حصن كيفا.. أردوغان يدفن 12 ألف سنة من التاريخ تحت مياه إليسو

حصن كيفا قبل التحول إلى مدينة غارقة

حصن كيفا قبل التحول إلى مدينة غارقة

كتب - خالد أبو هريرة

إضافة إلى الخطر الوجودي الذي يهدد العراق بسبب سد إليسو المفتتح حديثًا جنوب شرقي تركيا، والذي سوف يحرم البلد العربي من حصته من مياه نهر دجلة، فإن للسد سيئ السمعة آثارًا سلبية أخرى تتعلق بإغراق مدينة حصن كيفا، والتي يبلغ عمرها نحو 12 ألف سنة كاملة، ما يجعلها واحدة من أقدم المدن المستمرة في التاريخ الإنساني.

يقدم هذا التقرير تاريخًا موجزًا لمدينة حصن كيفا ثم يحاول استعراض المراحل المختلفة التي مرت بها المدينة مع سد إليسو منذ أن كان مجرد فكرة في العام 2006، وحتى البدء في تشغيل السد العام الحالي 2020 ودخول حصن كيفا في مرحلة الغرق المتدرج..

تقع حصن كيفا على ضفاف نهر دجلة، وهي جزء من محافظة باطمان جنوب شرقي تركيا، ويسكنها نحو 3 آلاف معظمهم من الأكراد. وبسبب الكهوف التي تحتويها المدينة داخل الجروف الكلسية التي تحاوط ضفافها، وسكنها الإنسان البدائي قبل آلاف السنين، فإن الأثريين قدروا عمر حصن كيفا بنحو 12 ألف سنة كاملة. ولكن المدينة لا تستمد أهميتها التاريخية فحسب من تلك الحقيقة المذهلة، بل لعب استمرارها رغم تطاول كل تلك الألوف من السنين عليها، دورًا في منحها بصمة حضارية شديدة التنوع، بعد أن تعاقبت على حكمها الإمبراطوريات الكبرى في التاريخ القديم والوسيط، وخلفت فيها آثار نحو 20 ثقافة متنوعة الأصول والتوجهات.

كان الآشوريون أقدم من نعرفهم من تلك السلسلة الطويلة، حيث منحوها اسم كاستروم كيفا أي قلعة الصخرة، وحوالي العام 300 ميلادية بنى الرومان فيها حصنا ليكون ثغرا دفاعيا على الحدود مع الإمبراطورية الفارسية، وفي العصر البيزنطي أصبحت المدينة مقرًا لأسقفية، ثم غزاها العرب العام 640 ميلادية وأسموها حصن كيفا، وفي العصور الوسطى أصبحت خاضعة للأمراء الأتراك من بني أرتق، ثم لحكم الأيوبيين والمغول.
وفي مطلع العصر الحديث، قام الشاه إسماعيل الصفوي بغزو المدينة في العام 1508، ثم طرده منها السلطان العثماني سليم الأول في العام 1515. ومنذ ذلك التاريخ الأخير، أصبحت حصن كيفا جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، ثم من الجمهورية التركية الحديثة.

وقد خلفت كل تلك الحضارات المتعاقبة 300 أثر كامل في أرجاء المدينة الصغيرة، من أبرزها: بقايا قصر بني أرتق، مسجد الرزق، وبناه السلطان سليمان الأيوبي في العام 1409، وقبر زينل بك، وأخيرا بقايا الجسر الحجري الذي كان يستخدم وقت أن كانت المدينة محطة رئيسية لعبور القوافل طريق الحرير بين الشرق والغرب.

في العام 2006، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان -وكان وقتها رئيسا للوزراء- عن البدء في بناء سد إليسو ضمن مشروع جنوب شرق الأناضول GAP، وهو مشروع عملاق يعود إلى عصر تأسيس الجمهورية التركية، بدأ تنفيذه في ستينيات القرن العشرين، ويتضمن إقامة 22 سد فوق حوضي دجلة والفرات، يعتبر إليسو الأضخم بينها، من حيث سعة التخزين (10 مليار متر مكعب من المياه العذبة)، أو حجم الطاقة الكهربائية القادر على توليدها (1200 ميجا واط).

ولما كان مقررًا للبحيرة الصناعية الضخمة -مساحتها حوالي 121 متر مربع- والتي سوف يكونها سد إليسو أن تمر فوق حصن كيفا، فإن ذلك كان يعني هلاكًا دائمًا للأخيرة والتي ستتحول بذلك إلى مدينة غارقة أسفل ما يتجاوز على المائتي قدم من المياه. وسريعًا، تشكلت مجموعة عمل باسم «أبقوا حصن كيفا على قيد الحياة» لإثناء الحكومة التركية عن تدمير ذلك المتحف التاريخي المفتوح. ونجحت ضغوطات المجموعة فعلا في نهاية العام 2008، في تجميد التحالف الهندسي متعدد الجنسيات لبناء السد (ألماني نمساوي سويسري) تمويله للمشروع (610 ملايين دولار) لمدة 6 أشهر بسبب مخالفة إليسو للاشتراطات التي وضعها البنك الدولي بخصوص الحماية الثقافية والبيئية.
رغم الانسحاب، فإن أردوغان قرر مواصلة العمل في بناء السد، وأمر البنوك التركية بتمويل المشروع. كما أنه نجح في فبراير 2010 في التعاقد مع ممولين أجانب جدد، سربت معلومات عن أنهم مجموعة أندريتز النمساوية لهندسة الطاقة..

هكذا استمر العمل في السد حتى اكتمل في فبراير من العام 2018 وتم تأجيل افتتاحه إلى نوفمبر 2019 بعد طلب من الحكومة العراقية التي لم تكن مستعدة للانخفاض الحاد في منسوب نهر دجلة. ولكن مع حلول شهر مايو من العام الحالي (2020)، احتفل أردوغان بتشغيل أول توربين عملاق في السد، وفورا بدأت تداعيات ذلك في الظهور على حصن كيفا التي بدأت المياه في الزحف ببطء عليها، والحلول محل أهلها المهجرين قسرا على أيدي السلطات التركية.

بمناسبة التهجير القسري، فإن سكان حصن كيفا يمثلون جزءا من عدد ضخم سوف يتم تحريكه من المدن والقرى بامتداد مقاطعة باطمان، ويقدر هذا العدد بنحو 70 ألف شخص معظمهم من أصول كردية. وقد أكد المهجرون من حصن كيفا أن الحكومة التركية خدعتهم، فبعد وعود براقة بالتنمية وبناء مدن جديدة عصرية لصالحهم، تبين أن فوائد إليسو سوف تعود في معظمها على المركز الصناعية في غرب تركيا، خاصة من ناحية الطاقة الكهربائية. كما أن العمل في المدن البديلة المقرر لهم التوجه إليها، والتي فاز بها تحالف من شركات بناء مقربة من نظام الرئيس التركي أردوغان، لا يزال يسير بمعدلات بطيئة، فحتى العام الماضي، أكد الكثيرون من أهل حصن كيفا أن المدن الجديدة ليست أكثر من مجموعة بيوت تحت الإنشاء تفصل بينها ممرات موحلة.

وبالعودة إلى الضرر الثقافي الفادح الذي يتسبب فيه إليسو الآن بتدمير حصن كيفا، فقد حاولت أنقرة التخفيف من وطأة الأمر، وتجميل وجهها بإنشاء حديقة حصن كيفا الثقافية على بعد ميل من شمال المدينة، ونقل 12 من الآثار التاريخية في المدينة إليها. وفعلا، نقل قبر زينل بك مايو 2017 (وهو ابن حسن أوزون زعيم قبيلة الآق قويونلو التركمانية، والذي قتل على يد السلطان العثماني محمد الفاتح العام 1476 فكرمه أبوه بضريح رائع)، كما نقل كلا من الحمام الأثري أرتوكلو، والذي بناه بنو أرتق قبل نحو 650 عام، ومسجد الرزق في العام 2018. ولكن هذا لم يعفي الحكومة التركية عن الجريمة المرتكبة تجاه حصن كيفا. فالعدد المقرر إنقاذه - والذي تغطيه شبكة التلفزيون التركي على الهواء مباشرة في كل مرة مع تغطية موسعة - ليس سوى رقم ضئيل من الأصول الأثرية التي سوف تضيع، وعلى الأخص الكهوف التي تعد واحدة من أقدم الشواهد على نشاطات الإنسان في أول مسيرته الحضارية الطويلة، وسوف تدفن بحلول فبراير من العام 2021، مع سائر المدينة أسفل مياه السد.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع