«أفق أولوتاش» سفير تركيا الجديد في إسرائيل: جواد أنقرة المكبل بالقيود

أفق أولوتاش

أفق أولوتاش

كتب: خالد أبو هريرة

من جديد، عادت العلاقات التركية الإسرائيلية إلى واجهة التحليلات الخاصة بتطورات الشرق الأوسط، وذلك بعد أن نشرت أمبرين زمان، الصحفية والمراسلة بموقع «المونيتور»، تقريرًا حول اختيار أنقرة سفيرًا جديدًا لتمثيلها في إسرائيل، في خطوة هدفها إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بعد فترة من القطيعة وسحب السفراء امتدت من مايو من عام 2018 وحتى اليوم.

زمان، وبناء على مصادر مقربة من الدوائر السياسية الفاعلة في تركيا، أكدت أن السفير التركي الجديد سيكون هو أفق أولوتاش، صاحب الـ40 ربيعًا، ورئيس مركز الأبحاث الاستراتيجية في وزارة الخارجية التركية، والسياسي المؤيد لأفكار حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي درس وفقا لتعريف «المونيتور»، اللغة العبرية والسياسات الشرق الأوسطية في الجامعة العبرية بالقدس، وعمل مديرًا لمؤسسة سيتا، مركز الأبحاث المدعوم من الحكومة التركية، وكتب عدة أوراق بحثية حول سياسة الشرق الأوسط والتاريخ اليهودي. كما يعتبر أيضًا خبيرًا في الشؤون الإيرانية. وتصفه المصادر التركية بـ«الودود والماهر للغاية، والداعم الكبير للفلسطينيين».

رغبة تركيا في إعادة العلاقات الرسمية مع إسرائيل خلال هذا التوقيت تحديدًا، عبر تعيين دبلوماسي غير مهني مثل أولوتاش في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات التركية الإسرائيلية، هي - طبقا للتحليلات الرائجة - محاولة من نظام الرئيس رجب طيب أردوغان استخدام تل أبيب، للإفلات من أيام صعبة يترقب المرور بها عقب اختيار إدارة أمريكية جديدة بقيادة الديمقراطي جو بايدن، تنوي مراجعة الموقف الرسمي لواشنطن تجاه تحركات تركيا في الشرق الأوسط، خاصة ضد الأكراد في سوريا، وضد اليونان - عضو الناتو - في شرق المتوسط. إضافة إلى التقاربات بين النظام التركي وروسيا، والتي ارتقت إلى شراء الأول منظومة S-400 الدفاعية الصاروخية من الثانية. وقد فرضت الولايات المتحدة بالفعل عقوبات مبكرة على تركيا بسبب الصفقة الأخيرة، قبل حتى وصول بايدن نفسه لاستلام السلطة رسميا في البيت الأبيض يناير من العام 2021.


ولكن ما مدى احتمالية النجاح لخطة الرئيس التركي؟! 

الحقيقة، فإن ثلاث مسائل تبعد المراقبين عن التفاؤل الكبير بتأثير الخطوة التركية. أولها، طبيعة العلاقة المضطربة التي تجمع تركيا بإسرائيل منذ عام 2010 وحتى الآن، ومدى قدرة أنقرة على الوفاء بتعهداتها لتل أبيب بعدم العودة إلى الممارسات التي تراها الأخيرة سببا أساسيا في الخلاف بين الطرفين. وثانيها، موجة التطبيع العربية الأخيرة مع إسرائيل، وتعارضها الآني مع تدشين علاقات دبلوماسية شاملة بين الكيان الصهيوني وتركيا. وآخرها، الظروف الداخلية التي تمر بها إسرائيل نفسها، حيث الإقبال على انتخابات سيكون فيها شكل العلاقة بين الإدارة الإسرائيلية المنتخبة الجديدة وبين تركيا أردوغان، أحد أكثر الأمور المؤثرة على مسار الحملات الدعائية للمتنافسين على رئاسة الحكومة في تل أبيب.

بالنسبة للنقطة الأولى، فإن عام 2018 شهد عودة التوتر بين تركيا وإسرائيل، بعد عامين فقط من استئناف تبادل السفراء بين البلدين، على إثر اعتذار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لأردوغان (2013) عن حادث السفينة ماوي مرمرة (2010)، ودفع تعويضات لأسر الضحايا الأتراك. في هذه المرة، لعب افتتاح السفارة الأمريكية في القدس بدلا من تل أبيب (14 مايو 2018)، في خطوة أقدم عليها الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب وعنت الاعتراف بالقدس عاصمة منفردة للكيان الصهيوني وليس عاصمة مشتركة لدولتين منفصلتين فلسطينية وإسرائيلية، ثم مقتل نحو 60 فلسطينيا برصاص جنود الاحتلال على الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة، أثناء احتجاجهم على افتتاح السفارة الأمريكية في مقرها الجديد، لعب كلا من الحادثين، دورا حاسما في قرار الرئيس التركي أردوغان قطع علاقته الدبلوماسية بإسرائيل، من خلال استدعاء سفيره في تل أبيب، مقابل طرد السفير الإسرائيلي "إيتان نائيح" من أنقرة، ومعه القنصل الإسرائيلي في إسطنبول. وقد تعرض "نائيح" للإهانة من قبل سلطات الأمن التركي في مطار إسطنبول، عندما أجبر على خلع حذائه أثناء عملية تفتيشه، الأمر الذي ردت عليه الحكومة الإسرائيلية بطرد القنصل التركي العام في القدس إلى بلاده.

بالنسبة لإسرائيل، لم تكن الخطوة التي قام بها أردوغان مفاجئة، وإنما اعتبرت حلقة جديدة في سلسلة من الأفعال التي قام بها الرئيس التركي ضد الكيان الصهيوني وقادته منذ حادث انسحابه من مؤتمر دافوس الاقتصادي (2009) احتجاجا على وجود الرئيس الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز، في محاولة لاعتماد نفسه بطلا للقضية الفلسطينية داخل العالمين العربي والإسلامي. هذه البطولة التي تعارضت - ولا زالت - مع استمرار العلاقات التركية الإسرائيلية في العديد من المجالات، خاصة الاقتصادية حيث يتنامى حجم التجارة بين البلدين ويحتفظ بمعدله السنوي بين 4.5 و6 مليار دولار في نفس لحظات القطيعة الدبلوماسية والحروب الكلامية بين أردوغان ونظيره الإسرائيلي نتنياهو، هي أكثر ما تزعج إسرائيل، لأن الساسة في تل أبيب لا يرغبون أبدا في لعب دور المطية التي يستخدمها أردوغان للنفاذ إلى قلوب المسلمين والعرب. واليوم، لن يقبل هؤلاء أيضا بدور الجسر الذي يعبر فوقه أردوغان إلى إدارة جو بايدن، طالما لم يتعهد الرئيس التركي بعدم العودة إلى سابق تصريحاته أو سياساته ضد إسرائيل.

هذا عن سياق العلاقات بين أنقرة وتل أبيب. أما عن تأثير موجة التطبيع العربي الأخيرة مع إسرائيل، والتي قامت بها بلدان الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، والسودان، وأخيرا المملكة المغربية، فلا شك أنها سوف تلعب دورا مهما في إبطاء حماسة الجانب الإسرائيلي لإعادة التواصل الدبلوماسي مع الطرف التركي. وكما ترجح أمبرين زمان"، فإن تل أبيب لن ترد على خطوة اختيار "أفق أولوتاش" بإرسال سفير يمثلها في تركيا قبل الاطمئنان على إتمام عمليات التطبيع مع الدول العربية بالكامل، وذلك خوفا من أن يؤدي الأمر إلى إغضاب الإمارات تحديدا، والتي تخوض صراعا معلنا ضد تركيا في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. كما أن دخول إسرائيل في علاقات دافئة مع العرب بصورة عامة، يجعلها أقل تعجلا على إعادة علاقتها الرسمية بتركيا، بما أن أسباب الاحتياج الصهيوني إلى الأتراك كحليف قادر على فك الحصار الجغرافي العربي الخانق على إسرائيل قد زالت، على الأقل كما يبدو حاليا للعيان.

أخيرا، فإن الموقف الصعب الذي يعيشه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الوقت الحالي قبل عقد الانتخابات النيابية المقبلة في تل أبيب، ويتجلى في استطلاعات الرأي التي تشير إلى تقدم الحزب اليميني الإسرائيلي المتشدد (يمينا)، على حزب نتنياهو اليميني الأقل تطرفا (الليكود)، لن يمكنه من تقديم هدية لخصومه السياسيين بالإقدام على تفعيل علاقات دبلوماسية مع أردوغان، والذي أصبح في الخيال السياسي للإسرائيليين، حليفا متذبذبا لا يمكن الوثوق به.

بالجمع بين العوامل الثلاثة السابقة، يبدو من الصعب التكهن بفاعلية تعيين "أفق أولوتاش" سفيرا جديدا لتركيا في إسرائيل - رغم خبراته الممتازة بالشأن الإسرائيلي والفلسطيني معا - سواء على علاقة أنقرة المستقبلية بالإدارة الأمريكية الجديدة المنتخبة تحت قيادة جو بايدن، أو حتى على العلاقات الثنائية بين تركيا وإسرائيل. لأن أولوتاش يبدو جوادا مكبلا بقيود ثقيلة فرضتها الطبيعة المعقدة لعلاقة أنقرة بتل أبيب في ظل حكم العدالة والتنمية، وكذلك في ظل الظرف الإقليمي الراهن. والسفير التركي الجديد - كما أوضح تسفي برئيل في ها آرتس الإسرائيلية -يدرك هذا تماما بإشارته إلى اختلاف العلاقات التركية الإسرائيلية عما كانت عليه في حقبة التسعينيات والتي توصف في الأدبيات السياسية بشهر العسل التركي الإسرائيلي. ولعل هذا كله هو ما يفسر بوضوح عدم الإعلان حتى الآن من قبل الجانب التركي عن موعد سفر "أولوتاش" لتولي مهام منصبه في تل أبيب. كما يظهر أيضا في الصمت الإسرائيلي الرسمي حتى الآن تجاه الخطوة التركية، وعدم اتضاح الصورة بخصوص نية الكيان الصهيوني الرد عليها بالمثل، أي باختيار سفير جديد لها في أنقرة، يعيد التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى ما كان عليه قبل مايو من العام 2018.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع