«إيرام».. مركز تركي للدراسات الاستراتيجية تتهمه إيران بالعمل ضدها

مركز (إيرام) - أنقرة

مركز (إيرام) - أنقرة

كتب: خالد أبو هريرة

على هامش الأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين تركيا وإيران، ألقى مستشار الرئيس الإيراني حسام الدين آشنا -وهو مفكر سياسي إيراني يترأس مركز الدراسات الاستراتيجية في طهران الذي يوصف بأنه الذراع البحثية لمكتب الرئاسة في الجمهورية الإسلامية- باللائمة على مركز الدراسات الإيرانية (إيرام)، وهو مركز تركي للدراسات الاستراتيجية مختص بالشأن الإيراني، إذ غرد قائلًا «إن الاعتماد على نصائح مثل تلك التي يقدمها (إيرام) لا يمكنه أن يؤدي إلى نتائج مختلفة».

فما هي طبيعة عمل (إيرام)، الذي يتهمه بعض السياسيين الإيرانيين بالعمل على تفكيك إيران، عبر إثارة النزعة الانفصالية لدى الأقليات الإثنية التي تعيش بين ظهراني الجمهورية الإسلامية؟!

افتتح مركز الدراسات الإيرانية (إيرام) في العاصمة التركية أنقرة العام 2016. والقائمون عليه، يعرفونه على الموقع الإلكتروني الخاص بالمركز بأنه الأول من نوعه في تركيا الذي يتخصص في وضع الأبحاث المتعلقة حصرًا بإيران والشؤون الإيرانية، بعد أن كانت الأخيرة تدرج فحسب ضمن اهتمامات المراكز الاستراتيجية التركية ذات الطابع العام وغير المتخصص إقليميا. على العكس من الولايات المتحدة الأمريكية مثلًا، التي تملك وحدها 20 مركزًا للدراسات الإيرانية.

اعتبر القائمون على (إيرام) ذلك تقصيرًا استراتيجيًا من أنقرة، تجاه خصمها ومنافسها الإقليمي الرئيس على منطقة الشرق الأوسط منذ العصر العثماني، الذي لا تخلو العلاقة معه رغم تلك الحقيقة -خاصة في العقدين الأخيرين- من تعاون اقتصادي كبير وناجح. وهذه الصلات المعقدة بين تركيا وإيران الذي تنطبق عليه الصفة المزدوجة «العدو- الصديق»، إضافة إلى ما أسماه تعريف المركز بـ«اهتمامات إيران المتزايدة بالشرق الأوسط وتركيا»، يحتاج -وفقًا لمدراء (إيرام)- دراسة وافية لكل ما يتعلق بالعالم الإيراني، من دراسة الثقافة، والتاريخ الإيرانيين، إلى تشريح المجتمع والسياسة والاقتصاد في إيران، بغية إيقاف تركيا على أفضل السبل للتعامل مع الطبيعة المعقدة والمتشابكة للسياسات الإيرانية الخارجية، خصوصًا بالطبع تجاه جيرانها.

رغم أن ذلك المدخل المنهجي، الذي عرف به (إيرام) نفسه، يجعل منه استنساخًا لتجربة مراكز الدراسات الاستراتيجية، ومختبرات دراسات المناطق المستمرة إلى اليوم، التي دأب التشكيل الأمريكي- غرب أوروبي على تأسيسها منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لدراسة المناطق الجغرافية المختلفة التي يرغب في احتوائها عبر العالم -وهو ما فهمه آليًا (حسام الدين آشنار) وغيره من السياسيين الإيرانيين المتهمين لدور إيرام في السياسة الخارجية التركية تجاه طهران- فإن القائمين على المركز يحاولون الإشارة إلى أن الهدف النهائي من عملهم هو «تقريب وجهات النظر بين تركيا وإيران». وهو ما لا يبدو أن الأوراق المنشورة على الموقع الإلكتروني لـ(إيرام) تشجعه إلى حد بعيد.

فالموقع الذي تتوزع اهتماماته الإيرانية على 8 أبواب، هي: (السياسة الداخلية، السياسة الخارجية، الاقتصاد، المجتمع/ الثقافة، الدراسات الشيعية، الدراسات الأمنية، الرأي، تعليقات)، يمكن للمطلع على أوراقه البحثية، ومقالات الرأي فيه، أن يتبين مثلًا قدر الاهتمام الذي يوليه المركز بوضع الأقليات الإثنية في إيران، خصوصًا الأقلية التركية- الأذرية على الحدود الشمالية مع أذربيجان، التي تمثل إشكالًا كبيرًا للدولة الإيرانية بسبب حجمها الكبير، وصلاتها الوطيدة مع كل من تركيا وأذربيجان. ومقال مدير مركز (إيرام)، حقي أويغور بعنوان (الموقف الإيراني من مسألة ناغورنو- كاراباخ) والمنشور على الموقع الإلكتروني للمركز في 30 أكتوبر 2020، يقف دليلًا قويًا لإثبات ما سبق.

ففي المقال الذي نشره أويغور أولًا عبر جريدة (صباح) التركية، في 24 أكتوبر 2020 ثم نشره في (إيرام)، يركز الكاتب على بزوغ نجم الإثنية التركية- الأذرية في شمال إيران على هامش الحرب الأرمنية الأذرية الأخيرة في إقليم ناغورني كاراباخ، فيشير إلى حقيقة كونها الإثنية الأكبر عددًا على الإطلاق فوق الأراضي الإيرانية (التقديرات غير الرسمية وفقًا لـ حقي أويغور ترفع عدد أفراد الإثنية التركية- الأذرية في إيران إلى نحو 13 مليون نسمة، أي أكثر من عدد سكان جمهورية أذربيجان نفسها والمقدر بنحو 10 مليون نسمة)، وأثر ذلك في ما يمكن اعتباره تكبيل الدعم الإيراني لأرمينيا ضد أذربيجان، خوفًا من ردود فعل عنيفة ضد نظام الملالي. كما يؤكد المقال على تهميش الإثنية التركية - الأذرية في الميديا الإيرانية، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها على مستوى المدنيين والعسكريين في الحرب التي تشنها إيران ضد المجموعات الانفصالية الكردية شمال غرب البلاد. وهو ما أدى في النهاية -وفقا لأويغور- إلى تقوية نزعة قومية لدى أفراد تلك الأقلية، تزيد من ربطها بالجانب الآخر من الحدود في أذربيجان، إضافة إلى تركيا، أو الوطن الأم لكل أبناء العرق التركي. وأويغور يلخص تلك النزعة في الأغنية الشعبية التي تتردد على نطاق واسع في أوساط الإثنية التركية- الأذرية بإيران، التي تقول: «الشهداء لا يموتون، الوطن لا يجزأ».

كان هذا ملخص ما كتبه حقي أويغور في مقاله، وهو يمنح الآن التهمة التي وجهها مستشار الرئيس الإيراني لعمل (إيرام) صبغة منطقية. كما يمكن أيضًا من خلاله الوقوف على السبب وراء الغضب الرسمي الجارف من الدولة الإيرانية تجاه إلقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قصيدة الشاعر القومي الأذري «بختيار وهاب زاده» أثناء حضوره احتفالات العاصمة الأذرية باكو بالنصر على أرمينيا. فإيران تنظر إلى الواقعة، لا باعتبارها مجرد حماسة فرضها الحفل الصاخب بالنصر، وإنما كخطة ممنهجة من أنقرة لاستخدام الإثنية التركية- الأذرية ضد إيران، عبر التشديد على إيمان تركيا بعدالة النزعة الانفصالية لدى تلك الأقلية. وإذا كانت مثل تلك الخطة تجد المعين الأيديولوجي لها في خطاب الحركة القومية التركية المتطرفة برئاسة دولت بهتشلي، حليف أردوغان الوثيق، فإنها كذلك -وفقا لإيران- تجد التربة الأكاديمية الصالحة لنشأتها في العمل البحثي لمركز (إيرام). والهدف النهائي لتركيا من كل ذلك -ربما كما تشير بعض التحليلات الحديثة- تقديم قربان للإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة الديمقراطي جو بايدن، عبر الضغط على «العدو- الصديق» الإيراني، وخلق المشكلات له.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع