فخر الدين المعني مؤسس لبنان الحديث (1)..أراد تخليص العرب من الأتراك فنفوه

الأمير فخر الدين المعني الكبير

الأمير فخر الدين المعني الكبير

كتب: خالد أبو هريرة

هذه حكاية الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير (1572 - 1635)، مؤسس لبنان الحديث، والذي قاد أول ثورة عربية واسعة في بلاد الشام ضد الوجود العثماني، فكانت عاقبته =النفي عن الأوطان أولا، ثم الإعدام أخيرا فوق مشنقة الأتراك. 

ولد فخر الدين المعني، واسمه بالكامل فخر الدين في العام 1572 . قُتل والده الأمير قرقماز، على يد والي مصر إبراهيم باشا، عام 1584، بعد أن اتهمه أمير طرابلس وعكار يوسف سيفا، وأمير البقاع ابن فريخ، بحادثة سرقة قافلة تحمل خراج مصر وفلسطين إلى إسطنبول، بالقرب من جون عكار، ولاقت هذه التهمة قبولاً لدى الباب العالي، على الرغم من عدم صحتها. 

عند وفاة قرقماز، لم يكن فخر الدين قد جاوز الثانية عشرة من عمره، وفي ذلك الوقت أراد إبراهيم باشا أن يسلم حكم الشوف إلى أحد الزعماء، ولكن الأمير سيف الدين التنوخي، خال فخر الدين، استطاع بهداياه أن يسترضي إبراهيم باشا، وأن يُقنعه بجعل الشوف إقطاعا له، أي لسيف الدين. وهكذا ناب سيف الدين التنوخي عن فخر الدين في حكم الشوف حتى بلغ سن الرشد وزال عنه خطر العثمانيين. 

عاش فخر الدين في رعاية خاله بعيداً عن عيون أعداء والده، وكان يتلقى دراسته، ويتدرب على طرق الحكم، ويطلع على أوضاع البلاد وميول الناس ويتعرف عن كثب على كل ما ينبغي له أن يعرف. وعندما بلغ فخر الدين الثامنة عشرة من عمره، كان حقد العثمانيين قد خف، وكان والي دمشق قد تغير، فتسلّم زمام الحكم من خاله، وتولى إمارة أبيه وأجداده عام 1590. وكان لوالدته "نسب"، فضل كبير في إعداد الأمير الشاب.

وجد الأمير الشاب نفسه وسط أمراء متعددين، يحكم كل منهم مقاطعته على هواه. ورأى أن أقوى هؤلاء الإقطاعيين هما يوسف سيفا في طرابلس، ومنصور بن فريخ في البقاع، وقد تحالفا لابتلاع مقاطعات الزعماء الذين يُجاورونهما. فما كان من فخر الدين إلا أن جمع أشتات العرب الشوام في حلف قوي يمكنه أن يقف في وجه ابن سيفا، وابن فريخ. ومن هؤلاء الحلفاء آل شهاب أمراء وادي التيم، وآل حرفوش أمراء بعلبك. كما جذب إلى صفه بعض مشايخ العرب في حوران، وعجلون في شرقي الأردن.

بعد أن أتم تلك التحالفات، رأى فخر الدين أن يُزيح ابن فريخ من طريقه أولاً، فاغتنم مرور مراد باشا القبوجي بصيدا، في طريقه إلى دمشق لتسلم منصبه والياً جديداً عليها، وتوجّه للترحيب به وقدم إليه الهدايا، فاطمأن الوالي للأمير المعني واستمع إلى رأيه في ابن فريخ وسوء سياسته. ولم يلبث مراد باشا أن استدرج منصور بن فريخ إلى دمشق وقبض عليه وقتله، وكان هذا عام 1593. وعندما حاول ابنه أن يحل محله، أوعز مراد باشا إلى الأمير فخر الدين بأن يُهاجمه، فهاجمه وقضى عليه. وبذلك انتقلت أراضي بني فريخ إلى بني حرفوش حلفاء فخر الدين.

ولما رأى فخر الدين أنه اكتسب صداقة مراد باشا القبوجي، والي الشام، رغب إليه أن يُقطعه سنجق بيروت، وكان تابعا لابن سيفا، وسنجق صيدا، وكان العثمانيون قد انتزعوه من المعنيين إثر حادثة القافلة العثمانية في جون عكار عام 1584، فوافق مراد باشا على طلب فخر الدين، لتعود بذلك صيدا إلى ظل المعنيين بعد تسع سنوات من انتزاعها منهم، واتخذها فخر الدين مقراً له.

كان ضم بيروت لإمارة فخر الدين تحدياً شديداً لوالي طرابلس يوسف سيفا، الذي كانت بيروت تابعة له من قبل. فظل يترقب الفرص حتى أقصى مراد باشا القبوجي عن ولاية دمشق، وحاول ا استرجاع بيروت، ولكن فخر الدين وحلفاؤه الشهابيين وبني حرفوش باغتوه في ممر نهر الكلب وهزموا جيشه وطاردوه حتى كسروان والفتوح واحتلوهما عام 1598. 

بعدها انصرف فخر الدين إلى إمارته الشمالية، انصرف إلى التوسع جنوباً، فضمّ عام 1600 سنجق صفد، وكان يشمل قسما كبيرا من شمال فلسطين. ثم عاد إلى الشمال ليواجه ابن سيفا من جديد، والذي كان قد هاجم قرى آل حرفوش حلفاء فخر الدين، وأحرق قرى بعلبك وسلبها. عندئذ عزم فخر الدين على أن يؤدب خصمه، فتوجه إليه بجيش كبير كان قد أعاد تنظيمه، وعززه بالرجال والسلاح، فاشتبكت قوى الفريقين في عام 1605، في معركة شديدة انتهت بانهزام ابن سيفا واستعادة فخر الدين لكسروان والفتوح وبيروت. ولكي يُحافظ فخر الدين على مكاسبه الجديدة، أخذ يغمر والي دمشق التركي بالهدايا، فاعترف الوالي بإمارة فخر الدين على المناطق التي استولى عليها.

ولكن بالرغم من انتصار فخر الدين، فإن ابن سيفا ظل يسيطر على مقاطعات لبنان الشمالي وسوريا الوسطى، من جبيل إلى اللاذقية. ولما كان فخر الدين لا يستطيع وحده أن يتخلص من هذا الخصم الذي وقف في طريقه وفي وجه توسيع إمارته، فقد عقد محالفة مع الزعيم الكردي علي باشا جانبولاد الذي كان واليا على حلب من قبل العثمانيين ثم احتفظ بها لنفسه وثار على دولته التي كانت مشغولة في حروب البلقان وبلاد فارس. وكتب يوسف سيفا إلى الدولة العثمانية يطلب إليها أن تجعله أميرا على سوريا كلها، وهو يتعهد لقاء ذلك بالقضاء على علي جانبولاد والي حلب الثائر. فوافقت الدولة العثمانية على ذلك.

توجه يوسف سيفا بجيشه لمحاربة جانبولاد، فالتقى الفريقان في سهول حمص، وأسرع فخر الدين وحلفاؤه الشهابيون والحرافشة إلى نصرة حليفهم، فاحتلوا طرابلس وسدوا الطريق على ابن سيفا، الذي كان قد عاد منهزما من معركته مع جانبولاد. فلما وجد بلاده قد احتُلّت، أبحر إلى قبرص، ومن هناك، توجه إلى غزة، فدمشق آملا أن يُعد جيشاً جديداً. ولكن علي باشا جانبولاد والأمير فخر الدين لحقا به إلى دمشق وحاصراها، فهرب ابن سيفا منها ولجأ إلى حصن الأكراد، فتعقبه علي جانبولاد وحده بعد أن رجع فخر الدين إلى مقر إمارته. حاصر جانبولاد حصن الأكراد، فاضطر ابن سيفا إلى استرضائه، فقدم له الهدايا وصالحه، ليتفرغ لمواجهة العثمانيين. ووافق فخر الدين على هذا الصلح، وتمت بينه وبين آل سيفا مصاهرة، فقد تزوج فخر الدين ابنة شقيقة يوسف سيفا.

ولم تلبث الدولة العثمانية أن عقدت هدنة في البلقان وهدنة في بلاد فارس، وفرغت لشؤون سوريا، فوجهت جيشا بقيادة الوزير مراد باشا القبوجي الذي كان والياً على الشام لقتال جانبولاد. ولما شعر جانبولاد بضعفه، فرّ من حلب، فدخلها مراد باشا وأنهى بذلك ثورة جانبولاد على الدولة. كان الوزير يريد محاربة فخر الدين، ولكن فخر الدين الذي سبق له أن تعامل مع مراد باشا، كان يعرف مواطن ضعفه، فبعث له بهدية مالية ذهبية مغرية، حملها إليه ابنه الفتى علي، وبرفقة مستشار الأمير، الحاج كيوان بن عبد الله. وسرّ الوزير بالهدية، وسكت عن فخر الدين، وجدد له ولايته على صيدا وبيروت وكسروان عام 1607.

بهذه الصورة، استطاع فخر الدين أن يوطد أركان دولته. ولكنه رأى أن الاستقلال الحقيقي للبنان عن العثمانيين لن يتم سوى بمساعدة دولة قوية، لم يلبث أن وجدها في دوقية توسكانا، وأميرها فرديناندو دي مديتشي. 

كان فرديناندو يرغب في توثيق روابط تجارته بالشرق. وكان التجار التوسكانيون منذ سنة 1602 يحاولون الإقامة في طرابلس، ولكن سوء سياسة ابن سيفا ومزاحمة تجار البندقية للتوسكانيين أرغمهم على الانسحاب منها. وكان فرديناندو قد اتصل بوالي حلب علي جانبولاد وعقد معه معاهدة تجارية حربية، ولكن انهزام جانبولاد أمام الجيش العثماني لم يتح لهذه المعاهدة أن تُنفذ.

أوفد فرديناندو الأول، سنة 1608، بعثة إلى الأمير فخر الدين برئاسة سفيره "هيبوليت ليونشيتي" تحمل إليه ألف بندقية. وبعد أن استقبل فخر الدين البعثة في قصره في صيدا، تمّ الاتفاق بين الفريقين على التعاون ضد الدولة العثمانية. واشترط فخر الدين في هذه المعاهدة ما يأتي: أن يضع فرديناندو الأول تحت تصرف فخر الدين خبراء في صب المدافع. وأن يفتدي فرديناندو الأسرى التوسكانيين الثلاثة، من مراد باشا، الصدر الأعظم، وهؤلاء الأسرى كانوا قد حصّنوا بعض قلاع فخر الدين، وبقاؤهم لدى الدولة العثمانية يُشكل خطرا على فخر الدين لأنهم كانوا يعرفون أسرار حصونه. وأن يستحصل فرديناندو الأول من البابا على براءة يأمر فيها مسيحيي لبنان أن يقفوا مع فخر الدين في الحروب القادمة ضد العثمانيين. وأن يضع فرديناندو الأول تحت تصرف فخر الدين في ميناء صيدا مركبين، ليستخدمهما الأمير في تبادل الرسائل والوفود بينهما، ونقل أمواله إلى توسكانا إذا اضطر إلى ذلك.

لبّى فرديناندو الأول مطالب فخر الدين بارتياح: فشرعت المراكب التوسكانية ترسو في مينائي صيدا وصور، حاملة إلى الأمير البنادق والمدافع، ثم كانت تبحر عائدة بالحرير والزيت والصابون. أما الأمير فخر الدين فقد بدأ بإعداد جيش كبير، ليكون على استعداد لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه مع دوق توسكانا. وبعد شهور قليلة من توقيع المحالفة، مات فرديناندو فخلفه ابنه قزما الثاني الذي أعلن التزامه بسياسة أبيه تجاه فخر الدين، فأرسل إلى الأمير أسطولا محملا بالعتاد الحربي، من بنادق ومدافع ومتفجرات وغيرها.

وفي سنة 1611 أوفد الأمير فخر الدين المطران جرجس بن مارون إلى قزما الثاني وإلى البابا بولس الخامس، لتجديد معاهدة التحالف مع كل منهما. ولكي لا تثير علاقات فخر الدين بتوسكانة قلق الدولة العثمانية، فإنه كان يواصل دفع الضرائب المطلوبة منه في مواعيدها بل قبل مواعيدها أحيانا.ولكن هذه العلاقات لم تبق سرّا..فما لبثت الدولة العثمانية أن اطلعت على تفاصيلها، من جواسيسها، ومن بعض التجار الأوروبيين، ثم تأكدت منها بعد تكاثر المراكب التوسكانية في مينائيّ صيدا وصور. 

قلقت الدولة العثمانية من نشاط الأمير فخر الدين، وقررت أن تضع حدا لمطامحه. وكان آل سيفا من ناحيتهم، لا يستقرون على حال وهم يرون نفوذ الأمير المعني يتسع وعلاقاته تمتد إلى الخارج، فاتصلوا بحافظ أحمد باشا، والي دمشق الجديد، وأوغروا صدره عليه، بسبب سياسته المعادية للسلطان ولاتصاله بالدول الأوروبية، التي ترسو سفنها في صيدا وصور من غير استئذان الباب العالي

ولمّا حذّر حافظ باشا فخر الدين من استمراره في التعاون مع الدول الأوروبية، نشأت بينهما خصومة عنيفة، فلجأ الحافظ إلى إغاظة فخر الدين بأن عزل شيخيّ سنجقيّ حوران وعجلون، وهما من أنصار فخر الدين. ولكن فخر الدين أعادهما إلى منصبهما عنوة، من خلال حملة قوامها ثلاثة آلاف رجل من الفرسان والمشاة قادها ابنه الأمير علي. غضب حافظ لهذا التحدي، وعزم على البطش بفخر الدين، ووافق نصوح باشا الصدر الأعظم على خطة والي دمشق، وأمده بجيش برّي، يدعمه الأسطول العثماني من البحر، وكذلك وافق 14 من الباشاوات الأخرى على هذا الأمر.

حاول الوسطاء من آل شهاب وبني حرفوش أن يصلحوا بين الأمير والباشا، فلم يفلحوا. وحاول الأمير أن يسترضي الوالي فأرسل إليه وفدا من أعيان صيدا وبيروت ومعهم رسالة وديّة من الأمير، ومبلغ من المال. ولكن الحافظ ردّهم ردّا قاسيا. وكان الأمير فخر الدين قد بدأ بتحصين كثير من القلاع وتزويدها بالجنود استعدادا لمثل هذا اليوم. غير أنه لم يكن يتوقع أن يأتي ذلك اليوم بسرعة. 

زحفت جيوش حافظ لاشا من دمشق ومعها رجال حسين سيفا، ابن يوسف سيفا، نحو أراضي الأمير المعني. واستطاع حافظ أن يسيطر على الموقف، وبدأ الجنود الإنكشارية يعتدون على القرى والحقول. وكان فخر الدين خلال ذلك، ينتقل مع جنوده من حصن إلى حصن، من غير أن يتمكن حافظ باشا من التغلب عليه.وأقبل الأسطول العثماني يفرض حصارا على المرافئ اللبنانية، ليمنع الإمدادات من الوصول إلى الأمير. وبدأ البحارة العثمانيون ينزلون إلى البر ويعتدون على أراضي الإمارة. 

عندئذ دعا الأمير فخر الدين أنصاره إلى اجتماع يُعقد في الدامور، فلبّى دعوته الأمراء المعنيون، والتنوخيون، ومشايخ المقاطعات، وآل الخازن، وطلب إليهم أن يجددوا قواهم لقتال حافظ باشا، ولكن ما وصفوه من الأهوال التي نزلت بأتباعهم وممتلكاتهم، دفعه أن يقرر مغادرة البلاد، ويترك لابنه عليّ زمام الحكم، على أن يُعاونه عمه الأمير يونس، شقيق فخر الدين الأصغر. ومن صيدا أبحر الأمير فخر الدين، في سبتمبر 1613، على ثلاثة مراكب، اثنان منها فرنسيان، والثالث هولندي، ترافقه حاشيته المؤلفة من زوجته "خاصكية"، ومستشاره الحاج كيوان بن عبد الله، ومن نحو خمسين رجلا، بعد أن اغتنم فرصة انشغال الأسطول العثماني بملاحقة الأسطول الإسباني الذي أسر سبعة مراكب عثمانية. 

تابع الأمير علي بن فخر الدين، وعمه يونس، مقاومة حافظ باشا، بما لديهما من الحصون والرجال، وقد أنهكت هذه الحصون الباشا وجنوده، واستعصت عليهم: فقد حاصر قلعة الشقيف 84 يوما وأصرّ على احتلالها متوهما أن أموال الأمير مودعة فيها، ثم تراجع عنها يائسا بعد أن صمدت حاميتها فيها. وحاصر الحافظ أيضا قلعة بانياس من غير جدوى. وعندئذ اشتد غيظه، فسكت عن رجاله وهم يتلفون الزرع ويحرقون القرى ويسفكون دماء الأبرياء، فتعرضت البلاد لمجزرة رهيبة، ضرب بها المثل فقيل "سنة الحافظ".

 ولما رأى أنصار الأمير فخر الدين ما حلّ بالبلاد، فكروا في إرضاء حافظ باشا، فتوجهت إليه السيدة نسب والدة الأمير، وقد بلغت السبعين من العمر، وعرضت عليه ثلاثمائة ألف قرش، لقاء انسحابه من البلاد. رضي الباشا بهذا العرض، فسلمته السيدة نسب مائة وخمسين ألفا، ودفع الأهالي مئة وثلاثين ألفا، وبقي من المبلغ عشرون ألفا، فصحب الباشا السيدة نسب معه رهينة إلى دمشق ريثما يسدد رجال الأمير المبلغ الباقي.

توجهت مراكب فخر الدين إلى دوقية توسكانا الواقعة في القسم الشمالي من شبه الجزيرة الإيطالية، فدخلت ميناء ليفورنو في أكتوبر 1613. وبعد أن مكث فخر الدين في ليفورنو أسبوعا توجه إلى فلورنسا عاصمة توسكانا، فاستقبله قزما الثاني استقبالا حافلا شهده الأمراء والأعيان، ثم أنزله وحاشيته في "القصر العتيق". طلب الأمير إلى قزما الثاني قوة عسكرية يستعيد بها بلاده من أيدي العثمانيين، فكان جواب كوزيمو الثاني أن أوفد بعثة من الخبراء إلى لبنان ليستطلعوا أخباره، قبل أن يتخذ موقفا محددا من طلب الأمير. ولما عادت السفينة التي تحمل الخبراء إلى توسكانا في أبريل 1614 حملت معها عددا من رجال الأمير. وقدمت البعثة تقريرها إلى قزما الثاني وأنبأته بمحبة الناس لفخر الدين، وقوة حصونه، فزاد ذلك من إكرام قزما الثاني للأمير واهتمامه بمطالبه.

أما رجال الأمير الذين جاؤوا مع بعثة الخبراء فقد طالبوه بأن يعود إليهم، معلنين ندمهم على خذلانهم له، وأبدوا استعدادهم للدفاع عن بلادهم تحت رايته. وكان الأمير يفاوض قزما الثاني على ضرورة تجهيز حملة تشترك فيها أكثر الدول الأوروبية ليُكتب لها النجاح. ولكن قزما الثاني كان يُفضل أن يقوم بهذه الحملة العسكرية منفردا، ما دامت الدول الأوروبية متنازعة فيما بينها، وغير متحمسة لتحقيق رغبات الأمير. عندئذ يئس الأمير فخر الدين من المساعدة الحربيّة الفعّآلة، وشعر بفتور حماسة قزما الثاني نحوه، فأرسل مستشاره الحاج كيوان بن عبد الله إلى لبنان ليعقد صلحا مع الدولة العثمانية، مؤجلا تحقيق آماله إلى فرصة قادمة.

وكانت الدولة العثمانية قلقة من وجود فخر الدين في توسكانا، ومن اتصاله بسفراء الدول الأوروبية المعادية للعثمانيين. من أجل ذلك، لم يكد دوق توسكانا يوفد رسولا إلى نصوح باشا، الصدر الأعظم، في إسطنبول، ليفاوضه في العفو عن فخر الدين، حتى أبدى نصوح باشا استعداد السلطان لأن يعفو عنه، شرط أن لا يعود إلى لبنان، بل يعود إلى إسطنبول فيجعله حاكما على إحدى ولايات بلاد اليونان. ولم يثق فخر الدين بهذا العرض؛ ولو وثق به فإنه لم يكن مستعدا لقبوله.وتحسن الجو بين الدولة العثمانية وبين المعنيين، فقد قُتل نصوح باشا بأمر من السلطان، وعُزل الحافظ عن ولاية دمشق، وكلاهما كان عدوّا لفخر الدين، وتولى ولاية دمشق محمد جركس باشا سنة 1615. وكانت بينه وبين فخر الدين مودة، فأطلق سراح السيدة نسب من سجن دمشق وسلّمها "فرمان" العفو أو "براءة العفو" عن فخر الدين. وهذا الفرمان يُخوله العودة إلى بلاده ومنصبه.

أرسلت السيدة نسب براءة العفو إلى فخر الدين في توسكانا، ولكن الأمير كان قد غادرها إلى صقلية، ولو وصل إليه نبأ العفو عنه وهو في توسكانا لعاد إلى لبنان فورا، ولكن لجوءه إلى صقلية، وكانت تابعة لملك إسبانيا، عدوة الدولة العثمانية، اضطرّ فخر الدين إلى البقاء ثلاث سنوات أخرى في المنفى.كانت الأساطيل الإسبانية تقلق الدولة العثمانية بنشاطها المريب في البحر المتوسط، واعتداءاتها على السفن التجارية والحربية العثمانية. فقررت الدولة العثمانية أن تهاجم سواحل صقلية ردا على هذه الاعتداءات. فلمّا وجه الدوق دسّونا نائب ملك إسبانيا في صقلية، دعوة إلى الأمير فخر الدين يستضيفه لديه، كان يرمي من ذلك إلى إيهام الدولة العثمانية أنه يُعد، مع فخر الدين، حملة عسكرية على شواطئ لبنان وفلسطين، فتضطر الدولة العثمانية إلى تحويل أسطولها عن سواحل صقلية إلى سواحل لبنان وفلسطين لمنع الخطر الموهوم. لبّى فخر الدين دعوة الدوق دسّونا، وانتقل من توسكانا إلى صقلية في أغسطس 1615. وفي صقلية عاوده الحنين إلى وطنه، فأعد له الدوق دسّونا بضع سفن أقلته إلى صيدا حيث قابله أهله وأنصاره، ثم عاد مسرعا قبل أن ينتشر نبأ زيارته. وفي طريق عودته عرّج على جزيرة مالطة حيث أعد له فرسانها استقبالا حافلا. 

ولمّا وصل إلى مسينا عاصمة صقلية، كان الدوق دسّونا قد نُقل إلى نابولي، فدعاه إلى مرافقته، فانتقل فخر الدين معه إليها. وحاول الدوق دسّونا أن يستميل فخر الدين إلى التعاون مع إسبانيا، وتسليمها صور وصيدا، ولكن الأمير كان يتخلص بلباقة ومرونة. وأخيرا عزم على العودة إلى وطنه، فأطلع الدوق على رسالة وردته من والدته السيدة نسب تحثه فيها على العودة. وكان ملك إسبانيا قد عرض على فخر الدين البقاء في إسبانيا وحكم مقاطعات أسبانية، ولكن فخر الدين ردّ عليه قائلا: "لم آت لحكم ولا لملك، إنما أتيت لحماية لبنان". وهكذا بدأ فخر الدين رحلة عودته إلى لبنان حيث المواجهة الحاسمة مع العثمانيين.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع