لماذا يطمس أردوغان تاريخ العثمانيين الدموي في لبنان؟!

لافتة رافضة للتدخل التركي في لبنان

لافتة رافضة للتدخل التركي في لبنان

كتب: خالد أبو هريرة


كانت آخر مشاهد الاحتلال العثماني للبنان كئيبة ومأساوية.. ففي ساحة البرج (الشهداء حاليا) ببيروت، قام الأتراك بين عامي 1915 و1917 بشنق عشرات المثقفين من القوميين العرب لمطالبتهم بالاستقلال عن إسطنبول. وفي جبل لبنان، فرض على اللبنانيين طوال فترة الحرب العظمى (1914 - 1918) حصار بري ثقيل من قوات الجيش العثماني، أدى إلى إدخالهم في مجاعة غير مسبوقة، أهلكت نحو 200 ألف شخص منهم دفعة واحدة. ومن قدر له البقاء على قيد الحياة عاش يتقوت على لحوم الكلاب والقطط، بل وأحيانا لحم البشر. 

هذا التاريخ الموثق بالصورة الفوتوغرافية، وشهادات الشهود، يحاول اليوم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عبر القوى الناعمة، وسلاح المساعدات الإنسانية، أن يطمسه مستبدلا إياه بتاريخ مزيف، يظهر فيه العثمانيون كأبطال لا مجرمين. وهو يعلم أن نجاحه في ذلك من شأنه أن يسهل من عملية اختراقه للبنان، وحصاد أكبر قدر من المكاسب لأنقرة هناك، على غرار ما فعل في العديد من البلدان العربية خلال السنوات القليلة الفائتة. 

يقدم التقرير التالي عرضا سريعا لأبرز المحطات الدموية للعثمانيين في لبنان، ثم يعرج على بداية العلاقة بين أردوغان واللبنانيين، كاشفا عن خطته لحجز مقعد لتركيا داخل البلد العربي، والتي اشتملت على تقديم الإغاثات الإنسانية كمقدمة إلى النفاذ السياسي والاقتصادي، والتحالف مع جماعات لبنانية لديها القابلية المسبقة لفكرة التعاون مع الأتراك، وكذلك خلق جماعات تحالف جديدة من أفراد الشعب اللبناني، عن طريق تبييض سمعة الأسلاف العثمانيين، ما يمهد النفوس لتقبل فكرة وجود أخلافهم الأتراك المعاصرين في لبنان.  

 

أمير لبنان.. فوق المشنقة

غزا العثمانيون جبل لبنان في عام 1516 على يد السلطان سليم الأول، الذي ترك لأمرائه من المعنيين حكم المنطقة باسم إسطنبول مقابل الضرائب. ولكن عندما زاد عبء تلك الأخيرة في أواخر القرن الـ16، قاد الأمير اللبناني فخر الدين المعني الثاني بمحاولة جدية للاستقلال ببلاده عن حكم العثمانلي. وبعد مد وجزر في حركته، سقط أخيرًا في يد السلطان مراد الرابع الذي أمر بشنقه على باب السراي في إسطنبول عام 1635، لتجهض أولى محاولات لبنان التخلص من الأتراك. 

 

الفتنة الطائفية

وفي منتصف القرن الـ19، ونتيجة لسياسات العثمانيين الرعناء، والامتيازات الأجنبية الممنوحة لأوروبا، تفجر الغضب الطائفي في لبنان، من قلب الإحساس بالظلم الاجتماعي والتمييز على أساس الدين. وعبر سلسلة دامية من المذابح بين المسلمين والدروز من جهة، وبين الموارنة الكاثوليك من جهة أخرى، غذاها الأتراك في دمشق وبيروت عام 1860، وراح ضحيتها آلاف الضحايا، ولدت فتنة طائفية لم تزل تلقي بآثارها المقيتة على حاضر اللبنانيين ومستقبلهم.

 

سنوات الجوع والحصار

مع دخول العثمانيين الحرب العظمى في 29 أكتوبر 1914، كتب على اللبنانيين أن ينالوا نصيبًا ثقيلًا من الويلات التي جرها الأتراك على الشعوب العربية. فقد اقتيد شباب لبنان بالقوة للخدمة في الجيش العثماني، سواء في الأعمال الحربية، أو السخرة، فيما عرف باسم حادث السفربرلك. كما فرض الجيش العثماني الرابع  بقيادة جمال باشا السفاح حصارا بريا خانقا على جبل لبنان لمنع وصول القمح إليه، عقابا على رفض اللبنانيين الحرب في صفوف القوات التركية.

وعبر 4 سنوات مهلكة، مات في جبل لبنان نتيجة الحصار نحو 200 ألف شخص، مثلوا ثلث التعداد السكاني للبنان في ذلك الوقت، وثق موتهم بالصورة الفوتوغرافية المصور إبراهيم كنعان نعوم، كما خلد ذكراهم بالأدب الروائي اللبناني توفيق يوسف عواد في روايته «الرغيف»، التي حكى فيها عن «الرغيف الأسود» اليابس، الذي أجبر الأتراك أهل لبنان على أكله طوال أيام المجاعة.

انتهت مجاعة لبنان في عام 1918، مع فك الحصار عن الجبل على إثر هزيمة الأتراك في الحرب، وطردهم من الشام بأسره. وخلال السنوات التالية، ظلت السنوات العثمانية الأخيرة في لبنان مشكلًا رئيسيًَا للوعي القومي اللبناني بالذات الوطنية. وابتداء من عام 1937، اعتبر يوم 6 مايو، والذي قتل فيه جمال باشا السفاح قائد الجيش العثماني 21 مثقفًا عربيًا في ساحة البرج ببيروت وساحة المرج بدمشق (6 مايو 1916) عيدًا للشهداء، يحتفل فيه لبنان بذكرى كفاحه ضد الأتراك، وضد كل محتل أجنبي.

 

عثمانيون جدد 

ولكن ظهور العثمنة الجديدة على يد رجب طيب أردوغان، كتب فصلًا جديدًا في العلاقات التركية اللبنانية. فالأخير وضع منذ وصل إلى سدة الحكم في أنقرة العام 2003، خطة متمهلة لاختراق المجتمعات العربية التي حكمها العثمانيون حتى قبل مائة عام. تبدأ من الدعاية البيضاء للأجداد العثمانيين عبر الوسائل الناعمة مثل الأعمال الدرامية المتلفزة، والمراكز الثقافية التركية داخل عواصم العرب، ثم تنتقل إلى المساعدات الإنسانية وأعمال الإغاثة، وتنتهي بالتمكين السياسي والاقتصادي للأتراك، بل والعسكري في بعض الأحيان. 

بالنسبة للبنان، فقد بدأت علاقته بتركيا في عام 2006، مع دخول القوات التركية إليه ضمن قوات اليونيفيل التي تواجدت على إثر الحرب اللبنانية الإسرائيلية. في هذا الوقت، وجّه أردوغان وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) بالتركيز على العمل الإنساني في لبنان كمدخل لأنقرة إلى الأخير. وكان تركيز تيكا منصبا على المدن والقرى اللبنانية التي يقطنها لبنانيون من أصل تركماني. وتم تأسيس مكاتب للوكالة - لتحقيق ذلك الغرض - في كل من طرابلس وعكار والبقاع وصيدا. كما أقامت اتصالات مباشرة مع ما يسمى بممثلي قبائل الترك في شمال لبنان.

وإتمامًا لتلك السياسة التي تقوم على المقاربة العرقية، فإن أردوغان عندما زار لبنان للمرة الأولى في أواخر أكتوبر 2010، اختار أن يبدأ جولته، جنباً إلى جنب مع رئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري، ببلدة الكواشرة العكاريّة ذات الأغلبية التركمانية. وأعلن بعدها عن تأسيس العديد من المشاريع الحيوية في بلدتي الكواشرة وعيدمون، كما في عدد من البلدات العكارية ذات الصبغة التركمانية.

إضافة إلى هذا، استغل أردوغان التشارك الأيديولوجي بين حزبه وبن فرع جماعة الإخوان المسلمين في لبنان، على غرار ما فعل في كل بلدان العالم العربي تقريبا، لخلق حليف آخر له داخل لبنان. هذا على الرغم من ضعف الإخوان في لبنان أمام بقية الفصائل السياسية الأخرى. ولكنه ضعف لن يلبث أن يتغير إن ترك الدعم التركي له دون مراقبة. 

هذه السياسة البطيئة من أنقرة، والتي استغرقت نحو 10 سنوات كاملة، لم تلبث أن أيقظت بقية القوى السياسية اللبنانية على حقيقة أن تركيا أصبحت طرفا خارجيا له داعموه في الواقع  اللبناني. وبدا واضحا أن تركيا، التي تتداخل بكثافة في شأن الجارة الكبيرة للبنان، سوريا، أصبح لها وضعها المميز في الشمال اللبناني حيث الجماعات السنية، مقابل الجنوب حيث الأغلبية الشيعية وحزب الله، وبيروت التي تختلط فيها كل عناصر اللعبة في البلاد. 

وقد ظهر هذا الأمر على أكمل ما يكون أثناء الاحتجاجات الشعبية اللبنانية في العام 2019، إذ اتهم وزير الداخلية اللبناني محمد فهمي تركيا صراحة، بدعم عناصر تخريبية في المظاهرات. كما أشار إلى توقيف السلطات الأمنية اللبنانية، 4 أشخاص كانوا على متن طائرة خاصة تركية ينقلون 4 ملايين دولار، ورجح وقتها أن الهدف من هذا المال إما رغبة من تركيا في التلاعب بسعر الدولار، أو لتغذية تحركات عنفية معينة في الشارع.

بل إن صخب الوجود التركي في لبنان، دفع الرئيس اللبناني ميشال عون في 31 أغسطس 2019، إلى إلقاء كلمة ذكر فيها أفراد الشعب اللبناني، بآلاف الضحايا من أجدادهم، الذين قتلهم العثمانيون بالمجاعة والتجنيد والسخرة. وفي أعقاب تلك الكلمة، اندلعت مظاهرة أمام السفارة التركية في بيروت، للتنديد بتدخلات أنقرة في الشأن اللبناني، علقت في ختامها لافتة كتب فوقها عبارة «وانتوا كمان انضبوا»، وهي عبارة باللكنة المحلية اللبنانية موجهة إلى تركيا، معناها «أنتم أيضًا التزموا حدودكم». 

لكن مظاهرات مقابلة، تدعم الوجود التركي في لبنان، ما لبثت أن انطلقت في شوارع بيروت بين مواطنين لبنانيين آخرين، لم تلبث أن كشفت عن نجاح نظام أردوغان في التحرك من خلال عناصر محلية داخل الشارع اللبناني. بل إنه حتى استطاع أن يبتدع قانونًا جديدًا، يمنع أهل لبنان من مراجعة الأحداث الدامية للعصر العثماني في لبنان، على غرار قانون معاداة السامية المدشن من قبل إسرائيل والصهيونية العالمية. مثلما حدث في قضية الإعلامي اللبناني من أصل أرمني نيشان ، الذي انتقد العثمانيين وأردوغان على الملأ في أحد برامجه، فواجه اعتراضات زاعقة من لبنانيين موالين للأتراك. 

تنبئ هذه التفصيلات كلها، إذا ما أضيفت إلى الواقع الصعب حاليًا في لبنان، عن خطورة استمرار الوجود التركي في الأخير بهذا التجذر. لأن أردوغان اعتاد كما رأينا في الحالة العراقية أو السورية أو اللبنانية، أن يستحوذ سريعًا على نصيبه من كعكة الدول المنهارة، عند التكالب عليها من القوى الدولية والإقليمية، فهل يتنبه اللبنانيون لذلك؟!

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع