كيف أجل تيمورلنك الغزو العثماني لمصر 100 عام كاملة؟!

بايزيد أسيرا في قبضة تيمورلنك

بايزيد أسيرا في قبضة تيمورلنك

كتب: خالد أبو هريرة

كان من الممكن أن يتقدم الغزو العثماني لمصر مائة عام كاملة عن تاريخه الفعلي (1517)، لو لم يغزو الإمبراطور المغولي الرهيب تيمورلنك الشرق الإسلامي ويمزق الدولة العثمانية في معركة أنقرة 1402، إذ كانت لدى السلطان العثماني بايزيد الأول قبل تلك المعركة، مخططاته الواسعة للوثوب على المماليك في مصر وانتزاع أراضي المحروسة من بين أيديهم. 

في هذا التقرير، نسعى للتعرف على حكاية بايزيد الأول، وخطته لغزو مصر التي أفسدها تيمور الأعرج..

بايزيد.. الصاعقة

هو بايزيد الأوَّل بن مُراد بن أورخان. الرابع من سلاطين آل عثمان. وُلد في العام سنة 1361 بمدينة أدرنة. وتلقَّى تعليما عسكريا وشرعيا على عادة أفراد السلالة العثمانية في ذلك الوقت. اشترك في حملات أبيه العسكريَّة في البلقان والأناضول، وأثبت فيها كفاءته كقائد حربي، وسُرعة تحرُّكه بِالجُند والعتاد من جبهة إلى أخرى حتى لقب بـ«يلدرم»، أي «الصاعقة» أو «البرق». 

وبعد مقتل مراد الأول في ساحة معركة كوسوفو أمام الصرب العام 1389، تابع بايزيد الأول غزوات الأب ومعاركه بعزيمة أشد. يقول المؤرخ العلامة ابن خلدون في كتابه "العبر": «جرى (بايزيد) على سنن أبيه، وغلب على قطعة من بلاد الروم هذه فيما بين سيواس وأنطاليا والعلايا، بساحل البحر إلى قريب مدينة قرمان، ثم تزوج بنت أحدهم وغلب على ما بيده من تلك النواحي، ودخل بنو قرمان وسائر التركمان في طاعته، ولم يبق خارجا من ملكه إلا سيواس التي كانت بيد قاضيها إبراهيم المتغلب عليها و(ملطية) الداخلة في مملكة الديار المصرية».

هكذا، وفي بضع سنوات فقط، أضحت الإمارة العثمانية تتاخم فعليا السلطنة المملوكية في مصر، وأصبح شمال الشام مسرحا مهيئا لصدامات قادمة لا محالة بين العثمانيين والمماليك. وقد أشار ابن خلدون إلى الترسانة العسكرية الرهيبة التي كان بايزيد يسابق الزمن لبنائها قائلا: «أنشأ نحو 300 غراب وملأها بالأسلحة والأزودة، فصارت إذا أراد أن يركبها خرجت من يومها، ورتب بالساحل من يعمل بالأزودة دائما بحيث لا يتعذر عليه إذا أراد الغزو شيء».

ورغم الظهور الأول للقائد المغولي الرهيب تيمورلنك في العام 1392، وغزوته المدمرة التي سيطر بعدها على إيران والعراق وأذربيجان وأرمينيا، فقد بدا أن السلطان المملوكي الظاهر برقوق لا يزال مظهرا تخوفه الثقيل من جهة بايزيد العثماني. 

ففي كتاب "إنباء الغمر بأبناء العمر" لابن حجر العسقلاني، تأكيدات على أن برقوق كان يقول لمستشاريه: «لا أخاف من اللنك (وتعني الأعرج، وهو لقب تيمور بسبب إصابة قديمة في قدمه) فإن كل أحد يساعدني عليه وإنما أخاف من ابن عثمان». ويؤكد العسقلاني أنه لما مات الظاهر برقوق في العام 1399، وخلفه في قلعة الجبل ابنه الناصر فرج، فإن الشائعات زادت حول إمكانية إقدام بايزيد والجند العثماني على غزو مصر. يقول ابن حجر: «ولما مات الملك الظاهر كثرت الأراجيف بأنه (أي بايزيد) سيقدم لأخذ مصر».

الأعرج

تلك التوقعات كلها قطعتها الحملة الثانية لـ تيمورلنك على الشرق عام 1399، بعد عام واحد فقط من تحطيم قوة سلاطين المسلمين في دلهي ببلاد الهند. فعندما عاد تيمور هذه المرة، أعلن أن غرضه تأديب المماليك والعثمانيين على حد سواء، عقابا على استعادة كل منهما السيطرة على ما كان استولى عليه تيمور في أثناء الحملة الأولى. 

اجتاح تيمورلنك أذربيجان من جديد، ثم استولى على حلب ودمشق وبغداد العام 1401، مخلفا دمارا هائلا في كل تلك المدن. وبدلا من مواصلة طريقه جنوبا إلى مصر، تحول تيمور فجأة إلى آسيا الصغرى وقرر أن يوجه ضربة قاصمة لـ بايزيد الأول، ودولته العثمانية الناهضة.

مضى تيمورلنك إلى شرق الأناضول قاصدًا مدينة سيواس، وكان فيها الأمير سُليمان بن بايزيد يُعاونه أخوه أرطُغرُل، فأقاما دفاعًا طويلًا بِحوالي 4,000 جُندي على أسوار المدينة، لكن بعد ثمانية عشر يومًا من الحصار سقطت المدينة بِيد تيمور، المغول، فاقتحمها تيمور ورجاله يوم 26 أغسطس 1400 ووضع السيف في أهلها وعاث فيها خرابًا، وقتل كافَّة الأسرى من العساكر العثمانية، بما فيهم الأمير أرطُغرُل بن بايزيد، بينما تمكن الأمير سُليمان من الهرب. 

حاول تيمورلنك على إثر ذلك إقناع بايزيد الأول بقبول التبعية له. ولكن السلطان العثماني رد بجواب طويل كان مما جاء فيه: «...إِنَّ الحَربَ دَأبَنَا، وَالضَّربَ طَلَّابَنَا، وَالجِهَادُ صَنعَتُنَا، وَشَرعَةُ الغُزَاةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَىٰ شَرعَتَنَا، إِن قَاتَلَ أَحَدٌ تَكَالُبًا عَلَى الدُّنيَا، فَنَحنُ المُقَاتِلُونَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ العُليَا، رِجَالُنَا بَاعُوا أنفُسَهُم وَأَموَالَهُم مِن اللهِ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّة، فَكَم لِضَرَبَاتِهِم فِي آذَانِ الكُفَّارِ مِن طَنَّة، وَلِسُيُوفِهِم فِي قَلَانَس القَوَانِسَ مِن رَنَّة»، ثم ختم كلامه قائلا: «...فَنَحنُ المُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ الَذِينَ لَا يَخَافُونَ لَومَةَ لَائِم وَأَنَا أَعَلَمُ أَنَّ هَذَا الكَلَامَ يَبعَثُكَ إِلَى بَلَادِنَا انبِعَاثًا، فَإِن لَم تَأتِ تَكُن زَوجَاتُكَ طَوَالِقَ ثَلَاثًا، وَإِن قَصَدّتَ بِلَادِيَ وَفَرَرتُ عَنكَ وَلَم أُقَاتِلُكَ البَتَّة، فَزَوجَاتِيَ إِذ ذَاكَ طَوَالِقٌ ثَلَاثًا بَتَّة». فلمَّا وصل الجواب إلى تيمورلنك ووقف عليه قال: «ابنُ عُثمَانَ مَجنُونٌ حَمِق، لِأنَّهُ أَطَالَ وَأَسَاء، وَخَتَمَ مَا قَرَأَهُ مِن كِتَابِهِ بِذِكرِ النِسَاء». ثم بدأ التجهز للحرب.

أمام ذلك، حاول بايزيد التحالف مع المماليك الذين كانوا حتى وقت قريب خصومه الذين يخطط لغزو ديارهم. فتقرب من السُلطان فرج بن برقوق، وطلب منه إقامة جبهة مُتحدة في وجه تيمورلنك. لكنَّ أمراء المماليك في مصر رفضوا تناسي الخلافات ولم يلتفت أحد إلى كلام السُلطان العُثماني، بل أرسلوا إليه يُذكرونه بِغارته على ملطية، وقالوا لهُ ما معناه: «الآنَ صِرتَ صَاحِبَنَا، وَعِندَمَا مَاتَ أُستَاذُنَا المَلِكُ الظَّاهِرُ بَرقُوق مَشَيتَ عَلَى بِلَادِنَا، وَأَخَذتَ مَلَطِيَةَ مِن أَعمَالِنَا، فَلَستَ لَنَا بِصَاحِب، تُقَاتِلَ عَن بِلَادِكَ ونُقَاتِلُ عَن بِلَادِنَا وَرَعِيَّتِنَا».

معركة أنقرة

على هذه الصورة، بقي بايزيد وحيدا في ميدان المعركة بسبب أطماعه القديمة في مصر. واستعدَّ الطرفان العثماني والمغولي لِلحرب. وكانت خطَّة بايزيد العسكريَّة تقضي بِمُلاقاة تيمورلنك بعيدًا، خارج الأراضي العُثمانيَّة، والتصدي لهُ في ضواحي سيواس حتَّى لا يُمكِّنه من التوغُّل في ممالكه والعمل على تخريبها، في حين كانت خطَّة تيمورلنك على العكس من ذلك، تقضي بِأن تتوغَّل جُيُوشه المُغيرة مسافاتٍ بعيدةٍ في أملاك العُثمانيين بِهدف تحقيق المزيد من الإرباك لِلسُلطان العُثماني.

من أجل ذلك، زحفت الجُيُوش المغوليَّة باتجاه الأناضول، وتوغَّلت بعيدًا داخل الأراضي العُثمانيَّة. وقد تعمَّد تيمورلنك أن يُخفي قُوَّاته، وهي تتحرَّك، عن أعيُن العُثمانيين، وحاول أن يجعل الجبال حدًا فاصلًا بين الطرفين، وعملت هذه القُوَّات على إتلاف المزروعات وتدمير البلاد خِلال الزحف بِحُجَّة جمع الأعلاف اللازمة لِخُيُولها. ولمَّا بلغت الجُيُوش المغوليَّة قيصريَّة، أرسل تيمورلنك طلائع من قُوَّاته إلى أنقرة لِلوُقُوف على أخبار العُثمانيين، ثُمَّ تقدَّم بِالجيش الرئيسي وعبر باتجاه مدينة قر شهر الواقعة جنوب شرقيّ أنقرة، وهُناك تلقَّى إشارة تُفيد بِأنَّ الجُيُوش العُثمانيَّة شوهدت تنزل بِضواحي أنقرة. 

علم العُثمانيُّون بِتوغُّل قُوَّات تيمورلنك في أراضيهم، فتقدموا من توقاد إلى السُهُول الواقعة إلى الشمال الشرقي من مدينة أنقرة، حيثُ أقاموا مُعسكرات لهم، وقام تيمورلنك، على أثر وُصُول هذا الخبر إليه، بِتجهيز قُوَّةٍ عسكريَّةٍ لِلمُرابطة بِالقُرب من هذه المُعسكرات بِغية الترصُّد من جهة، ومُحاولة دفع العُثمانيين الخُرُوج من مكامنهم من جهةٍ أُخرى، ونجحت هذه القُوَّة في استدراجهم إلى الضفَّة اليُمنى لِلنهر في منطقةٍ وعرةٍ قفراء. وتقدَّمت طليعةٌ جديدةٌ من قُوَّات تيمورلنك إلى أنقرة مُباشرةً، حيثُ المكان الذي قرَّر فيه هذا القائد خوض المعركة، لِتقوم بِبعض الأعمال التمهيديَّة، كردم الآبار ودس السُّم في بعضها وتحويل مجرى النهر الصغير الذي يروري مدينة أنقرة لِمنع العُثمانيين من الاستفادة من مياهه. ووصلت الأخبار إلى العُثمانيين أخيرًا، وهُم على الضفَّة اليُمنى لِلنهر، بِأنَّ قُوَّات تيمورلنك ظهرت وراءهم في ضواحي أنقرة، لِذلك كان على بايزيد أن يُسرع بِجُيُوشه ويرجع، مرَّة ثانية، باتجاه الغرب، فقطع النهر من جديد باتجاه أنقرة خوفًا من أن يترك المغول يجتاحون بلاده من وراء ظهره ويقطعون عليه خُطُوط تموينه. وبقيت الجُيُوش العُثمانيَّة تسير مُسرعة ثمانية أيَّام، تحت أشعَّة شمس الصيف المُحرقة حتَّى أضحت العساكر العُثمانيَّة كالموتى من التعب والعطش، وحال المغول، الذين وصلوا إلى مكان المعركة قبلهم، بينهم وبين الماء، وشاهد العُثمانيُّون أعداءهم وقد حلُّوا في مُعسكراتهم التي كانوا قد تركوها قبل وقتٍ قصير، ففُرضت عليهم المعركة وهُم على هذا الحال.

وعندما بدأت المعركة، انحازت قُوَّات إمارات آيدين ومُنتشا وصاروخان وكرميان التُركمانيَّة، الخاضعة حديثًا لِسُلطة بايزيد الأوَّل، إلى صُفُوف تيمورلنك لِوُجود أولاد أُمرائهم الأصليين في مُعسكر المغول، وكذلك فعلت القُوَّات التتريَّة التي سبق وراسلها تيمور، ما أضعف كفَّة العُثمانيين وكان أحد الأسباب الكُبرى في هزيمتهم.

بايزيد أسيرا 

استمرَّ القتال قائمًا بين الطرفين حتَّى غُرُوب شمس ذلك اليوم، ولم يصمد مع بايزيد إلَّا فرقة الانكشارية البالغ عدد أفرادها حوالي عشرة آلاف جُندي. ولكن في النهاية، هزم العثمانيون هزيمة نكراء، ولمَّا حاول بايزيد، في النهاية، الفرار ليلًا، قبض عليه عساكر تيمور وأرسلوه أسيرا إلى سيدهم تيمورلنك الذي كان قد عقد العزم على العودة إلى عاصمته سمرقند. 

حمل تيمورلنك معهُ السُلطان بايزيد وعاملهُ أولا باحترامٍ على الرُغم من الرسائل المُهينة التي تبادلاها قبلا. كما أمر بِفك أغلاله وأجلسهُ إلى جانبه، وأكَّد لهُ بِأنهُ سيُبقي على حياته، فأصدر تعليماته بِأن تُنصب ثلاث خيامٍ فخمة لِحاشيته، لكن عندما حاول بايزيد الهرب ثلاث مرَّاتٍ وضُبط، احتُجز في غُرفةٍ ذات نوافذ مسدودة بِالحواجز.

هنا انقلب تيمور على بايزيد، فصار يُحضره كُل يومٍ بين يديه، ويُلاطفه ويترقق إليه، ويسخر منه ويضحك عليه، وقد أحضره إلى مأدبة الانتصار التي أقامها حيثُ تعرَّض إلى مزيدٍ من الإذلال، فـ«نَظَرَ ابنُ عُثمَانَ فَإِذَا السُقَاةُ جَوَارِيَه، وَعَامَّتُهُم حَرَمُهُ وَسَرَارِيَه، فاسوَدَّت الدُنيَا فِي عَينَيه، واستَحلَى مَرَارَةَ سَكَرَات حَينُه، وَتَصَدَّعَ قَلبُه، وَتَضَرَّمَ لُبُّه، وَتَزَايَدَ كَمَدُه، وَتَفَتَّتَ كَبِدُه، وَتَصَاعَدَت زَفَرَاتُه، وَتَضَاعَفَت حَسَرَاتُه». تحطم بايزيد نفسيا على إثر ذلك، ومرض مرضًا شديدًا وهو ما يزال في آق شهر قُرب قونية، وبلغ من درجة مرضه أنَّهُ فقد المقدرة على الوُقوف على قدميه، فصرف تيمورلنك النظر عن اصطحاب أسيره إلى آسيا الوُسطى، ودعا لهُ أفضل الأطباء لِمُعالجته، وأرسل من يسهر على رعايته ومُواساته، لكنَّ هذه الرعاية لم تُجدِ شيئًا لِبث القوى الحيويَّة في السُلطان العُثماني، فمات يوم 9 مارس 1403. 

أتبع موت بايزيد انهيارا شاملا في الدولة العثمانية، حيث فقدت كل فتوحاتها السابقة على حساب الإمارات التركمانية في آسيا الصغرى، كما اندلعت الحرب الأهلية على العرش في عاصمتها أدرنة بين أبناء الأمير المتوفى بايزيد. وقد كتبت كل هذه الأحداث الجسيمة تأجيلا طويلا لمخططات العثمانيين لغزو مصر، استمر مائة عام كاملة، ولم ينهيه غير السلطان سليم الأول الذي دخل القاهرة منتصرا في العام 1517. 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع