هل ينحدر أردوغان من نسل الهنود الحمر؟! «1»

أردوغان - هندي أحمر

أردوغان - هندي أحمر

كتب: خالد أبو هريرة

في عام 1934، بمنطقة بويوكادا في إسطنبول، التقى الصبي صاحب الأربعة عشر ربيعاً «ريها أوغوز توركان» بمؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، مع وفد من طلاب المدارس. وفي اللقاء، سأل توركان، الزعيم التركي، باندهاشٍ، عن زميل له في الفصل ينتمي لأقلية الغاغاوزيا (أقلية تسكن اليوم جمهورية مستقلة بنفس الاسم جنوب أوكرانيا) يتكلم اللغة التركية، رغم أنه لم يولد في تركيا، فضحك مصطفى كمال وراح يبدد اندهاشة الصبي بالقول: «لا تتعجب، فشعب غاغاوزيا تجري في عروقه دماء تركية، مثل معظم شعوب العالم. ولك في المجريين أو الهنود الحمر خير مثال، فهم أيضًا في الأصل أتراك». 

دوت كلمات المؤسس في عقل توركان الصغير، وأحس بقشعريرة تضرب جسده كصاعقة. وكان أكثر ما زاد من إحساسه بالروعة - والعجب في الوقت ذاته - أن قبائل الهنود الحمر، وهم السكان الأصليون لأمريكا الشمالية، يمتلكون في عروقها دماء تركية كتلك التي يتمتع بها الأتراك في الأناضول رغم آلاف الكيلومترات التي تفصل ما بينهم. وآل على نفسه منذ تلك اللحظة، أن يعمق من البحث عن تلك الحقيقة، كي ينشرها في العالمين.

وطوال السنوات التالية، سخر توركان نفسه لتلك المهمة التي رآها مقدسة لأنها تتعلق بوطنه الأم: تركيا، فدرس التاريخ حتى صار أستاذًا في جامعة كولومبيا الأمريكية، وراح يتتبع النظريات القديمة والأدلة الحديثة حول صلات القرابة العرقية بين الجنس التركي وبين الهنود الحمر، حتى نشر نظريته النهائية في كتابه ذائع الصيت بأوساط القوميين الأتراك: «الأمريكيون الأصليون والأتراك - 1999». واستقر فيه على هجرة قبائل الهنود الحمر قبل آلاف السنين من وطن الأتراك الأصلي: أرض طوران بالسهول الإستبسية وسط آسيا إلى الأمريكتين، ثم إدخالهم الحضارة التركية إلى تلك القارات التي كانت خلوًا من البشر، حتى جاء المستعمرون الأوروبيون الأوائل نهاية القرن الـ 15 الميلادي برئاسة المستكشف الشهير كريستوفر كولومبوس. 

مات ريها أوغوز توركان بعد نشره كتابه بأكثر من عقد من الزمان (2010)، وهو قرير العين بنجاحه في إبلاغ الرسالة التي أمضى حياته في البرهنة على صحتها، تلك التي تخص الأصل التركي لمعظم أعراق العالم، وبناء الأتراك الأولين لكل الحضارات الإنسانية القديمة. 

لا شك أن حكاية توركان سوف تثير في نفسك الضحك الآن. ولا شك أيضًا أنك سوف تتساءل في سخرية عن علاقة الأتراك بالهنود الحمر، أو معنى بنائهم للحضارات القديمة. ولكن قبل أن تنهي تلك التساؤلات بقرارك عدم البحث عن إجابة، بما أنها في النهاية أمور عبثية لا معنى لها، فلا بد أن تفهم أن نظرية توركان عن الهنود الحمر والأتراك يتم التعاطي معها على نطاق واسع في تركيا إلى اليوم باعتبارها حقيقة مسلمٌ بها، ولا مجال للعبث حولها، بل وتستخدم حتى كقاعدة لتأسيس علاقات بين الحكومة التركية ومجتمع الهنود الحمر في الولايات المتحدة. وهو ما يستدعي التعامل مع الأمر بمزيد من الجدية، والإجابة عن السؤال الكبير: ما الذي أدى إلى نشوء مثل تلك النظريات في الأساس؟!

 

ضحايا التطرف القومي

يعتبر توركان مع النفر المؤمن بكلامه، ضحايا في الحقيقة للثقافة القومية المتطرفة التي صنعها وأذاعها مصطفى كمال أتاتورك في ثلاثينيات القرن العشرين، بغرض سلخ الشعب التركي عن ماضيه العثماني.  

ساهمت المؤسسات التي أنشأها أتاتورك، خاصة الجمعية التاريخية، ثم معهد اللغة التركي، بالدور الرئيس في خلق تلك الثقافة الجديدة عبر تأسيس نظرياتها الكبرى. فبالنسبة للجمعية التاريخية، وضع المؤرخ التركي صدري مقصودي أرسال  في العام 1931، نظرية تقول بتفوق العرق التركي وبنائه للحضارات الإنسانية الكبرى في الصين والعراق وآسيا الصغرى ومصر، بعد هجرته الملحمية تحت وطأة الجفاف من أواسط آسيا. 

أما معهد اللغة، فقد وضع في عام 1936 نظرية تحمل اسم «لغة الشمس»، وصفت من خلالها اللغة التركية باللغة الأم لكل لغات العالم الحية والميتة، التي ابتدعها الأتراك أول مرة في فجر التاريخ أثناء عبادتهم للشمس.

انتقلت نظريات أرسال ولغة الشمس بأمر أتاتورك من أروقة المؤتمرات إلى صفحات الكتب المدرسية والجامعية، وأصبحت تلقن قسرا باعتبارها حقائق علمية، رغم عدم التصديق عليها أبدا من المجتمع العلمي، للنشء التركي الصغير. وكان هدف مصطفى كمال واضحًا: إنشاء جيل جديد من الأمة التركية ليس في حاجة إلى ماضيه العثماني، ما دام أصبح مكتفيًا بماض جديد يصبح فيه الأصل لكل المنجزات الإنسانية، وصاحب الفضل على أشد شعوب العالم تمدنًا.

 

الهنود الحمر

أما عن الهنود الحمر تحديدًا، فقد كان إدراجهم يسيرًا في شجرة الشعوب التركية، بما أن هجرة الأتراك من أواسط آسيا شملت وفقا لنظرية مقصودي كل أنحاء العالم القديم والجديد. وقيل تحديدًا في حالة الهنود الحمر إنهم قبائل تركية هاجرت إلى أمريكا الشمالية عبر مضيق بيرينغ الذي يفصل آسيا وأمريكا الشمالية خلال العصر الجليدي (بين 20 ألفًا و10000 قبل الميلاد). واستخدمت دراسات قام بها الفقيه اللغوي الفرنسي جورج دوميزيل، حول التشابهات اللغوية بين اللغة التركية ولغات القبائل الهندية في أمريكا، وكذلك التشابه في العادات بين الفريقين مثل الموسيقى وصناعة السجاد اليدوي لتثبيت تلك النظرية أكثر في الأذهان التركية الصغيرة. 

هذا هو الإطار النظري الذي رسم فيه الأصل التركي للهنود الحمر. وكان يمكن أن يظل مقبولًا طالما أبقي عليه من قبل المؤمنين داخل دائرة الفخار القومي، والمنافحة عن الوطن. ولكن أن تتحول تلك النظرية العلمية الزائفة إلى وسيلة في أيدي النظام التركي في عصر رجب طيب أردوغان، إلى وسيلة لاختراق مجتمع الهنود الحمر، واستخدامه كجسر لخلق وجود دائم داخل الولايات المتحدة الأمريكية، فهذا ما يستحق حديثًا مفردًا، وتوقفًا ضروريًا.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع