من محمود باشا إلى بيرات البيرق.. الأصهار وتراث الصعود المشبوه في تركيا

محمود باشا صهر عبد الحميد - بيرات البيرق صهر أردوغان

محمود باشا صهر عبد الحميد - بيرات البيرق صهر أردوغان

كتب: خالد أبو هريرة

تمتلك تركيا، في نسختيها العثمانية والجمهورية، تاريخًا ممتدًا من الأزمات التي أثارها أصهار السلاطين أو الرؤساء، إما نتيجة استغلالهم مبدأ المصاهرة في الترقي السريع داخل الدولة ومن ثم التأثير فيها سلبًا، أو بسبب انقلابهم على الحكام الذين كانوا سببًا في صعودهم الأول.
يبرز التقرير التالي حالة اثنين من أشهر الأصهار في تاريخ تركيا: الأول هو وزير العدل في عصر السلطان عبد الحميد الثاني، الداماد محمود جلال الدين باشا، والثاني هو بيرات البيرق وزير الخزانة المستقيل مؤخرًا من حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان..


محمود باشا.. الخائن
هو الداماد محمود جلال الدين باشا. ولد في إسطنبول عام 1853 لأمير البحر العثماني (أي قائد الأسطول) خليل رفعت باشا الجورجي. عمل في شبابه في القنصلية العثمانية بباريس، ثم عاد إلى إسطنبول وتزوج الأميرة سنيحة أخت السلطان عبد الحميد الثاني في عام 1876 -نفس العام الذي اعتلى فيه الأخير عرش السلطنة- فسمحت له تلك الزيجة بالصعود السريع في حكومة السلطان حتى أصبح وزيرًا للعدل.
لم يكن الباشا قانعًا بموقعه الدافئ قرب السلطان. فقد انضم سرًا إلى حركة الشبان الأتراك (تركيا الفتاة ولاحقا جمعية الاتحاد والترقي)، والتي كان أعضاؤها منفيين بين مصر وأوروبا على خلفية مطالباتهم بعودة الدستور والبرلمان اللذين عطلهما عبد الحميد بعد قليل من اعتلائه السلطنة. والأخطر من ذلك، أن محمود كان على علاقة وثيقة ببريطانيا، وكانت تلك العلاقة هي التي فجرت الوضع بينه وبين صهره السلطان.
ففي عام 1899، وبعد أن عجز محمود باشا عن إقناع عبد الحميد بمنح امتياز سكة حديد بغداد إلى بريطانيا من ألمانيا القيصرية، قرر وزير العدل الهرب من إسطنبول إلى باريس رفقة ولديه الشابين «صباح الدين» و «لطف الله»، وكانا أيضًا من الشبان الأتراك.
صدم عبد الحميد الثاني من فرار زوج أخته، وكان أكثر ما صعقه أن محمود باشا ظل يدبر ضده طوال السنوات السابقة مع خصومه المنفيين في الخارج دون أن ينجح في كشف ذلك. وربما إرضاء لأخته سنيحة، أو لمنع أعدائه من الحصول على دعم له ثقله، حاول السلطان أن يعيد الباشا الهارب وأولاده إلى تركيا، بعد وعدهم بالغفران، ولكن محمود باشا رفض وكذلك الأميرين صباح الدين ولطف الله.
في فرنسا، استقبل محمود باشا بحفاوة كبيرة من قبل الشبان الأتراك، ولعب سريعًا دورًا مهمًا في تنظيم الدعايات التي أطلقتها الحركة ضد عبد الحميد الثاني. فقد كان الباشا هو من أطلق على الأخير لقب «السلطان الأحمر»، تشهيرًا بالمذابح التي قام بها ضد الأرمن في شرق الأناضول. وأصبح هذا اللقب لاحقًا لصيق بعبد الحميد، سواء في الجرائد الناطقة باسم الشبان الأتراك، أو حتى في الصحف الأوروبية.
وبعد فترة من الإقامة في فرنسا، انتقل محمود باشا مع أبنائه إلى القاهرة ليعيشوا في كنف الخديوي عباس حلمي الثاني. وقد أصدر عبد الحميد الثاني عفوًا جديدًا لزوج أخته وأولاده في تلك الفترة، فوافق محمود باشا على الرجوع، ولكن صباح الدين ولطف الله تمسكا بالبقاء في المنفى حتى عودة البرلمان والدستور.
وفي 17 ديسمبر 1903، مات محمود باشا في العاصمة البلجيكية بروكسل، فمنح عبد الحميد أولاده الأمراء عفوًا كي يتمكنوا من دفن جثمان أبيهم في إسطنبول، ولكنهم أصروا مرة أخرى على عدم العودة، وظلوا محتفظين برفات الباشا الملقب بالخائن في أوروبا، حتى عادوا أخيرًا إلى تركيا ودفنوه بها بعد أن أطيح بالسلطان في انقلاب تركيا الفتاة العام 1908.


بيرات البيرق.. المدلل
أما بيرات البيرق، زوج بنت الرئيس التركي رجب أردوغان، ووزير الخزانة المستقيل، فقد ولد عام 1978 لعائلة تشارك الرئيس التركي أردوغان القناعات الإسلاموية. فالأب هو صادق البيرق، الصحافي الذي انتقل في التسعينيات إلى العمل السياسي كعضو في البرلمان التركي ممثلًا عن حزب الرفاه الإسلامي.
درس بيرات إدارة الأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية خلال أوائل الألفية الجديدة، وتعرف هناك على إسراء ابنة أردوغان، ثم تزوجها في عام 2004، أي بعد نحو عام واحد من صعود والدها إلى رئاسة وزراء تركيا.
وفي عام 2006، عين بيرات البيرق رئيسًا تنفيذيًا لشركة تشاليك القابضة في تركيا. وبدءا من عام 2015، بدأ أردوغان في الزج بزوج ابنته إلى عالم السياسة. ففي الانتخابات النيابية التي تمت في يونيو من ذلك العام، انتخب البيرق عضوًا في البرلمان التركي عن حزب العدالة والتنمية الحاكم. ثم سريعا في نوفمبر 2015، عين بيرات البيرق وزيرًا للطاقة والموارد الطبيعية في الحكومة التي كان يرأسها أحمد داود أوغلو، منظر العثمانية الجديدة، والمنشق حاليًا على أردوغان.
عند هذه النقطة تحديدًا، دخل بيرات البيرق مرحلة جديدة من تاريخه الشخصي. خاصة بعد أن نقله أردوغان من وزارة الطاقة إلى وزارة الخزانة في عام 2018، فنتيجة سياساته داخل قطاع الطاقة، والتي وصفت بالفاشلة بسبب جمعها بين التوسع في الاقتراض وفرض القيود الحكومية على الأسعار، ثم بسبب ارتفاع موجة التضخم التي ضربت تركيا أثناء ولايته لحقيبة الخزانة، وعزوف الاستثمار الأجنبي عن دخول السوق التركي على إثر انقلاب إسطنبول في منتصف عام 2016، ما أدى إلى توجيه ضربات قاسية إلى قيمة الليرة التركية مقابل الدولار الأمريكي لا تزال مستمرة إلى اليوم. نتيجة لذلك كله، أصبح بيرات البيرق في مرمى انتقادات المعارضة التركية من مختلف الأطياف الأيديولوجية، حيث وصف صهر الرئيس بالطفل المدلل الذي أدت تصرفاته الرعناء إلى إنهيار العملة التركية، ووضع الاقتصاد التركي على حافة الانهيار.
رغم ذلك الهجوم الضاري، فإن أحدًا لم يتوقع أن يأتي إنسحاب بيرات البيرق من المشهد السياسي في تركيا على تلك الصورة، حيث يقدم استقالته من وزارة الخزانة على موقع التواصل الاجتماعي إنستجرام، دون وجود تعليق رسمي من الرئاسة التركية على الاستقالة. فقد فتح ذلك الباب على آخره للتكهنات من قبل المحللين، من القول بأن أردوغان اقتنع أخيرًا بضرورة التخلص من صهره، أو أنه يرغب في تقديمه ككبش فداء، إلى الزعم بأن إبعاد البيرق ليس أكثر من إزاحة مؤقتة لتخفيف الضغوطات عليه، ثم القفز به مستقبلا إلى منصب أكبر. وأصحاب الرأي الأخير ينطلقون من خلفية الموقع الممتاز للبيرق داخل حزب العدالة والتنمية خلال السنوات الخمس الأخيرة، والذي دفع البعض إلى التكهن بأن أردوغان يجهز زوج ابنته لتسلم حكم تركيا يومًا ما.
أيا ما كان الأمر، فإن في حكاية محمود باشا و بيرات البيرق ما يشجع على المقارنة، مع كامل التقدير بالطبع للفوارق التي تميز بينهما، خاصة مع انتماء محمود باشا إلى صفوف معارضة السلطان عبد الحميد الثاني، وبقاء بيرات البيرق -حتى الآن- مخلصًا لأردوغان وداعمًا لقراراته مهما كانت مثيرة للانتقاد. فرغم ذلك، تبقى استعانة كل من الباشا الخائن والطفل المدلل بسلاح المصاهرة للتقلب السريع في المناصب العليا الدولة، ثم النهاية السيئة لهما في تلك الأخيرة -هذا إذا فرضنا أن استقالة بيرات البيرق نهاية لمغامرته السياسية- مؤشرًا على ميراث تركي طويل من التصعيد الوظيفي القائم على المحسوبية، لا على الكفاءة أو القدرات المهنية الفذة، نشأ في المركز بتركيا العثمانية، ثم انتقل كآفة ضارة إلى الهوامش والأطراف في العالم العربي والشمال الإفريقي والبلقان، ولا يزال يعشش إلى اليوم، هانئًا مستقرًا في كل ما سبق.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع