«إذا أردت الزواج ادفع».. حكاية «أليَسَق العثماني» في مصر والشام

القاهرة العثمانية

القاهرة العثمانية

كتب: خالد أبو هريرة

بين عامي 1516 و 1517، أتم العثمانيون بقيادة السلطان سليم الأول غزو مصر والشام، بعد تغلبهم على المماليك الشراكسة. وبعد أن ظن الفقهاء في القطرين العربيين، أن الحكام الجدد سوف يحافظون على الأوضاع القانونية والتشريعية القائمة والمستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية، فإن العثمانيين -وبعد أن استتبت لهم الأمور- سرعان ما خيبوا آمال هؤلاء، بعد أن عمدوا إلى خلق بنية جديدة في سلك الوظائف الدينية يضمن ولاء الشام ومصر لإسطنبول، وكذلك فرض ضرائب جديدة اعتبرها الفقهاء مجانبة لصحيح الدين، كان من أبرزها وأكثرها إثارة للجدل، الضريبة التي أقروها على عقود الزواج، والتي عرفت باسم «أليسق العثماني».

بدأ تطبيق أليسق العثماني في مصر والشام بعد اعتلاء السلطان سليمان القانوني عرش الدولة العثمانية العام 1520، حيث قام كل من جان بردي الغزالي، الحاكم العثماني للشام، وخاير بك، الحاكم العثماني لمصر، وكلاهما كان من المماليك الشراكسة الذين انضموا إلى صفوف سليم الأول أثناء غزوه الشرق الإسلامي، بإعلان نية الدولة العثمانية فرض ضريبة على عقود الزواج يقوم بجبايتها القاضي المشرف على توقيع العقد بين الزوجين، بواقع 6 دراهم في زواج البكر، و4 في زواج الثيب.

أثار القرار ثورة الفقهاء في مصر والشام. ففي الأخيرة، ينقل الدكتور خالد زيادة في كتابه (كاتب السلطنة)، قول العالم الدمشقي، نجم الدين الغزي في أليسق: «أليسق ليس من الشريعة بشيء، بل هو جهل بها، ومن عادات علماء الأتراك التي لا يعرفها ولا يقرّها علماء الشام ومصر». ويتابع زيادة: «اعتبر العمل بـ أليسق بمثابة فتنة حصلت في الدين: لما دخلت هذه الدولة العثمانية، وضربت المكس على الأحكام الشرعية حتى على فروج النساء. وحسب نجم الدين الغزي، فإن علي بن محمد المقدسي الشيخ الإمام كان يقول: «أي فتنة أعظم من ذلك، وقد لحقه القهر على دين الإسلام وتغيير الأحكام».

أما في مصر، فينقل لنا المؤرخ ابن إياس في كتابه الشهير (بدائع الزهور في وقائع الدهور) الحكاية التالية:
«وفي يوم السبت (7 محرم سنة 928 هـ)، نزل ملك الأمراء (اللقب الذي منحه العثمانيون لـ خاير بك أثناء ولايته على مصر) من القلعة وتوجه إلى تربة العادل التي بالريدانية وجلس هناك على المصطبة.. وانشرح في ذلك اليوم إلى الغاية. فبينما هو على ذلك، إذا بجماعة من مجاورين جامع الأزهر وكانوا نحو مائة إنسان من طلبة العلم، فقال ملك الأمراء: ومن هؤلاء؟ فقيل له جماعة من فقهاء جامع الأزهر لهم حاجة.. فقال يحضر عندي جماعة من أعيانهم. فحضر بين يديه الشيخ شمس الدين محمد اللقاني المالكي، والشيخ شمس الدين محمد الديروطي الشافعي، والشيخ شهاب الدين الرملي، والدنجلي الشافعي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن الجلبي، وآخرون من العلماء. فلما اجتمعوا قالوا: يا ملك الأمراء قد أبطلتم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر النكاح، وصرتم تأخذون على زواج البكر 60 نصفًا وعلى زواج المرأة 30 نصفًا، ويتبع ذلك أجرة الشهود ومقدمي الوالي وغير ذلك وهذا يخالف الشرع الشريف. وقد عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خاتم فضة وعلى 6 أنصاف فضة، وعقد على آية كتاب الله تعالى، وقد ضعف الإسلام في هذه الأيام، وتجاهرت الناس بالمعاصي والمنكرات وتزايد الأمر في ذلك. ثم ذكروا له آيات من كتاب الله تعالى وأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يلتفت ملك الأمراء إلى شيء من ذلك، وقال للشيخ شمس الدين اللقاني: اسمع يا سيدي الشيخ إيش كنت أنا؟. الخوندكار (أحد ألقاب السلطان العثماني، ويقصد هنا سليمان القانوني) رسم بهذا. وقال: امشوا في مصر على أليسق العثماني. فقال له شخص من طلبة العلم يقال له الشيخ عيسى المغربي: هذا يسق الكفر، فحنق منه ملك الأمراء ورسم بتسليمه إلى الوالي يعاقبه، فتوجهوا به إلى بيت الوالي ثم شفع فيه بعض الأمراء».

ومن متابعة حوليات ابن إياس، نفهم أن أليسق العثماني ظل متسببًا في اضطراب العلاقة بين فقهاء مصر من جهة، وخاير بك ممثل السلطة العثمانية من جهة أخرى. فكان الدعاء عليه من قبل العلماء -وبالتبعية من الشعب- دائمًا مستمرًا، كما أصبح أهل المحروسة لا يفوتون فرصة يلتقون فيها ملك الأمراء، خاصة في صلاة الجمعة، إلا ويواجهونه بانتقاد ضريبة الزواج المخالفة لحكم الشرع الإسلامي.

وإذا كانت تلك الغضبة لم تغنِ من المصريين أو الشوام شيئًا، إذ استمر أليسق العثماني يطبق كما أرادت السلطة المركزية في إسطنبول، فإن السنوات التالية لتطبيق الضريبة شهدت إجراءات جديدة من قبل العثمانيين ضد جبهة الفقهاء في القطرين، حيث ألغي النظام القديم القائم على التقاضي في مصر والشام وفقًا للمذاهب الأربعة، وحل محله آخر يقوم على حصر السلطة القضائية العليا في قضاة المذهب الحنفي، المذهب الرسمي للدولة العثمانية، مع تعيين نواب عن المذاهب الأخرى للمعاونة. وضمانًا لتبعية القاضي الحنفي في القاهرة أو دمشق للسلطان العثماني، فقد صار يختار من بين صفوف الأتراك لا الناطقين بالعربية. وهو الأمر الذي تكرر في بقية قطاعات الدولة، مثل ديوان الإنشاء والمالية والجيش، وأصبحت تلك نقطة البداية في تراجع النخب التقليدية في مصر والشام، ومعها تكلس اللغة العربية التي لم تعد اللغة الرسمية للدولة حتى في الأقاليم الغالب عليها التكلم بلغة الضاد. وهو أمر استمر لـ 3 قرون كاملة، ولم ينتهِ أخيرًا إلا مع وقوع مصر وسوريا تحت حكم محمد علي باشا في القرن الـ19، حين عاد الاهتمام باللغة العربية والناطقين بها من جديد.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع