سليم الثالث.. أراد التخلص من الانكشارية فقتلوه

سليم الثالث

سليم الثالث

كتب: خالد أبو هريرة

كان عهد السلطان العثماني سليم الثالث، بين عامي 1789 و 1803، فاتحة لعصر التدهور الطويل الذي لن ينتهي إلا بانهيار الدولة العثمانية نفسها في بواكير القرن التالي. وقد عاين هو كل ما سيمر به خلفائه من المحاولات الفاشلة للإصلاح العسكري، وفقدان أقاليم الإمبراطورية باطراد لصالح القوى الأوروبية، وأخيرا تحول آل عثمان إلى ألعوبة في أيدي تلك الأخيرة. 

من هو؟!

ولد سليم الثالث في العام 1761. وهو ابن السلطان مصطفى الثالث. تولى العرش في  العام 1789 على إثر وفاة عمه السلطان عبد الحميد الأول بنزيف دماغي نتيجة حزنه الشديد لوضع جيوشه السيء على جبهات القتال.

ففي ذلك الوقت، اتحدت الجيوش الروسية والنمساوية ضد العثمانيين، وتمكن الروس من الاستيلاء على الأفلاق والبغدان، بينما استطاعت النمسا احتلال بلاد الصرب وعاصمتها بلغراد.

ونتيجة لقيام الثورة الفرنسية في العام 1789، تنازلت النمسا عن الصرب للدولة العثمانية لتتفرغ للفرنسيين الذين أخذوا في التوسع على حساب جيرانهم بقيادة نابليون بونابرت. أما روسيا فقد استمرت في حربها، ثم وقعت مع سليم الثالث معاهدة صلح برعاية إنجلترا وهولندا وبروسيا، وأخذت روسيا بموجبها بلاد القرم نهائيًا من الأتراك.

الإصلاح

كانت الدولة العثمانية في حاجة لإصلاحات بكافة المجالات لا سيما الحربية. وبعد هدوء القتال على الجبهات انصرف سليم الثالث للإصلاحات الداخلية فبدأ بتعيين أحد الشبان المدعو كوشك حسين باشا قائدا عاما، وكان هذا ملما ودارسا لأحوال أوروبا، فبذل جهده لتنقية الطريق التجارية البحرية من القراصنة، وأصلح الثغور وأنشأ القلاع عليها، وبنى عدة مراكب حربية على أحدث الأنماط الفرنسية والإنجليزية، وجلب العديد من المهندسين السويديين والفرنسيين المهرة لصب معظم قوالب المدفعية.

كما استغل السلطان سليم انشغال الأوروبيين بمحاربة حكومة الثورة الفرنسية لتحديث دولته وجيشه، فاستقدم العديد من الخبراء والضباط الفرنسيين لتدريب وتحسين العساكر العثمانية، وكان هذه التحديثات تلقى ردود فعل سلبية جدا من الانكشارية، الذين رأوها تهديدا لنفوذهم كالفرقة الرئيسية في الجيش العثماني. 

حملة بونابرت

وبينما كان سليم منهمكا في هذا، نزلت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إلى مصر في سنة 1799 دون إعلان الحرب على الدولة العثمانية. وكان الهدف الرئيسي من هذه الحملة السيطرة على طريق التجارة الإنجليزي الذي كان يربط بريطانيا بمستعمراتها في الهند.

لم يكن في مقدور سليم الثالث أن يتحرك لطرد بونابرت من مصر. ولولا أن إنجلترا قد تحركت سريعا إلى المحروسة لظل اللسلطان ساكنا في إسطنبول دون حركة. ولكنه لما وجد الإنجليز قد حركوا أساطيلهم قبالة الإسكندرية، قرر أن يتحالف معهم ضد فرنسا، وبفضل التحالف مع القوات الإنجليزية المرسلة إلى الشرق، نجح سليم الثالث أخيرا في إجلاء الفرنسيين عن مصر وردها إلى أملاك السلطنة العثمانية. ومن الطريف أن محمد علي الجندي الألباني كان واحدا من المشاركين في الحملة العثمانية الإنجليزية المشتركة على مصر، وبدأ من وقتها مغامرته التي انتهت بفصله القاهرة عن إسطنبول إلى الأبد. 

بالعودة إلى مسار الأحداث في مصر، نقول إن نابليون بونابرت بعد فشل حملته خاطب السفير العثماني في فرنسا لإعادة المودة بين البلدين كما كانت قبيل الحرب فوافق السلطان سليم لما كان يرى في ذلك ضمانا لعدم بقاء الإنجليز في مصر، ولقوة فرنسا العسكرية آنذاك، واستمرت الدولة العثمانية في استقدام الضباط الفرنسيين لتحديث جيشها رغم أنها كانت تحاربهم منذ قليل، أما الفرنسيون فقد تحصلوا على تجديد امتيازاتهم التجارية بعد أن كانت قد ألغيت خلال الاحتلال الفرنسي لمصر، كما سمح الباب العالي للسفن الفرنسية بمشاركة السفن الروسية الإبحار في البحر الأسود. 

الانكشارية

شرع كوشك حسين باشا في تنظيم الجند المشاة على النسق الأوروبي للتخلص من الانكشارية الذين غدوا سبب كل فتنة بالإضافة إلى أنهم أصبحوا عالة على الدولة، وسميت فرق المشاة الجديدة بـالنظام الجديد. 

تحصل الانكشارية مع مجموعة للعلماء المتشددين والمعادين للتغيير على فتوى بإبطال النظام الجديد لكونه مستوردا من الغرب، مما أرغم سليم الثالث على الانصياع لهم، فقام كوشك حسين باشا باصطفاء نحو 600 من النظام الجديد الملغي وشكلهم مع مجموعة من الشبان المتطوعين في فوج واحد، وقام بالإنفاق عليهم من جيبه الخاص دون أن يعبأ بالانكشارية الذين راحوا يقفون أمام سراياه مهددين تارة ومستهزئين تارة أخرى. 

أبلى فوج القبودان حسين باشا بلاء منقطع النظير عن أقرانه في أثناء حصار عكا من قبل جيوش نابليون مما دفع السلطان سليم إلى إعادة النظام الجديد مرة أخرى، وأمر بتدريب المزيد منهم مستغلا انشغال الانكشارية في محاربة الفرنسيين في مصر، كما أمر بفصل المدفعية عن الانكشارية وتنظيمها على النسق الأوروبي أيضا. 

حصلت فيما بعد مناوشات عديدة في الرومللي (الولايات الأوروبية للدولة العثمانية) بين الانكشارية وعصابات بلقانية تابعة سريا لروسيا، ولم يتمكن الانكشارية من السيطرة على الوضع، وانفلت زمام الأمر، فأرسل الخليفة بعساكره الجدد لصد هذا البلاء عن العباد، فحظوا بالظفر على العصاة، وعاد الاستقرار للأهالي في البلاد، ففرح السلطان سليم ولم يكتف بإغداق الهبات والأعطيات على جنده بل إنه سطر فرمانا (قرارا) يسري على الولايات التركية والأوروبية، ويقضي بتجنيد جميع الشبان ذوي الـ25 عاما من الانكشارية والمدنية لضمهم للنظام الجديد.

لم يقبل الانكشارية هذا الأمر، فأمر السلطان والي القرمان عبد الرحمن باشا الذي كان أحد أكير المؤيدين للإصلاح أن يأتي بكل قواته إلى الأستانة ومن ثم يتوجه لقمع كل انكشاري معارض، فحدثت صدامات عديدة في البلقان بين الطرفين لكنها لم تحسم الأمر، واضطرت العساكر النظامية الجديدة للعودة إلى الأستانة عندما أحس الخليفة باستفحال الثورة، وانضمام مجموعة من العلماء وعدد من الطلبة إليها، فعزل بعض الوزراء وعين آغا الانكشارية صدرا أعظما لتخفيف حدة الثورة في البلاد. 

حرب أوروبية

وسط هذه الحرب الأهلية، شنت أوروبا حربا جديدة على العثمانيين. فقامت روسيا بإشعال حربا برية لاحتلال ولايتي الأفلاق والبغدان (رومانيا حاليا)، كما عسكرت السفن الإنكليزية أمام الدرنديل، وطالب الإنكليز الأتراك بفك الحلف مع فرنسا، وإجلاء الضباط الفرنسيين، والاتحاد مع إنكلترا، ومنح الولايتين الرومانيتين لروسيا، وتسليم السفن العثمانية، بالإضافة إلى إعلان الحرب على فرنسا، وإلا فإن الأستانة ستتلقى نيران البحرية الإنكليزية. وقرن قائد الأسطول الإنجليزي القول بالفعل فاجتاز الدرنديل ودمر كل السفن العثمانية الراسية هناك، ولم يتمكن العثمانيون من إنهاء تحصيناتهم في الوقت المناسب، وعادت البحرية الإنكليزية للانتظار مجددا ليتم تنفيذ طلباتها. 

تشاور رجال الدولة العثمانية، ورأوا الإذعان لطلبات الإنكليز فأرسلوا مندوبا إلى الجنرال سبستياني الفرنسي يطلب منه مغادرة الربوع العثمانية مع من معه من الضباط الفرنسيين، لكن سبستياني أصر على مقابلة السلطان سليم الثالث بنفسه، وأخبره أن نابليون سيرسل جيوشه المعسكرة على سواحل إيطاليا إلى الأستانة لدعم الموقف، وأن الإنكليز لو رأوا مقاومة من العثمانيين لخافوا على تجارتهم من البوار في الولايات العثمانية. 

جهز الملحق الفرنسي مخططا لتحصين الاستانة بالسرعة القصوى، وشكلوا فرقة من 200 عسكري فرنسي لمحاربة الإنكليز وقت الحاجة، ودأب الناس على العمل على التحصينات حتى أنهوها في بضعة أيام، وقد شارك الشيوخ والأطفال والنساء في هذا العمل الذي كان يصل الليل بالنهار، وعملت السفن المتبقية على سد مداخل البوسفور لتأخير الإنكليز، وكان السلطان سليم يشرف بنفسه على سير المشروع. عندما تحقق الأسطول الإنكليزي من ضعف موقفه وقرب نهاية الاستحكامات العثمانية، عاد يجر أذيال الخيبة. 

النهاية

بعد فك الحصار الإنجليزي، كان على سليم الثالث أن يواجه نهايته. فبعد وفاة مفتي الدولة وكان مؤيدا للإصلاح، خلفه آخر كان على عكسه تماما. اتحد مع مجموعة من العلماء والمنتفعين من رجال الدولة لعزل السلطان، فراحوا يحرضون من انخرط من شبان الانكشارية في السلك العسكري الجديد متحججين أن الملابس النظامية الجديدة هي أزياء خاصة بالنصارى مخالفة للقرآن الكريم والسنة الشريفة، ولقت سمومهم رواجا عند العوام، وحصلت فتن عديدة في كثير من قلاع الدولة، لم يدر سليم الثالث عنها إلا متأخرا بسبب قيام القائم مقام بتعتيم الصورة عليه. 

فرح المتآمرون لنجاحهم الجزئي، وتشجعوا على المضي قدما في مخططهم مستغلين سفر الجيوش مع الصدر الأعظم وانشغالها بحرب روسيا، فاجتمعت الجنود الانكشارية مع إخوانهم غير المنتظمين بتدبير المفتي الجديد ومن عاضده من بعض الرجالات في الدولة في منطقة خارج الأستانة، حتى إذا استعدوا دخلوا الأستانة، وقتلوا كل الوزراء والأعيان المؤيدين للإصلاح العسكري والنظام الجديد. سارع السلطان بعزل وزرائه وتعيين من قد يحاذي رأي الثائرين لاسكاتهم، ولكنه لم يسلم منهم رغم ذلك، حيث كانوا يخشون أن يعود لتنفيذ مشاريعه العسكرية الإصلاحية، فأفتى مفتي الدولة العثمانية الجديد بأن أي خليفة يدخل أنظمة الغرب وطرقهم في الدولة، ويجبر رعاياه على اتباعها غير صالح للولاية، فعزلوه وأسروه، وولي من بعد مصطفى الرابع. 

نتيجة لذلك الانقلاب، سار واحدا من الوزراء واسمه مصطفى باشا البيرقدار على رأس 16 ألف عسكري إلى الأستانة لإعادة السلطان سليم لحكم البلاد، ولكن رجال مصطفى الرابع قتلوا سليم الثالث ظنا منهم أن ذلك قد يخمد الثورة، إلا أن الثائرين اشتعلوا غضبا، وانتهى الأمر بعزل وقتل مصطفى الرابع، وتولية سلطان جديد هو محمود الثاني.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع