فاتح وقانوني وعروج وبربروسا.. تعرف على أيقونات أردوغان للتنقيب عن الغاز

سفينة التنقيب «فاتح»

سفينة التنقيب «فاتح»

كتب خالد أبو هريرة
يبحث الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن الغاز الطبيعي في شرق المتوسط بسفن تنقيب ومسح سيزمي لها أسماء تاريخية مميزة، مثل «فاتح» و«عروج» و«بربروس» و« قانوني»، فما السبب وراء اختيار تلك الأسماء -والتي هي لشخصيات رئيسية في التاريخ العثماني- دون غيرها، وما الرسائل التي تبعث بها أنقرة لخصومها في شرق المتوسط عبر ذلك الاختيار؟
«تركيا الآن» يحاول الإجابة في التقرير التالي، عبر عرض مختصر لتاريخ كل اسم من الأسماء السابق ذكرها..

«فاتح»
هو السلطان محمد الثاني بن مراد الثاني، والملقب بـ محمد الفاتح. سابع السلاطين من آل عثمان. تولى السلطنة مرتين. الأولى بين عامي 1441 - 1446، ثم تنازل عن السلطنة بعدها لأبيه السلطان مراد الثاني الذي كان قد اعتزل مؤقتًا ولبس مسوح الدراويش. ثم بعد وفاة مراد العام 1451، اعتلى محمد الثاني عرش السلطنة للمرة الثانية وحتى وفاته العام 1481.
أُطلق على محمد الثاني لقب «الفاتح» بسبب سقوط القسطنطينية، العاصمة التاريخية للإمبراطورية الرومانية الشرقية أو الإمبراطورية البيزنطية، بين يديه العام 1453. وتعتبر هذه الواقعة أحد الأحداث الرئيسية، إن لم تكن الحدث الرئيسي الأبرز في التاريخ العثماني بأسره، حيث اعتبر العام 1453 نهاية للحقبة الوسيطة وبداية للعصر الحديث.
وقد استعيدت حكاية محمد الفاتح وغزوه القسطنطينية خلال العصر العثماني المتأخر، أثناء الصراعات القومية الدامية التي اشتعلت بين العنصرين التركي واليوناني عبر المراحل التالية: استقلال اليونان عن إسطنبول العام 1829، الحرب العثمانية - اليونانية 1896، حروب البلقان 1912 - 1913، الحرب العالمية الأولى 1914 - 1918، وأخيرًا حرب الاستقلال التركية اليونانية 1918 - 1922. في كل تلك الصراعات، والتي تراوح النصر فيها بين الطرفين، استُخدم اسم محمد الفاتح من قبل الأتراك كأيقونة تحفز العساكر الخارجة لحرب اليونان، وتذكر الأخيرة بالسلطان الذي أسقط دولتها البيزنطية العظيمة، ودفنها إلى الأبد.
وقد شهد منتصف القرن العشرين العودة إلى استخدام الرمزية السياسية لمحمد الفاتح في أثناء الصراع التركي اليوناني المستجد على خلفية النزاع بين أنقرة وأثينا حول ملكية جزيرة قبرص. ففي العام 1955، وأثناء أحداث ما عرفت باسم شغب إسطنبول، والتي اندلعت بسبب شائعات لا أساس لها أطلقتها الحكومة التركية برئاسة عدنان مندريس، حول استهداف المتطرفين اليونان لبيت مصطفى كمال أتاتورك في سالونيك، وانتهت بالقضاء على البقية الباقية من الجالية اليونانية في المدينة. في تلك الأحداث، رفع المتظاهرون الأتراك صور السلطان محمد الفاتح في الشوارع أثناء هجومهم على المحال اليونانية والمواطنين اليونانيين، في إشارة إلى استعادتهم سيرة البطل الذي هزم اليونان.
امتدادًا لهذا السياق الأخير ذاته، يمكننا اعتبار إطلاق اسم الفاتح على سفينة تنقيب تبحث عن الغاز في المناطق الاقتصادية الخاصة باليونان وقبرص رسالة من أردوغان لليونانيين بالإسم الذي أصبح بطلا للقومية التركية ضد نظيرتها اليونانية.

«قانوني»
هو سليمان القانوني، عاشر السلاطين من آل عثمان. تولى عرش السلطنة بين عامي 1520 و1566 خلفًا لأبيه السلطان سليم الأول. ووصلت الدولة العثمانية إلى أقصى اتساعها في عهده، بعد أن مدت أذرعها الأخطبوطية فوق كتلة ترابية موزعة بين قارات العالم القديم الثلاث (أوروبا، أفريقيا، آسيا).
ربما كانت حقيقة العصر الذهبي للعثمانيين تحت حكم القانوني هي السبب وراء إطلاق اسمه على واحدة من سفن التنقيب في شرق المتوسط، ولكن الوضع العثماني في البحر المتوسط على عهد القانوني ربما كان أيضًا أحد أكثر الدوافع وراء ذلك الاختيار، فقد نجحت الأساطيل العثمانية في عهد سليمان، وتحت قيادة رياس البحر عروج وخير الدين بربروس، وكلا منهما له سفينة تنقيب باسمه اليوم، في بسط السيادة العثمانية على جانبي البحر المتوسط شرقه وغربه خلال القرن الـ16 الميلادي. وبالتالي، فإن أردوغان يبعث برسالة من خلال اسم القانوني مفادها أننا كنا هنا، أي كنا سادة للبحر المتوسط طوال قرابة قرن كامل من الزمن، وذلك في وجه الذين يرفضون منح أي شرعية للتنقيب التركي شرق المتوسط، كما يرفضون فكرة الوطن الأزرق التي تقول بأن لتركيا 462 ألف كيلو متر في البحر الأسود والبحر المتوسط وبحر إيجة.
إضافة إلى ما سبق، فإن أردوغان ربما أراد أن يرسل أيضا باسم القانوني رسالة إلى فرنسا تحديدا، وهي المعارض الأوروبي الأبرز لنشاطات تركيا في شرق المتوسط، تذكرها بالعصر الذي كان فيها ملكها فرانسوا الأول يلح على سليمان القانوني في طلب الحلف العسكري ضد آل هابسبورج ملوك النمسا وإسبانيا.

«عروج» و «بربروس»

هما الأخوان عروج وخير الدين. قادة الأسطول العثماني في عصر مجده البحري. وُلدا لأصل تركي في جزيرة ميدلي خلال الربع الأخير من القرن الـ16 الميلادي. وعملا أولا بشكل منفرد على الساحل الجزائري ضد الأساطيل الإسبانية في غرب المتوسط. وبعد انتصار السلطان الأول على الماليك في مصر والشام العام 1517، أعلنا ولائهما للسلطنة العثمانية. ولكن عروج لم يهنأ بثمار هذه التبعية بعد أن  قتل في العام 1518 على يد كتيبة إسبانية هاجمته في مدينة تلمسان الجزائرية. 

أما أخيه خيرُ الدينِ، والملقب بـ بربروس (وتعني صاحب اللحية الحمراء، وكان اللقب في الحقيقة خاص بعروج)، فقد أكمل مسيرة أخيه في ولاية الجزائر. ونقله سليمان القانوني بسبب مهارته البحرية الفائقة وخبرته بطرق قتال الأساطيل الإسبانية إلى إسطنبول حيث عين أميرا للبحر، أي قائدا عاما للبحرية العثمانية العام 1533. وقد نجح خير الدين بربروس في العام 1538 في إلحاق هزيمة ساحقة بتحالف من الأساطيل الأوروبية في معركة بروزة، وهي المعركة التي أفضت إلى تحول البحر المتوسط إلى بحيرة عثمانية. وقد مات خير الدين في إسطنبول العام 1546، لتبدأ بعده مسيرة التراجع في قوة البحرية العثمانية بصورة تدريجية وصلت ذروتها في كارثة ليبانت 1570، والتي انهزم فيها العثمانيون هزيمة ساحقة على يد تحالف جديد من أساطيل أوروبا. 

وبما أن عروج و بربروس قد ارتبطا أساسا بعصر سليمان القانوني، فإن الإستخدام الأيقوني لهما في عمليات التنقيب اليوم بشرق المتوسط لا تختلف كثيرا عن استخدام اسم "قانوني" الذي سبق وأشرنا إلى مدلولاته. 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع