيه الدولة العثمانية خاضعة لإرادة زوجة أبيه السلطانة كوسم، وحلفائها من أغوات الانكشارية، ولم يعد للرجال من آل عثمان أمام هذا التحالف سوى الانصياع أو تلقي العقوبة بالخلع عن السلطنة.    

كان من المفترض أن يعتلي عثمان العرش بعد وفاة والده السلطان أحمد الأول باعتباره أكبر أولاده. لكن الوزير صوفو محمد باشا، وبتحريض من عالمة سلطان أم الأمير مصطفى، والسلطانة كوسم سلطان زوجة السلطان أحمد، اقترح على شيخ الإسلام أسعد أفندي تولية مصطفى عم عثمان. فوافق شيخ الإسلام باعتبار مصطفى الأكبر سناً. ولكن الحقيقة أن حريم القصر رغبن في وجود مصطفى في الحكم بسبب ضعف شخصيته وعدم قدرته على تحمل أعبائه، ما يضمن لهن استمرار البقاء في السلطة. 

ولكن لما ثبت أمام رجال الدولة مدى الوهن الذي عليه السلطان مصطفى، قاموا بخلعه على غير إرادة كوسم وحلفائها، وولوا مكانه عثمان تحت اسم السلطان عثمان الثاني في أبريل 1618 وكان وقتها في الرابعة عشر من عمره فحسب. لكنه أبدى همة عالية لاستعادة سلطاته من  كوسم وحلفائها من الانكشارية. 

بدأ عثمان عهده بإنهاء الحرب مع الصفويين في إيران وعقد الصلح معهم (سبتمبر 1618)، كي يتفرغ لحربه ضد خصومه داخل القصر الحاكم في إسطنبول. ثم شرع في الانتقام من الذين حرموه من العرش أول مرة، فأصدر قرارًا بتقليل صلاحيات المفتي وإعطاء معظم صلاحياته لمعلمه الشخصي لالا عمر أفندي.

كما استصدر فتوى من كمال الدين أفندي قاضي عسكر رومللي تبيح له إعدام أخيه الأمير شاه زاد محمد، كي يقطع على أمه كوسم استخدامه في الإطاحة به، رغم أن محمد المقتول هذا لم يكن له يد في أي من ذلك. 

وبعد تنفيذ الإعدام في أخيه، خرج عثمان الثاني بنفسه على رأس حملة عسكرية إلى بولندا في شهر سبتمبر 1620. وكان غرضه تأديب البولنديين على تدخلهم في شؤون إمارة البغدان "مولدوفا حاليا"، وتقديمها الدعم لـ القوزاق في غاراتهم على الأراضي العثمانية.

تقدمت الجيوش العثمانية بقيادة عثمان حتى وصلت حصن خوتين في عمق الأراضي البولندية. وهاجم السلطان الحصن عدة مرات لكنه لم ينجح في اقتحامه، ما أجبره على قبول التفاوض مع بولندا التي وافقت على وقف دعمها لهجمات القوزاق ووقف تدخلها في شئون البغدان والسماح للقوات العثمانية بالمرور في الأراضي البولندية في حالة الحرب مع أى دولة أوروبية لكن دون حدوث أي تخريبات منها.

ورغم أن شروط الصلح جاءت موائمة للعثمانيين، فإن عثمان كان يشعر بالغضب لأنه لم يحقق هدفه الأساسي بضم بولندا. وراح من أجل ذلك يلقي باللائمة على قوات الانكشارية متهما إياها بالتقاعس في الحرب، ووبخ قادتهم علانية أمام الجميع. 

عاد الطرفان للعاصمة وكل منهما ناقم على الآخر، السلطان ناقم من قوات لا تطيع أوامره، والانكشارية ناقمة من سلطان وصل لرأس الدولة على غير إرادتهم، ثم انتقدهم أمام الجميع. 

فكر السلطان فور عودته إلى إسطنبول في تطبيق إصلاحات جدية داخل الهيكل العسكري للدولة. وشجعه على ذلك معلمه ومربيه لالا عٌمر أفندى. وكانت فكرته بسيطة ومباشرة، تقوم على استبدال قوات الانكشارية التي كان أفرادها يُختطفون صغارا من البلدان المسيحية، بقوات مسلمة من أبناء التركمان في ريف الأناضول. ثم وسع الفكرة لتشمل العرب في أقاليم الشرق الأوسط الخاضعة للعثمانيين. وقد كان عثمان جادا إلى حد أنه أرسل تعليمات سرية إلى ولاة حلب والشام ومصر طلب فيها القيام بتهيئة جيش جديد مخلص له. 

كما فكر السلطان أيضاً في نقل عاصمته إلى بورصة إلى حين الانتهاء من تدريب القوات الجديدة ليعود بهم إلى إسطنبول ويقضي على الانكشارية. ورغم أن قراراته كانت سرية إلا أن الانكشارية فطنوا إلى الموضوع بفضل اختراقهم القصر وتعاونهم مع السلطانة كوسم. واستغلوا سوء الأوضاع في العاصمة بسبب الشتاء القارس الذي جعل وصول الإمدادات الغذائية صعبا إليها في إشعال الثورة ضد عثمان الثاني. وانضم إليهم سريعا علماء الدين الذين غضبوا من تقليص صلاحياتهم.  

ولما علم عثمان بنية الانكشارية الانقلاب عليه، أنصت لمعلمه عمر أفندي ومسؤول الحريم سليمان آغا اللذين أشارا إليه بالخروج لأداء فريضة الحج، واستغلال ذلك في جمع القوات التي يرغب فيها من الأقاليم العربية. فلما علم الانكشارية ذلك، طالبوا برأس عمر أفندي وسليمان آغا. ولكن السلطان رفض، فاعتبروا ذلك وازعا لإشعال ثورتهم. 

هكذا، ثار جنود الانكشارية ودخلوا من باب القصر السلطاني. وقاموا بالبيعة للسلطان مصطفى من جديد، ثم قبضوا على عثمان الثاني الذي تخلى عنه الجميع واقتادوه إلى جامع أورطة، وحاولوا خنقه داخله تنفيذا لأوامر الصدر الأعظم داود باشا. ولكنهم لم يوفقوا، فسحبوه إلى سجن الأبراج السبعة، حيث خنقوه تحت إشراف داود باشا في شهر مايو 1622. وهي الحادثة التي تعرف في التاريخ باسم "المأساة العثمانية".

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع