على خطى الحجاج بن يوسف الثقفي.. الأتراك يقصفون الكعبة ويحرقون كسوتها

الكعبة المشرفة قديما

الكعبة المشرفة قديما

كتب: خالد أبو هريرة

على خطى الحجاج بن يوسف الثقفي، والي العراق في العصر الأموي، الذي استباح ضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق للقضاء على ثورة عبد الله بن الزبير، قصف العثمانيون الأتراك في 28 يونيو من العام 1916، بيت الله الحرام بالمدافع سعيًا منهم للقضاء على الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف حسين ضد إسطنبول. 

تبدأ الحكاية في العام 1915، أثناء الحرب العالمية الأولى، عندما أكدت تقارير استخباراتية ألمانية تركية مشتركة أن ثورة يقودها شريف مكة، الحسين بن علي، على وشك الاندلاع من قلب الجزيرة العربية ضد الحكم العثماني.

ولما كان نجاح تلك الثورة يعني ضرب الخطوط الخلفية للقوات العثمانية الألمانية في جنوب سوريا، التي كانت ترغب في الهجوم على الإنجليز في مصر، فإن القيادة العثمانية برئاسة وزير الحربية أنور باشا، قررت أن تنفذ نفيًا شاملًا للعرب من الحجاز، كي لا يتمكن الشريف حسين من القيام بثورته، واعتبرت المدينة المنورة، ثاني أقدس مدن الإسلام، التي كانت تتجهز للانضمام إلى الثورة العربية، الهدف الأول لأنور باشا.

لتنفيذ تلك المهمة الخطيرة، اختار وزير الحربية التركي واحدًا من أبرز قواده، ويدعى فخري باشا. وهو عمر فخر الدين بن محمد ناهد بن عمر، المولود في سنة 1869م، والمتخرج في المدرسة الحربية في إسطنبول عام 1888. رقي في سنة 1908 إلى رتبة وكيل رئيس أركان الجيش الرابع، وشارك في حرب البلقان.

وفي مطلع الحرب العالمية الأولى عين وكيلاً لجمال باشا السفاح قائد الجيش الرابع المرابط في سوريا. واستمر في عمله حتى كلفه أنور باشا بالسفر إلى المدينة المنورة وإجراء «سفر برلك»، أي نفير عام لأهلها.

وصل فخري باشا إلى المدينة المنورة في شتاء عام 1915 على رأس الآلاف من قوات الجيش العثماني. ولم تطأ أقدامه أرضها حتى أعلن أمام أهلها أن مهمته الأساسية هي جمع رجال المدينة وإرسالهم فوق عربات سكة حديد الحجاز إلى الأردن وسوريا، للمشاركة في القتال المستعر هناك بين الأتراك والإنجليز. وهو ما فهمه أهل المدينة المنورة باعتباره نفيًا عمديًا لهم من موطنهم كي لا يتمكنوا من مشاركة الشريف حسين في ثورته.

ومع حلول شهر يونيو من العام 1916، كانت غالبية الجيش العثماني قد ذهبت إلى مدينة الطائف لمرافقة الحاكم العام في الحجاز غالب باشا، وترك العثمانيون 1000 رجل لغرض الدفاع عن مكة، وقد غلبهم النوم، فقام الشريف الحسين في 10 يونيو بإطلاق النار في الهواء من نافذة القصر الهاشمي معلناً بدء الثورة العربية، ورد مناصروه الذين يبلغ عددهم نحو 5 آلاف نسمة بإطلاق النار على الجيش العثماني، لتبدأ بذلك معركة مكة المكرمة التي تدخل فيها فخري باشا بقواته وآلاته العسكرية من مقره بالمدينة المنورة.

وفقا لوثيقة استخباراتية بريطانية تحمل رقم 513، وصادرة بتاريخ 28 يونيو من العام 1916، فإن السير هنري مكماهون الممثل الأعلى للتاج البريطاني في مصر، أرسل برقية إلى وزارة الخارجية البريطانية في لندن يخبرها خلالها بتطورات معركة مكة المكرمة بين الشريف حسين و فخري باشا. ووفقا لمكماهون، فإن الأتراك الذين كانوا متحصنين في أحد الأبراج المحصنة بمكة قاموا بقصف الكعبة المشرفة بالمدافع، ما أدى إلى إحراق كسوتها.. ومكماهون كان يرغب في أن تستغل تلك الواقعة للدعاية السياسية في العالم الإسلامي ضد تركيا العثمانية.

وثيقة

 

كان قصف الكعبة آخر عمل كبير يقوم به الأتراك في معركة مكة، إذ استسلمت آخر قوة عثمانية في المدينة أمام الشريف حسين في تاريخ 4 يوليو 1916. وكان استسلامها تعبيرا عن يأس أفراد القوة من وصول أي إمدادات جديدة من جهة فخري باشا في المدينة المنورة، والذي أصبح الآن محاصرا من القوات العربية والبريطانية. 

عين فخري قائدًا عامًا لحملة الحجاز في 17 يوليو 1916، ثم أضيف إليه منصب محافظ المدينة المنورة في 28 أبريل 1917. واستمر تحصنه خلف أسوار المدينة حتى إعلان الدولة العثمانية هزيمتها العامة أمام الحلفاء في الحرب العظمى، وتوقيعها هدنة رودس في 30 أكتوبر 1918. فأرسلت إسطنبول خطابًا إلى فخري باشا تطالبه بالاستسلام للقوات العربية والإنجليزية المحاصرة، رفض فخري بداية واستمر في التمترس بالمدينة طيلة 5 أشهر تالية. ولكن أمام ضغوطات زملائه الذين أنهكتهم الحرب، وتهديدات قياداته العليا في تركيا، اضطر إلى إعلان الاستسلام، وتسليم المدينة إلى العرب في عام 1919.

ولكن حتى في لحظة الهزيمة، أبى فخري باشا إلا أن يرتكب جريمة جديدة في حق المدينة المنورة، تعلقت هذه المرة بكنوزها الأثرية. فقد عمد الباشا إلى الاستيلاء على كامل مقتنيات حجرة الأمانات النبوية الشريفة، وأمر بنقلها إلى إسطنبول. وهذه المقتنيات هي نفسها التي يرفض الأتراك حتى اليوم إعادتها إلى المدينة المنورة بحجة أنها حق تاريخي لهم. 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع