يهود الدونمة «3».. كيف اختطفوا سالونيك من الأتراك؟!

شمسي أفندي من يهود الدونمة

شمسي أفندي من يهود الدونمة

كتب: خالد أبو هريرة 

في العام 1862، ورد إلى الشرطة العثمانية في مدينة سالونيك بلاغًا باختفاء أحد أعضاء طائفة الدونمة، وبعد التحريات اللازمة، اقتحمت قوة تركية بيتًا في الحي الخاص بالطائفة في المدينة، أًبلغ أنه كان المحل الأخير الذي شوهد فيه المبلغ باختفائه. وبعد مواجهة أفراد البيت المذكور بشهادة الشهود، أنكر جميعهم مجيء المذكور إليهم، فأمر الضابط التركي قائد القوة بتفتيش المكان بعناية، ولم يعثر العساكر أولا على شيء، ثم بالصدفة المحضة وجد أحدهم مدخلًا سريًا في إحدى حجرات البيت لسرداب أسفل المنزل، فهبط الضابط فورًا إليه للكشف عن محتواه، وسرعان ما صُعق بعد أن ألفاه أشبه ما يكون بالسجن الصغير، فيه زنزانة بقضبان من حديد، وأمامها طاولة خشبية عريضة فوقها أدوات تعذيب مختلفة. وقد عثرت القوة على جثة المبلّغ باختفائه، مقتولًا داخل الزنزانة وعلى جسده جروح متفرقة كان واضحًا أنها من أثر العذاب. وبمواجهة أصحاب البيت بالأدلة الجديدة، اعترفوا بأن زعيم الطائفة أمرهم بتعذيب المذكور بسبب مخالفته القواعد المعمول بها في مجتمع الدونمة، وأن جسده لم يتحمل الضرب فمات.
طارت أنباء الحادثة من سالونيك إلى إسطنبول. ورغم أن العصر كان عصر صحافة، وكان من شأن مثل ذلك الخبر أن يحدث دويًّا في المجتمع العثماني ويفتح من جديد ملف الدونمة الذين أهملت الدولة العثمانية شأنهم لنحو 150 عامًا، فإن أيًّا من ذلك لم يحدث، إذ استمرت غفلة الأتراك تجاه الدونمة حاضرة، حتى بعد أن تأكدوا بقاطع الأدلة أن هؤلاء القوم لا يتبعون معتقدًا خاصًا فحسب، بل يخلقون لأنفسهم نظامًا خلقيًا وعقابيًا منفصلًا عن الدولة نفسها .
وقد كان من مكر التاريخ، أن عقاب العثمانيين على غفلتهم المستجدة كان سريعًا. فبعد نحو ست سنوات من حادثة الشاب المقتول في حي الدونمة، وصل تأثير عصر التنظيمات إلى سالونيك، واستغل الدونمة ظاهرهم الإسلامي في الصعود بالهرم الإداري للمدينة، وهو الأمر الذي كانت له عواقبه الوخيمة على مستقبل الدولة العثمانية نفسها.
والتنظيمات هي مجموعة واسعة من الإصلاحات التشريعية التي بدأها السلطان عبد المجيد الأول بغرض التحول بالإمبراطورية العثمانية إلى العلمانية. وكان من ضمن تلك التنظيمات تدشين مجالس محلية داخل كل مدينة من أعيانها ونخبها المدنية. ولما كان يهود الدونمة في ذلك الوقت يسيطرون على اقتصاد سالونيك خاصة تجارة المنسوجات والتبغ، فقد سيطروا بسهولة على مجلس أعيان المدينة دون أن يثيروا أزمة لدى الدولة العثمانية، ذلك لأنهم ظلوا مختبئين خلف هويتهم الإسلامية المزيفة، والتي كان جيرانهم في سالونيك من المسلمين والمسيحيين واليهود يعرفونها جيدًا دون أن يجدوا أذنًا مصغية في إسطنبول والتي يبدو أنها أصرّت على غض الطرف عن خطورة هؤلاء.
هكذا استحوذ الدونمة بضربة واحدة على حكم سالونيك، وتبنوا سريعًا الثقافة الجديدة التي بشر بها العثمانيون في عصر التنظيمات، وهي ثقافة علمانية الهوى فرنسية اللغة. وأسسوا 3 مدارس صار لها الأثر العميق لاحقًا في تاريخ تركيا: مدرسة الفيضية، ومدرسة شمسي أفندي، ومدرسة الترقي. هذه المدارس الثلاث والتي قصرت القبول فيها على أبناء الدونمة، أخرجت خلال الربع الأخير من القرن الـ19 مجموعة واسعة من رجال القانون والإدارة، والصحافيين والصيارفة، والأطباء والصيادلة، والذين سوف يتخذون ظاهرهم الإسلامي للتسلل إلى داخل الجهاز الإداري للدولة العثمانية، ومن ثم الانقضاض على تلك الأخيرة والسيطرة عليها.
وقد كانت البداية من سالونيك نفسها، فبعد أن سيطر أفراد الدونمة على المجلس المحلي (مجلس الأعيان) فيها، وكان أحمد كابانشي أشهر رؤسائه منهم، فإنهم تطلعوا إلى تولي منصب عمدة المدينة نفسه، وكان هذا قاصرًا على الموظفين الذين ترسلهم الحكومة المركزية من إسطنبول. ولكن مع احتياج العثمانيين شخصًا أكثر خبرة في عمليات التواصل مع التجار الأوروبيين الذين يهبطون إلى المدينة، فإنهم لجأوا سريعًا إلى الدونمة من أعضاء المجلس المحلي لترشيح واحد منهم. ولم يعثر الأتراك في النهاية على أفضل من حمدي بك يعقوبي لتولي المنصب في العام 1893، وهو عضو فرقة الدونمة اليعقوبية، خدم هو وأسلافه كمدراء لمكتب عمدة سالونيك لسنوات، وكانوا رجال أعمال بامتياز، يمتلكون علاقات تجارية متشعبة مع الأجانب.
كان وصول حمدي بك يعقوبي حدثًا فاصلًا في تاريخ الدونمة، إذ أصبحت سالونيك خاضعة بالكامل لهم. وسرعان ما نقلوا إليها تجربتهم الخاصة في الانغلاق والانعزال، فعزلوا سالونيك عن الجسد العثماني الكبير، ووزعوا الوظائف الإدارية والأمنية عليهم. ثم لما كشفوا عن عدائهم للسلطان العثماني عبدالحميد الثاني، قرروا أن تكون مدينتهم هي المقر الرئيس لكل الثائرين على السلطان، خاصة جماعة الشبان الأتراك (تركيا الفتاة)، والتي حصلت على كل ألوان الدعم من الدونمة، بدءا من المال والبروباغاندا الصحفية، وحتى المحافل الماسونية وسراديب البيوت التي لم تعد الآن مجرد سجون ومقرات لتعذيب المخالفين لمبادئ الطائفة، بل وكذلك ملاذ آمن للهرب من جواسيس وشرطة عبد الحميد.

 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع