هل ينحدر أردوغان من نسل الهنود الحمر؟! «2»

أردوغان - هندي أحمر

أردوغان - هندي أحمر

كتب: خالد أبو هريرة

هل تعلم أن النظام التركي برئاسة رجب طيب أردوغان يمتلك خطة لاختراق الولايات المتحدة الأمريكية؟!.. تمهل قليلا قبل الضحك والسخرية، والقول بأن هذا يظل معقولا بالنسبة للدول المنهارة في العالم الثالث، أما أمريكا فمحض خرافة. لأن ما سبق حقيقة وقعت بالفعل، وصعقت وسائل الإعلام الأمريكية في أحد ليالي الصيف الحارة من العام 2012، حتى أصابت بعضهم بالارتباك. 

ففي أواخر يوليو من ذلك العام، قدم النائب الأمريكي توم كول مشروع قانون لمجلس النواب الأمريكي يسمح لتركيا بالحصول على عقود انتفاع بآجال طويلة بالأراضي التي تمتلكها قبائل الهنود الحمر (أو المواطنون الأصليون) عبر الولايات المتحدة الأمريكية. وقال كول في تبريره للمشروع، إن أنقرة لديها اهتمامات عميقة بمجتمع الهنود الحمر، ونوايا صادقة لتطوير بنيته التحتية، وتنمية موارده الاقتصادية. 

رغم ذلك، فقد فشل القانون الذي قدمه النائب الأمريكي في الحصول على الموافقة بعد عجزه عن حصد ثلثي أصوات المجلس. ولكن بقيت تفاصيله في حد ذاتها حدثا فريدا بالنسبة للصحافة الأمريكية، إذ لأول مرة في التاريخ الحديث، تتعرض قوة غربية عظمى لمحاولة اختراق من قبل قوة أقل عبر نافذة الأقليات الإثنية. وهو ما كان منذ القرن الـ19 الميلادي حكرا على القوى الكولونيالية الكبرى، واختراعا صكته الأخيرة باسمها. 

وبعيدا عما تثيره تلك المسألة من مفارقة طريفة، لأن تركيا تحديدا في العصر العثماني، كانت أكثر من تضرر من سياسات الاختراق على أساس إثني على يد الفرنسيين والإنجليز والروس، فإن الصحافة الأمريكية أخذت مشروع توم كول بمزيد من الجدية، وحاولت أن تفهم سبب الاهتمام العميق للأتراك بمجتمع الهنود الحمر. وبالفعل تتبعت سلسلة الأحداث والمؤتمرات الخاصة بالهنود الحمر التي شاركت فيها تركيا بفاعلية، خاصة بعد وصول رجب طيب أردوغان إلى رأس السلطة في أنقرة العام 2003. كما رصدت برامج المنح المالية والدراسية التي قدمها الأتراك بانتظام إلى قبائل الهنود الحمر في نفس الفترة. ولكنها في النهاية، وبعد أن قدمت كل تلك البيانات، لم تنجح في الوصول إلى الإجابة الشافية عن سبب الاهتمام التركي بالهنود الحمر، لأنها خلت جانبا أهم ما في المسألة برمتها، وهو النظرة القومية للأتراك تجاه المواطنين الأصليين لأمريكا، واعتبار الأخيرين جزءًا من الشجرة الكبرى للجنس التركي، وبالتالي يصبح من الواجب على تركيا أن تقدم لهؤلاء يد العون والمساعدة والدعم. 

فمنذ ثلاثينيات القرن العشرين، طور المؤرخون الأتراك، وبأمر من مؤسس الجمهورية مصطفى كمال، نظرية تقول بالأصل التركي للهنود الحمر. وكان من أكبر المنافحين عنها، البروفيسور ريها أغوز توركان الذي ألف في ذلك كتابا كاملا في العام 1999 تحت عنوان "الأمريكيون الأصليون والأتراك". 

ومع فوز رجب طيب أردوغان بمنصب رئاسة الوزراء في تركيا، والدمج بين الإسلاموية والقومية المتطرفة في خطابه السياسي، انتقلت أنقرة لأول مرة بادعاءات الأصل التركي للهنود الحمر من التنظير إلى الفعل.   

ففي عام 2008، قامت الجالية التركية في الولايات المتحدة بعقد مؤتمر في نيويورك لمناقشة انتماء الهنود الحمر إلى العرق التركي. ثم كرروا مؤتمرا بنفس الهدف في إسطنبول العام 2010. وصاحب ذلك دعايات واسعة للمسألة عبر وسائل الإعلام التركية المختلفة وكذلك عبر شاشات السينما، فقد شهد العام 2010 نفسه العرض الأول للفيلم التركي الناجح "ياهشي باتي" أو "الغرب الجميل". وهو فيلم كوميدي ينتمي إلى نوعية أفلام الويسترن، يتحدث عن اثنين من الأتراك العثمانيين يسافران إلى الغرب الأمريكي في نهاية القرن الـ19 ويخوضان فيه مغامرات طريفة واسعة. وفي الفيلم إشارات صريحة إلى الهنود الحمر بصفتهم أتراكًا في الأصل. 

وبدءاً من العام 2011، بدأت تركيا في اتخاذ خطوات جادة لاحتضان مجتمع الهنود الحمر ودمجه في الثقافة القومية التركية، تمامًا كما يفعلون مع بلدان العالم العربي والبلقان التي تحوي إثنيات لها صلة قرابة بالعرق التركي، مثل التركمان في العراق ولبنان وسوريا، أو الكراغلة (وهم إثنية نتجت عن تزاوج الأتراك والنساء المغربيات بالعصر العثماني) في الشمال الأفريقي. 

ففي أكتوبر العام 2011، أشرفت مؤسسة تيكا الإغاثية التركية، مع جامعة إسطنبول التقنية، على زيارة 5 من قادة مجتمع الهنود الحمر لتركيا. وعبر أسبوع كامل، نوقشت أفضل السبل التي يمكن لحكومة أنقرة من خلالها تقديم المساعدات إلى مجتمع الهنود الحمر في الولايات المتحدة، من تطوير البنية التحتية وتقديم التقنيات الحديثة لإدارة المياه والأعمال الإنشائية، إلى برامج المنح الدراسية التي تقدمها الجامعات التركية للطلاب الصغار من الهنود الحمر.

وقد أقيم في نهاية تلك الزيارة معرض للصور الفوتوغرافية في قصر يلدز بإسطنبول تحت عنوان "الأمريكيون الأصليون: ذاكرة التواصل العثمانية"، عرض خلاله صورا لزيارة ممثلين عن 31 قبيلة من قبائل الهنود الحمر إلى إسطنبول في القرن الـ19، وتقديمهم الهدايا للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني.

إضافة إلى ذلك، بدأت تركيا في تعميق اتصالاتها - بنفس الاشتراطات السابقة - بأقلية أمريكية أخرى تعرف باسم "ميلونغيون"، تسكن مرتفعات أبالاشيا جنوب شرقي الولايات المتحدة الأمريكية، ويقول أفرادها بأنهم أحفاد الأتراك الذين جاءوا مع القرصان الإنجليزي الشهير فرانسيس دريك إلى أمريكا الشمالية في القرن الـ16. 

وعلى الرغم من عدم تمرير قانون توم كول الخاص بمنح أراضي الهنود الحمر لتركيا في يوليو 2012، والذي قال لينكولن ماكاردي رئيس الائتلاف التركي في أمريكا إن غرضه "تبادل النشاطات الاقتصادية بين الطرفين"، بينما اعتبره الهندي الأحمر جون بيري رئيس قبيلة كوباو في أوكلاهوما تدشينا لشراكة دائمة مع تركيا، فإن الأتراك لم يبدوا يأسا في إمكانية تأسيس علاقات دائمة مع مجتمع الهنود الحمر. 

ففي نوفمبر 2012، نشرت وكالة الأناضول تقريرًا بعنوان "دراسة تثبت هجرة الهنود الحمر من وسط آسيا"، أعيد خلالها الكلام عن خروج المواطنين الأصليين للولايات المتحدة من جبال ألتاي جنوب صحراء سيبيريا، والتي كانت موطنا تاريخيًّا للعديد من القبائل التركية. 

وفي نوفمبر من العام التالي (2013)، قام رئيس وكالة تيكا، وبحضور السفير التركي في الولايات المتحدة نامق طان، بتسليم وفد من الهنود الحمر المقيمين في ولاية أوريغون الأمريكية شمال غربي أمريكا، مساعدة مالية تقدر بـ200 ألف دولار، قال الطرف التركي إنها مبلغ متواضع مخصص للمشاريع الصغيرة وحفر الآبار في مناطق تجمع القبيلة الهندية. 

هذه المرة، لفت الإصرار التركي على التواصل مع الهنود الحمر بعض الدوائر السياسية الأمريكية التي اعتبرت التصرفات التركية تجاه المواطنين الأصليين، أو تجاه أقلية ميلونغيون محاولة من أنقرة لخدمة أجندة سياسية بعيدة المدى في الولايات المتحدة، تمتلك من خلالها موطئ قدم في الأخيرة عبر المشروعات المنشأة فوق أراضي الهنود الحمر.. وهذه الفكرة رغم ما فيها من سخف ظاهر، وعدم معقولية في التحقق، فإن مسحة الجنون التي يتمتع بها النظام التركي في عصر أردوغان، والتي جعلته يخوض مغامرات واسعة عبر قارات العالم المختلفة، تجعل من الأجدر التوقف مع السياسة التركية تجاه الهنود الحمر والتعاطي معها بمزيد من الجدية.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع