سليم الأول «2».. ذبح 40 ألفًا من الصفويين بإيران قبل زحفه إلى الشام ومصر

معركة جالديران

معركة جالديران

كتب: خالد أبو هريرة

لم تكد الأمور تستقر لسليم الأول في إسطنبول، بتخلصه من إخوته وأبيه، حتى بدأ مغامرة عسكرية طويلة غرضها غزو الشرق الأوسط، لم تنته إلا بالانتصار على الصفويين في إيران، ثم ابتلاع سلطنة المماليك في مصر والشام. 

كانت البداية من الجبهة الشرقية حيث الصفويين. ظهرت السلالة الصفويّة الشيعية في إيران على يد الشاه "إسماعيل الأوّل بن حيدر الصفوي" عام 1499، واستطاعت بزعامته أن تهدد بالخطر إمبراطورية العثمانيين، حيث كان إسماعيل قد وسّع من نفوذه وضمّ إلى ملكه عددًا من البلدان، فكان قد فتح ولاية شيروان، وجعل مركزه مدينة تبريز سنة 1501، وبعدها فتح العراق العربي وبلاد خراسان وديار بكر سنة 1508، وأرسل أحد قوّاده فاحتل مدينة بغداد. وفي سنة 1510 كان قد ضمّ إلى أملاكه كل بلاد فارس وأذربيجان، وبذلك امتدت مملكته من الخليج العربي إلى بحر قزوين، ومن منابع الفرات إلى ما وراء نهر جيحون.

وكان إسماعيل قد فرض المذهب الشيعي الإثنى عشري على شعبه، وأعلنه مذهبًا رسميًا للدولة في إيران، وكانت ردود الفعل عنيفة خاصة وأن كثيرًا من سكان المدن الرئيسية في إيران مثل تبريز كانوا سنّة. فاستمال قبائل القزلباش التركية علوية المذهب إلى جانبه وجعلهم عماد جيشه، وهي كانت بالأساس متذمرة من التدابير المالية والإدارية العثمانية، بل وهيأت السبيل لحدوث اضطرابات كبيرة في الأناضول، مما جعله يعتمد عليهم بالقضاء على جميع معارضيه، وفرض المذهب الشيعي بالقوة، فقضى على دولة الخروف الأبيض "آق قويونلو" والتي كانت تشكل حاجزًا بينه وبين العثمانيين. 

وعندما احتل الشاه بغداد عام 1508، هدم ما كان فيها من قبور أئمة سنة وذبح جماعة من علمائهم، فسرت شائعة في البلاد التركية بأن مذبحة عظيمة أصابت السنة ببغداد على يد الصفويين. وفي الوقت نفسه اتسمت العلاقات بين الصفويين والعثمانيين بالفتور، فبعد أن تسلّم السلطان سليم الحكم لم يصله سفير من إيران كما باقي الدول، فأدرك الجميع في هذا الوقت بالذات أن الحرب ستقع بين سليم وخصمه الشاه إسماعيل. وكان سليم الأول ينظر بعين الارتياب إلى تحركات الصفويين، وعزم على مهاجمة خصمه الصفوي وتسديد ضربة قوية قبل أن يستعد للنزال.

لتنفيذ تلك الضربة، عقد السلطان العثماني الصلح مع جيرانه الأوروبيين لا سيما في المجر، ثم سعى لخلق أي سبب للحرب، فأمر بحصر عدد الشيعة المنتشرين في الولايات المتاخمة لبلاد فارس بشرق الأناضول وقتلهم جميعًا، ويُقال إن عددهم كان يبلغ نحو الأربعين ألفًا من القزلباش.

عندئذ هبّ الشاه إسماعيل للحرب، وهاجم آسيا الصغرى، فجمع سليم رجال الحرب والعلماء والوزراء في مدينة أدرنة بتاريخ 16 مارس سنة 1514م، وذكر لهم خطورة إسماعيل الصفوي في إيران، ولم يجد صعوبة في إقناع الحاضرين بضرورة محاربة الصفويين، وخرج بعد 3 أيام من هذا الاجتماع على رأس جيش كبير من أدرنة إلى القسطنطينية متجهًا إلى الأناضول الشرقي فتبريز، بعد أن أوكل أمر العاصمة لابنه سليمان. وفي أثناء مسيره، تبادل السلطان سليم والشاه إسماعيل رسائل مفعمة بالسباب مرفقة بعدد من الأغراض هدف كل منهما إلى التأثير على الآخر من خلالها.

ولم يُبد إسماعيل الصفوي حماسًا للمعركة بسبب التفوق العددي للعثمانيين، وحاول أن يتجنب ملاقاة سليم فأرسل إليه بطلب الهدنة وتجديد علاقات السلم والصداقة بين الدولتين، فلم يقبل سليم وقتل الرسول وأرسل إليه برسالة إعلان الحرب بشكل رسمي يقول فيها وباللغة التركية: «إن كنت رجلاً فلاقني في الميدان، ولن نمل انتظارك». وأرفقها بمجموعة من الألبسة النسائية والعطور وأدوات الزينة وذلك استهزاءً بشخص الشاه لتهربه وتقاعسه عن المسير إليه، وكان الشاه عازمًا على سحب العثمانيين إلى الجبال الإيرانية حيث تمكنه طبيعة الأراضي ومشاكل التموين من موازنة القوتين، ولكن ضغط قبائل القزلباش التي أغضبها اتهام العثمانيين لهم بالجبن ومطالبتها له بخوض غمار القتال جعله يقبل تحدي السلطان سليم وواعده بسهل "چالديران" في أذربیجان الغربیة قائلاً له: «وأنا أيضا أعد العدة للحرب».

عسكر الجيش العثماني في صحراء "ياس جمن" على مقربة من سهل چالديران، ووصلت السلطان سليم أنباء من جواسيسه تقول إن الشاه إسماعيل لا ينوي القتال وإنه يؤخره إلى أن يحل الشتاء كي يهلك العثمانيون بردًا وجوعًا فيكونوا لقمةً سائغة للجنود الصفوية. فأسرع السلطان بالمسير إلى چالديران ووصلها في شهر أغسطس من سنة 1514 واحتل المواقع المهمة بها واعتلى الأماكن الهضبية فيها، مما مكنه من السيطرة على مجرى المعركة بعد ذلك.

وفي صبيحة يوم الأربعاء 23 أغسطس سنة 1514، كان الطرفان قد أعدا العدة للحرب واصطفا استعدادًا لبدء المعركة. وما إن أعلنت ساعة البدء حتى هدرت المدافع العثمانية وتعالت أصوات الجند من كلا الفريقين. وبعد معركة حامية الوطيس، انتصر العثمانيون، وانكسر جيش القزلباش وسقط أقوى قادته "محمد خان استاجلو" صريعًا في أرض المعركة ووقع الكثير من قادته بالأسر، وأُسرت أيضا إحدى زوجات الشاه، وتُسمى "تاجلو خانم"، فلم يقبل السلطان أن يردها لزوجها بل زوجها لأحد كتابه تشفيًا بالشاه، وأما الشاه فقد جرح في ذراعه وفر من المعركة متجهًا صوب تبريز بعد أن أنقذه أحد ضباطه ويدعى "الميرزا سلطان علي" من الأسر، مما حدا السلطان بأمر قائده "أحمد باشا دوقاقين أوغلو" بتعقب الشاه، الأمر الذي جعله يترك تبريز ويلوذ بخوي. أما من وقع بالأسر من قوات الشاه إسماعيل، فقد أمر السلطان بإعدامهم جميعًا، وأن يصنع من جماجم القتلى هرم لينصب في ساحة المعركة.

بعد انتصار العثمانيين في معركة چالديران، فتحت مدينة تبريز أبوابها ودخلها السلطان منصورًا في يوم 4 سبتمبر سنة 1514، واستولى على خزائن الشاه وأرسلها إلى القسطنطينية. وبعد أن استراح ثمانية أيام، قام بجنوده وأخلى مدينة تبريز لعدم وجود المؤونة الكافية لجيوشه بها مقتفيًا أثر الشاه إسماعيل، حتى وصل إلى شاطئ نهر أراس، ولم يستطع التقدم أكثر من ذلك، فقد لقي معارضةً شديدة من أمراء جيشه، وكان المحرض الأول لهم قاضي عسكر الانكشارية "جعفر چلبي"، بسبب اشتداد البرد وعدم وجود الملابس والمؤونة اللازمة لهم، خصوصًا بعد أن أحرق جنود القزلباش المنسحبين من المعركة، وبأمر من الشاه إسماعيل، جميع المؤن والأرزاق والمحصولات الزراعية في تبريز وضواحيها، وكذلك أثّرت الغارات الليلية التي كان يشنها جنود القزلباش على القوات العثمانية، ودخولهم تبريز لخطف وقتل الجنود العثمانيين، لذلك قرر السلطان إخلاء المدينة بعد أسبوع فقط من احتلالها ناقلاً معه آلافًا من أبرز تجارها وحرفييها وعلمائها إلى الأستانة.

عاد السلطان سليم إلى مدينة أماسيا بآسيا الصغرى للاستراحة زمن الشتاء والاستعداد للحرب في أوائل الربيع، ومرّ في أثناء عودته من بلاد أرمينيا لكنه لم يفتحها لعدم وجود الوقت الكافي لذلك. وعندما أقبل الربيع، رجع السلطان إلى بلاد فارس ففتح قلعة "كوماش" الشهيرة، وإمارة ذو القدر التركمانية سنة 1515، ثم رجع إلى القسطنطينية تاركًا لقواده مهمة فتح الولايات الفارسية الشرقية. ولمّا وصل السلطان إلى قصره، أمر بقتل عدد عظيم من ضبّاط الإنكشارية الذين كانوا سبب الامتناع عن التقدم في بلاد فارس، وفي مقدمتهم قاضي العسكر "جعفر چلبي" سالف الذكر، خشية من امتداد الفساد وعدم الطاعة في الجيوش. 

وبعد عودة السلطان للقسطنطينية، أسقطت الجيوش العثمانية مدن ماردين وأورفة والرقة والموصل وسنجار وحصن كيفا والعمادية وجزيرة ابن عمر، فخضع بهذا الجزء الأكبر من إقليم كردستان للدولة العثمانية، وأصبح الصفويون وجهًا لوجه مع العثمانيين، فبات من الصعب عليهم التوسع على حساب الأتراك. وأطاعت قبائل الكرد وأعلنت ولاءها للسلطان سليم، ولم يمض وقت طويل حتى انضمت 23 مدينة للحكم العثماني، على الرغم من الاستحكامات العسكرية التي أقامها الصفويون بها، فعقد السلطان مع الأكراد اتفاقية صداقة وتحالف وذلك بفضل جهود الشيخ "إدريس البدليسي"، الذي نصبه السلطان كمفوض للإدارة الأهلية بتلك الأقاليم مكافأة له على ما قدمه من خدمات للسلطنة.. وقد شعر سليم في هذه اللحظة تحديدا، التي استتب له فيها الأناضول، بأن الوقت حان لحرب المماليك جنوبا، هناك في الشام ثم مصر.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع