«كندز ألب» أم «سليمان شاه».. من هو جد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية؟!

صورة متخيلة لعثمان الأول

صورة متخيلة لعثمان الأول

كتب: خالد أبو هريرة

تنسب السلطنة العثمانية إلى الأمير عثمان الأول، مؤسس السلالة التي حكمت أراض ممتدة فوق قارات العالم القديم طيلة 600 عاما كاملة. ولكن هل ما يردده مؤرخو الأتراك، وتابعيهم في العالم العربي من معلومات عن عثمان، تمثل سيرته التاريخية الحقيقية؟!. وهل للإجابة بالنفي مثلا عن السؤال السابق، أهمية كبرى بالنسبة لواقعنا المعاش الآن؟!.

يحاول التقرير التالي الإجابة عن تلك الأسئلة.

من المعلومات الشحيحة التي نملكها اليوم، نعرف أن عثمان الأول وُلد يوم 8 صَفَر 656 هـ/ المُوافق 13 (فبراير) 1258، لأمير تركماني يدعى أرطغرل كان يحكم باسم سلطنة السلاجقة مقاطعة بيثينيا الحدودية الواقعة على خط التماس مع الإمبراطورية البيزنطية. 

هنا تواجهنا المشكلة الرئيسية في تاريخ عثمان الأول. فالدولة التركية تتبنى اليوم وبصورة رسمية، رواية تاريخية تقول عن نسب عثمان مايلي: 

«إن الأمير عثمان الأول، مؤسس الدولة العثمانية، هو ابن أرطغرل بن سليمان شاه. وسليمان ذاك كان رئيسًا لقبيلة قايي، التي دخلت مع غيرها إلى الأناضول عقب انتصار السلطان ألب أرسلان السلجوقي على البيزنطيين في معركة ملاذكرد الشهيرة العام 1071. وقد مات سليمان غرقًا وهو يحاول عبور نهر الفرات بالقرب من قلعة جعبر شمال سورية، ودفن هناك».

هذه الرواية الواردة عند المؤرخ العثماني أحمد جودت باشا، من مؤرخي القرن الـ 19 الميلادي، قام بنقلها عن روايات متأخرة دونها العثمانيون في القرن الـ18 دون تمحيص أو نقد علمي دقيق. ولو أنه فعل أيًّا من ذلك، وعاد إلى المصادر الباكرة للتاريخ العثماني والتي ألفت بين القرنين الرابع عشر والخامس عشر، مثل تاريخ أحمدي، وتاريخ أنوري، وتاريخ سلجوق نامه لـ يازجي أوغلو، وتاريخ شكر الله، وتاريخ إدريس البدليسي وغيرها، لعلم أن أصحاب تلك التواريخ يكتبون نسب الأمير عثمان الأول، مؤسس الدولة العثمانية على ذلك النحو: «عثمان بن أرطغرل بن كندز ألب بن قايا ألب بن كوك ألب بن صارقوق ألب بن قايي ألب». 

ظلت الرواية الخاصة بنسبة عثمان إلى سليمان شاه تلقى قبولا في الدوائر التركية الرسمية. ففي عصر السلطان عبد الحميد الثاني، الذي سارع بإقامة ضريح فوق القبر المزعوم لسليمان شاه أمام قلعة جعبر في الشمال السوري، في محاولة لربط المنطقة تاريخيا بالعثمانيين في مواجهة القوى الأوروبية التي كانت طامعة في احتلال بلاد الشام خلال ذلك الوقت. 

وحتى بعد الإطاحة بـ عبد الحميد الثاني، ظلت رواية سليمان شاه حية دون أن تفقد فاعليتها. فقد اعتنقها المؤرخون من ذوي النزعة القومية داخل جمعية الاتحاد والترقي التي حكمت إسطنبول منذ العام 1908، واعتبروها مثل عبد الحميد وسيلة لشرعنة الوجود التركي في سوريا، واستخدموها داخل هذا السياق كوسيلة دعائية أثناء الحرب العالمية الأولى والتي خاضوها ضد بريطانيا وفرنسا في أماكن مختلفة من الشرق الأوسط، كان على رأسها الشام. 

وبعد هزيمة الأتراك في الحرب العام 1918 وخسارتهم بلاد الشام تبعا لذلك، دخل ضريح سليمان شاه على خط الصراع للمرة الأولى بعد أن أصبح في حوزة الفرنسيين الذين حصلوا على حكم سوريا كمكافأة من حلفائهم البريطانيين.

ففي 20 أكتوبر من العام 1920، وقعت الجمعية الوطنية الكبرى برئاسة مصطفى كمال أتاتورك، اتفاقية أنقرة مع الحكومة الفرنسية لإنهاء الصراع العسكري بين الطرفين في جنوب الأناضول. وفيها، رسمت المادة الثامنة حدودًا جديدة تفصل بين المناطق السورية الخاضعة للنفوذ الفرنسي، وبين حدود الدولة التركية المزمع إنشائها حديثا، وأقرت تلك الحدود على أساس الأغلبية العرقية فيها، وبالتالي أصبح شمال سوريا كله صاحب الأغلبية العربية، وقلعة جعبر ضمنه، جزءا من الانتداب الفرنسي.

ولكن المادة التاسعة من اتفاقية أنقرة رغم ذلك، تطرقت إلى قضية ضريح سليمان شاه الذي أصبح بهذه الصورة خارجا عن الحدود التركية. فضغط أعضاء الجمعية الوطنية على ضرورة استمرار إدارة تركيا له بصفته رمزا للهوية القومية التركية. وكان هذا رغبة من القادة الأتراك في خلق حجة دائمة لوجودهم المستقبلي داخل الشمال السوري، والذين كانوا يشعرون بأنه اقتطع منهم جغرافيا غصبا. ووافقهم الفرنسيون على هذا تواطئا على الرغم من علمهم بأن مسألة نسبة العثمانيين إلى الرفات المدفون أمام قلعة جعبر ليس قطعيا. 

على أي حال، فقد نصت المادة التاسعة من اتفاقية أنقرة على التالي: «قبر سليمان شاه، جد عثمان مؤسس السلالة العثمانلية (المقبرة المعروفة باسم تورك مزاري)، والواقعة في قلعة جعبر يجب أن تظل في ملكية تركيا، التي يمكن لها أن تعين حرسا عليها، كما يمكنها أن ترفع العلم التركي فوقها».

وعندما وقعت معاهدة لوزان في 24 يوليو من العام 1924، أقرت الحدود التركية مع مناطق الانتداب الفرنسي في سورية طبقا لاتفاق أنقرة، وهو ما كان يعني بقاء الضريح داخل الحدود السورية، مع استمرار إشراف الإدارة التركية عليه.

بقي الضريح على حاله حتى 30 مايو 1938، حين أقامت الحكومة التركية وحدة شرطية «جندرمة» حول القبر لحمايته، ثم قامت بزحزحة القبر في العام التالي إلى موضع جديد بجوار نقطة الشرطة. وفي العام 1956، وقع اتفاق بين الطرفين التركي والسوري ينص على احترام الأضرحة التاريخية في البلدين، وكان قبر سليمان شاه هو المقصود بالاتفاق.

وفي العام 1973، طالبت الحكومة السورية نظيرتها في أنقرة بنقل ضريح سليمان من مكانه في قلعة جعبر بسبب سد «طبقة» الذي تبنيه سورية فوق نهر الفرات ويهدد بإغراق المنطقة. وبعد مفاوضات شاقة، نقل الضريح إلى قرية كارا كوزاك الواقعة على الضفة الشرقية من نهر الفرات، على بعد 123 كيلومترا من حلب السورية، و 92 كيلو مترا من شانلي أورفة التركية، وكان المهندس التركي أونال دمير أرسلان من وزارة الأشغال العامة التركية، هو من تولى مهمة بناء الضريح الجديد، وأتمه في 4 شهور.

وخلال السنوات التالية، جرت مياها كثيرة في ميدان البحوث التاريخية، كان من شأنها أن تفجر مفاجأة مدوية في مسألة "جد عثمان الأول". فقد أتت المكتشفات الحديثة من المسكوكات العثمانية، والتي تعود لعصر المؤسس عثمان نفسه، والمكتوب فوقها "عثمان بن كندز ألب"، لتؤكد صحة النسب الذي ذكره القدامى من مؤرخي البلاط العثماني. وليست تلك الرواية الزائفة التي أوردها جودت باشا، وأقام عليها الأتراك ضريحهم المزعوم في سوريا. 

وقد التقط مؤرخ تركي مشهود له بالكفاءة المهنية، هو يلماز أوزتونا تلك المكتشفات ليعيد قراءة أصول العثمانيين، ونسب مؤسس دولتهم. وفي الجزء الأول من كتابه تاريخ الدولة العثمانية، راح يؤكد أن: «قصة جعبر ما زالت قصة لا يمكن القطع بصحتها ومن المحتمل أن تكون برمتها قصة ملفقة».

ثم يعود أوزتونا إلى الروايات العثمانلية الأصلية التي ترفع نسب عثمان الأول إلى كندز ألب، وليس سليمان شاه، ويقول بخصوص القبر الذي تحرسه تركيا منذ عشرينيات القرن الماضي:

«أما بالنسبة للرواية الكلاسيكية التي تقول بغرق سليمان شاه والد أرطغرل بك بحصانه أثناء عبوره الفرات قرب قلعة جعبر، فإنه لا يمكن القطع بها لأن هذا المكان ليس بعيدا عن المكان الذي سقط فيه فاتح الأناضول سليمان شاه بن قتلمش في العام 1086».

وبالتالي، فإن أوزتونا يرجح أن الرفات التي بنى فوقه عبد الحميد الثاني الضريح لأول مرة كان للأمير السلجوقي الكبير «سليمان شاه بن قتلمش»، ابن أخي السلطان ألب أرسلان، وهذا أكثر منطقية، لأن استمرار التعرف على صاحب هوية القبر في قلعة جعبر طوال كل تلك القرون، يدل على أن صاحبه كان رجلا ملء السمع والبصر، لا زعيم قبيلة تركية مغمور لا توجد عنه كلمة واحدة في أي مصدر أو حولية تناولت تاريخ سلاجقة الروم، أو بلاد الشام في العصر السلجوقي.

ويقول أوزتونا عن نسبة آل عثمان إلى سليمان شاه: «والأرجح أن سليمان شاه هو ذكرى باقية من اسم فاتح الأناضول ومؤسس الدولة التركية ومن اسم أول سلطان لها، وأن التفكير في هذا الاسم قد نشأ ليربط بني سلجوق ببني عثمان، خاصة أن بني عثمان قد ظهروا على مسرح التاريخ مدعين أنهم الخلفاء الشرعيون لبني سلجوق».

رغم هذا كله، فإن أيا من تلك الوثائق المادية، أو التأويلات المنطقية، لم ينجح في إثناء الدولة التركية عن الاستمرار في تبني حكاية سليمان شاه، وبالتالي في مواصلة التحجج بالدفاع عن قبره في كل مرة يلوم المجتمع الدولي أو الإقليمي تركيا على تدخلاتها العسكرية السافرة في شمال سوريا.

وقد وصل الأمر ذروته مع نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي وصل إلى سدة الحكم في أنقرة نوفمبر من العام 2002، وراح يستخدم الآثار المادية للوجود العثماني داخل الأقطار العربية، لشرعنة وجوده العسكري الحديث فيها. وعلى رأس ذلك بالطبع قبر سليمان شاه في سوريا. 

ففي 5 أغسطس من العام 2012، وأثناء الحرب السورية الأهلية، قال أردوغان: «قبر سليمان شاه والأراضي الواقعة حوله ملك لنا. ونحن لن نقبل بأي تصرف غير مقبول ضد الضريح».

وفي 20 مارس 2014، هددت الدولة الإسلامية في العراق والشام بالهجوم على الضريح إذا لم تنسحب القوات التركية من الشمال السوري في غضون 3 أيام، ورغم أن هجوم داعش لم يتم، فإن تركيا زادت عدد الحراس حول الضريح إلى 38 جنديا.

وفي 27 مارس من العام 2014، ظهر تسريب على اليوتيوب _ تم حجبه لاحقا في تركيا _ قيل إنه لاجتماع عقد داخل مكتب وزير الخارجية أحمد داود أوغلو في 13 مارس من نفس العام، حضره كل من سكرتير وزارة الخارجية «فريدون سنيرلي أوغلو»، و «هاكان فيدان» رئيس الاستخبارات التركية MIT. وفي التسريب، يقول داود أوغلو: «رئيس الوزراء (يعني أردوغان) قال إن أي هجوم محتمل على قبر سليمان شاه بمثابة فرصة لنا». فأجاب عليه فيدان: «يمكنني أن أجهز هجوما بالصواريخ على قبر سليمان شاه إذا لزم الأمر».

ومنذ الربع الأخير من العام 2014، بدأت الأحداث على الأرض تبرهن على جدية الخطة التركية الواردة في التسريب. ففي 30 سبتمبر 2014، قال «بولنت أرينتش» نائب رئيس الوزراء التركي: «إن تنظيم الدولة يتقدم باتجاه قبر سليمان شاه».

ثم نشر موقع «يني شفق» المحسوب على النظام التركي خبرًا بدون مصدر يفيد بأن 1100 مقاتل من داعش يحاصرون قبر سليمان شاه. وفي 2 أكتوبر شرع البرلمان التركي قانونا يتيح للجيش التركي استخدام القوة ضد داعش، وهو ما تم تبريره وقتها بأنه بسبب المخاطر الأمنية التي يواجهها الضريح.

والطريف أن هذه الأخبار المزعومة، كان يتوازى معها البدء في عرض المسلسل التركي "قيامة أرطغرل" (عرضت الحلقة الأولى في 10 ديسمبر 2014). وهو مسلسل أنفقت عليه الدولة التركية بسخاء، في سياق الدعاية لنفسها عبر تقديم نسخة بيضاء من التاريخ العثماني إلى المشاهدين، خاصة العرب منهم. ولم ينسى المسلسل في حلقاته الأولى أن يقدم حكاية سليمان شاه، والد أرطغرل، وحكاية وفاته المأساوية غرقا أمام قلعة جعبر. وكأن أيا من الدراسات التاريخية التي سبق ذكرها، والتي تنسب عثمان الأول إلى كندز ألب وليس سليمان شاه، قد وضعت أو ذاعت في الناس. 

على أي حال، ففي بداية العام 2015، أذيعت أنباء جديدة من داخل تركيا ودون مصدر قوي تتحدث عن أن مقاتلي تنظيم الدولة يحاصرون الضريح، وهو ما نتج عنه عملية شاه فرات ليلة 21 فبراير من العام 2015، والتي عبرت فيها كتيبة تركية مكونة من 572 جنديا يستقلون 39 دبابة و57 مركبة، الحدود السورية التركية عبر مدينة كوباني، للقيام بنقل ضريح سليمان شاه، من قرية كاراكوزاك الواقعة على بعد 10 كيلومترات شمال غرب مدينة صرين السورية إلى قرية «أشمة»، وهي قرية أخرى داخل الحدود السورية أيضا ولكنها تخضع للنفوذ التركي منذ اندلاع الحرب الأهلية في دمشق.

والعجيب في العملية إصرار الأتراك على الإبقاء على الرفات داخل الحدود السورية، على الرغم من قدرتهم على نقلها إلى تركيا، دون أن يمنعهم مانع. وهو ما بات برهانا لا لبس فيه على الاستخدام السياسي لرمزية القبر من قبل أردوغان في الأزمة السورية. وقد نقل فعلا عن نائب رئيس الوزراء فكري إيشيك قوله في 7 يونيو 2018: «قبر سليمان شاه ستتم إعادته مرة أخرى إلى مكانه الأساسي في الشمال السوري عندما تصبح الظروف ملائمة».

كما عاد أردوغان في 1 يناير 2019 للتأكيد على أهمية القبر بالنسبة للأتراك، في حديث أجراه عبر الفيديو كونفرانس مع وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، والذي كان يزور قبر سليمان شاه في موضعه الجديد بقرية أشمة خلال ذلك الوقت. 

بعد كل هذا، هل يمكننا مواصلة النظر إلى قضية "جد عثمان الأول" بصفتها قضية متحفية، فقدت حيويتها منذ مئات السنين؟!.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع