بانتصارات الحرب ومناورات الدبلوماسية.. المغرب يأبى الخضوع للعثمانيين

معركة وادي المخازن

معركة وادي المخازن

كان المغرب الأقصى (المملكة المغربية حاليًا) البقعة العربية الوحيدة التي لم تخضع للعثمانيين، واحتفظت باستقلالها السياسي، وكذا بوضعها الشرعي الخاص دون بقية الأقاليم الناطقة بلغة الضاد، فكيف حدث هذا؟!


يحاول التقرير التالي الإجابة..


من وادي اللبن إلى وادي المخازن
في البداية، وأثناء عصر بطولتهم العسكرية إبان القرن الـ16 الميلادي، أبدى العثمانيون رغبة ملحّة في غزو الشمال الإفريقي بالكامل، خاصة بعد إكمال السيطرة على مصر العام 1517، وإدخال الجزائر رسميًا في فلك إسطنبول (كانت الجزائر قد أعلنت طواعية عن اتباعها السلطنة العثمانية منذ العام 1515)، ولكن الوحدة السياسية التي كان عليها المغرب الأقصى بفضل سلطة الأشراف السعديين حالت دون ذلك.
فمنذ أربعينات القرن الـ16، تكسرت أحلام العثمانيين في المغرب فوق صخرة السعديين، الذين سيطروا على مدينتي المغرب الرئيستين، فاس ومراكش، ورفض سلطانهم الشريف محمد الشيخ الدعاء للسلطان سليمان القانوني فوق منابر المساجد في المغرب، أو حتى التبعية لإسطنبول ولو اسميًا.

أمام ذلك، قرر سليمان القانوني التخلص من الشريف السعدي. وتمكن من قتله غيلة على يد رجاله من الإنكشارية في الجزائر عام 1557. ولكن المغرب لم تصفُ رغم ذلك للعثمانيين أيضًا. فقد نجح الشريف عبد الله الغالب، نجل الشريف المقتول وخليفته، في الانتصار على قوات تركية حاولت غزو عاصمته فاس في معركة «وادي اللبن». ثم واصل سياسة أبيه المرتكزة على رفض السماح بأي تسربات عثمانية نحو بلاده.
لكن عبد الله الغالب، ابتعد عن تلك السياسة الحكيمة في أخريات حياته بسبعينيات القرن السادس عشر، إذ أشعل الصراع حول ولاية عهده، بإقصائه شقيقه الشريف عبد الملك السعدي منها، وتولية ولده محمد المتوكل بدلًا منه. وقد حاول "الغالب" قتل شقيقه "عبد الملك"، لكن الأخير فطن لذلك وفر مع شقيقه الأصغر أحمد المنصور الذهبي إلى مقر العثمانيين الأتراك في الجزائر.
في الجزائر، وجد الأتراك في اللجوء السياسي للشريفين السعديين فرصة ممتازة أعادت لهم الأمل في الاستيلاء على المغرب الأقصى من جديد. فقاموا بإرسال اللاجئين إلى إسطنبول للقاء السلطان العثماني مراد الثالث، الذي وعدهما بدوره بتقديم العون العسكري ضد شقيقهما في فاس.

في ظل تلك الأزمة، توفي عبد الله الغالب وحل مكانه ابنه محمد المتوكل. لكنه لم يهنأ طويلًا بخلافة أبيه. ففي عام 1576، تحقق النصر لعبد الملك السعدي على المتوكل، وتمكن من دخول فاس بمعاونة جيش عثماني على رأسه قائد تركي يدعى رمضان العلج. وقد فر المتوكل في إثر ذلك إلى سبتة طالبًا النجدة من ملك البرتغال "سبستيان" ضد عمه.
وافق الملك سبستيان فورًا على مساعدة المتوكل، ورآها فرصة لا بد من انتهازها لتحقيق أحلامه الصليبية في احتلال المغرب الإسلامي. ولذلك، أبرم صفقة مع الشريف المتوكل الهارب، يعود بموجبها الأخير إلى عرشه في فاس، بينما تحصل البرتغال على كل سواحل المغرب وقلاعها وحصونها وبعض المدن الداخلية مثل أصيلة.

وفقًا للمصادر المغربية من تلك الفترة، فإن تلك الصفقة أغضبت مسلمي المغرب بشدة، وأبعدتهم عن نصرة المتوكل. وفي المقابل، حصل سبستيان على مباركة البابا لتسيير حملته «الصليبية» إلى المغرب. واحتشد في معسكر الملك البرتغالي قبل العبور إلى الساحل المغربي آلاف الجنود من أنحاء أوروبا، خصوصًا من إسبانيا وألمانيا وإيطاليا، تحركهم نفس الدوافع الصليبية القديمة التي كانت مزجًا بين الطمع في الغنائم، وشراء الغفران عبر سفك دماء المسلمين. وفوق ألف مركب، انتقل الحشد الصليبي إلى أرض المغرب، وعسكروا جميعًا في وادي المخازن بمدينة القصر الكبير، حيث ضرب معهم الشريف عبد الملك السعدي موعدًا للحرب.

وصلت أنباء الحشود المسيحية الأوروبية إلى السلطان مراد الثالث في إسطنبول. وقد أرسل فعلًا إلى رجاله من الإنكشارية في الجزائر يأمرهم بإرسال فرقة عسكرية إلى المغرب الأقصى، قوامها 5 آلاف جندي وتحت إمرة رمضان العلج. ولكن لم تكن تلك المجموعة لنصرة السعديين ضد ملك البرتغال كما كان مفترضا. وإنما لهزيمة البرتغاليين، والتخلص من حليف العثمانيين الشريف عبد الملك السعدي نفسه، لأن ذلك كان يعني خلو فاس من أي منافس لإسطنبول، وبالتالي خضوعها أخيرًا.

وقد كتب المؤرخ الناصري السلاوي صاحب موسوعة «الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى» في ذلك، نقلا عن مؤرخ معاصر لمعركة وادي المخازن، يدعى ابن القاضي تعقيبه على سقوط الشريف عبد الملك السعدي صريعًا قبل لحظات من اشتعال المعركة. يقول ابن القاضي: «كان سبب وفاة السلطان أبي مروان (الشريف عبد الملك) أنه سقي سمًا. وذلك أن قائد الترك، واسمه رمضان العلج بعث إلى بعض قواده أن يتلقاه بكعك مسموم هدية للسلطان المذكور وقت مرورهم عليه. وقصد بذلك قتله، وذلك بعد أخذه به مدينة فاس ليثبت لهم الملك بها، فلم يكمل الله مرادهم لما شهدوه من عظيم جيش المغرب فهذا كان سبب موته رحمه الله».

رغم الخيانة العثمانية، والتي كان من شأنها زلزلة المغاربة قبل حرب الصليبيين، فإن تولي أحمد المنصور الذهبي زمام الأمور سريعًا، وإخفائه وفاة شقيقه على العادة في تلك اللحظات العصيبة، كتب النصر المبين لأهل المغرب فوق أعدائهم في وادي المخازن (أغسطس 1578)، رغمًا عن الأخيرين وكثافتهم، ورغمًا عن العثمانيين وأطماعهم.
في ساحة المعركة، أمر المنصور الذهبي بتدمير القنطرة الواقعة على نهر وادي المخازن. ثم طوق مع فرسانه القوات الأوروبية وحاصرها بين حد السيف والغرق، فمات الملك البرتغالي سيباستيان غريقًا في النهر، بينما قتل محمد المتوكل فوق ساحة الحرب. وأصبحت وفاة الشريف عبد الملك، والمتوكل، إضافة إلى سيباستيان سببًا في أن تعرف معركة وادي المخازن باسم آخر هو «معركة الملوك الثلاثة»، كناية عن سقوط ثلاث زعماء من الطرفين المتصارعين في يوم واحد.


بعد المعركة
بعد انتصار وادي المخازن، وسقوط البرتغال وضمها إلى التاج الإسباني، أصبح على أحمد المنصور الذهبي أن يواجه تنافسًا كبيرًا على بلاده بين القوتين العظميين آنذاك: الدولة العثمانية، وإسبانيا.
يقول محمد نبيل ملين في كتابه «السلطان الشريف: الجذور الدينية والسياسية للدولة المخزنية في المغرب»: «خوفًا من التدخل الإسباني أو العثماني المباشر في المغرب بعد معركة وادي المخازن، تحول المنصور الذهبي إلى الدبلوماسية، فقد أرسل بعد الانتصار بأيام قلائل فراء لإعلام سادة العالم بما حدث وخاصة ملك إسبانيا وملكة إنجلترا وملك فرنسا والسلطان العثماني... وفي الوقت الذي كان يظهر نوايا طيبة للإسبان والبرتغاليين بتسليم جثة الملك سيبستيان وتحرير العشرات من النبلاء من دون مقابل وتمكين التجار الإسبان من الإقامة بالمغرب كان يتجنب بل يهمش ممثلي الباب العالي». ولا بد أن الحقيقة الأخيرة كان مردها وقوف الذهبي على ما قام به العثمانيون قبيل المعركة، وطموحهم لانتزاع المغرب من السعديين.
يتابع ملين: «وفي 1579، أرسل الذهبي سفارة إلى السلطان العثماني مراد الثالث يبلغه بالنصر. ورغم أن إسطنبول استقبلت الخبر بإيجابية فإن مراد الثالث اعتبر أن النصر عثماني ولا ينسب في شيء للسلطنة السعدية. وقد أكد مراد الثالث على هذه النقطة في رسالة موجهة إلى أحمد الذهبي يوصيه فيها بالاستمرار في الجهاد والتعاون مع الوالي حسن حاكم الجزائر».

أتبع ذلك وصول «السفارة العثمانية التي كان يقودها مفتي الجزائر أبو الطيب الخضر البسكري إلى مراكش في نفس العام، وكان هدفها المعلن تهنئة السلطان الذهبي وتقديم مجموعة من الهدايا باسم السلطان مراد الثالث. ورمزية هذه الهدايا واضحة جلية، فمراد يعتبر الذهبي واحدا من تابعيه يدين له بالولاء التام، وهو ما رفضه سلطان المغرب مؤكدًا على أنه مستقل عن إسطنبول، الأمر الذي جعل من تلك السفارة بداية القطيعة بين السلطنة الشريفة وبين الدولة العثمانية». 
أضف إلى ذلك، أن العثمانيين بدأوا في تدبير انقلاب داخل البيت السعدي للإطاحة بالمنصور الذهبي. فقد دعموا تصعيد الأمير مولاي إسماعيل بن عبد الملك على المغرب، بعد أن تزوجت أمه من باشا الجزائر. ولكن قبل أن يبدأ الطرف العثماني في تفعيل المؤامرة ضد فاس، جاء اغتيال الصدر الأعظم صوكولو محمد باشا في إسطنبول (1578) ليوقف المخطط.

يقول محمد نبيل ملين: «ثم بلغت الأزمة العثمانية المغربية ذروتها في بداية 1581 حتى كانت القوتان الإسلاميتان على أبواب الحرب. فتحت تأثير معسكر أنصار الحرب الذي يقوده علوج علي حاكم الجزائر، أمر السلطان مراد الثالث هذا الأخير نفسه بقيادة أسطول من 60 سفينة و8 آلاف رجل لفرض الهدوء بالجزائر والإضرار بحكم فاس. ولكن رجال البلاط العثماني من الراغبين في التهدئة وعدم فتح جبهة صراع جديدة، وكان العثمانيون في ذلك الوقت يحاربون في إيران ضد الصفويين، عمدوا إلى توصية السلطان بعزل علوج علي عن الجزائر، واستبداله بباشا آخر يتبع سبل السلام مع المنصور الذهبي».

يتابع ملين: "بعد ذلك، اعتمدت المغرب لعبة مزدوجة لاحتواء الباب العالي. ففي العلن تواصلت العلائق الدبلوماسية بشكل طبيعي. أما في السر، فقد كان أتباع السلطان الشريف يقومون بحملة دعائية نشطة لفائدة سيدهم في مختلف الولايات العربية للدولة العثمانية. وكان الهدف هو نسج شبكة علاقة قوية لتكوين نوع من قوة الضغط المساندة للسلطنة الشريفة تستعمل في حالة الأزمات، أو الصراعات مع الباب العالي". وكانت تلك الدعايات تركز على حقيقة أن المنصور الذهبي هو الأحق بخلافة المسلمين بحكم نسبه الشريف، مقابل العثمانيين الذين يحكمون قلب العالم الإسلامي بقوة الغلبة وقهر السيف، لا بقوة الشرع. ومن الضروري الإشارة هنا إلى الخلافة التي كان يشير إليها دعاة المنصور الذهبي، أو حتى التي كان سلاطين آل عثمان ينادون أنفسهم بها في ذلك الوقت، لم تكن هي نفسها الخلافة الإسلامية على النمط السني القديم، وإنما وفقا لرؤية صوفية ذاعت بين منظري السياسة الشرعية المسلمين في القرن الـ16، وعقب وفاة آخر خليفة عباسي في القاهرة خلال العام 1543، وهذه الرؤية تقوم اعتبار الخليفة، سواء في النسخة العثمانية أو السعدية، «خليفة الله» وليس «خليفة رسول الله»، وهو مقام في التراتبية الصوفية، يمنح لصاحبه مكانة مساوية للأنبياء وأقطاب الصوفية الكبار.

إلى جانب ذلك، استغل الذهبي أيضًا حالة الأزمة العامة التي عاشها العثمانيون بسبب حربهم ضد إيران، ونتيجة الثورات التي اشتعلت ضدهم في الشام وجبل لبنان وليبيا والجزائر بل وفي الأناضول نفسه، لقطع العلاقة نهائيا مع الباب العالي سنة 1587. وكانت تلك القطيعة المتعمدة من قبل المنصور للتأكيد على سيادته واستقلال سلطنته. وقد أرسل في مارس 1589، سفارة إلى إسطنبول برئاسة علي بن محمد التمكروتي والكاتب الوزير محمد بن علي الفشتالي، بقيت في العاصمة العثمانية أكثر من ثمانية أشهر، كانت تأكيدا جديدا على عدم خضوع المغرب بأي صورة - إسمية أو رسمية - للعثمانيين. ففي نص رحلة التمكروتي، والذي دونه عقب عودته إلى المغرب من تلك السفارة، تراه يكتب عن البلاد العربية الخاضعة لسيادة العثمانيين: «الترك جاروا على أهل تلك البلاد وأفسدوها، وضيقوا على أهلها في أرضهم وديارهم وأموالهم إلى غير ذلك من الذل والإهانة، هذا وأهل إفريقية في كثرة اشتياقهم وحنينهم إلى حكم موالينا الشرفا، تالله لقد كنا من تحدثنا معه من خيار أهل تونس وأعيان مصر الذين لقيناهم بالقسطنطينية يبكون على ذلك، ويودون لو وجدوا سبيلًا إلى الانتقال إلى المغرب والتخلص إليه لاشتروه بالدنيا وما فيها».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع