الطاعون الكبير 1818: رفض الحجر الصحي يكلف تونس العثمانية نصف سكانها

الطاعون كما كان يصور في الخيال الأوروبي: وحش يأكل الآدميين

الطاعون كما كان يصور في الخيال الأوروبي: وحش يأكل الآدميين

كتب: خالد أبو هريرة

في العام 1818، ضرب الطاعون تونس بقسوة، حتى أشار المؤرخون، وقد أطلقوا عليه "الطاعون الجارف"، أو «الطاعون الكبير» إلى إهلاكه نصف سكان الولاية العربية التي كانت لا تزال في ذلك الحين جزءًا من الدولة العثمانية. وقد كان للخلاف الفقهي الذي احتدم في ذلك الوقت بين فقهاء الشرع الإسلامي في تونس حول جدوى الكرنتينا (أو الحجر الصحي)، ومناصرة باي تونس محمود باشا، وهو ممثل السلطان العثماني في البلاد، للرأي الرافض اعتماد الحجر الصحي لمقاومة انتشار الطاعون، سببا -في رأي المؤرخين المعاصرين- للزيادة الهائلة في أعداد الضحايا.
وتونس، مثلها مثل أي إقليم في العصور ما قبل الحديثة، عانت الأمرين من انتشار مرض الطاعون بين سكانها. وفي العصر العثماني مثلًا، والذي يبدأ العام 1574 وينتهي بالاحتلال الفرنسي العام 1881، يذكر المؤرخ التونسي محمد مقديش (توفي 1813)، في كتابه (نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار) واقعتين تاريخيتين انتشر فيهما الطاعون بالديار التونسية بصورة مهلكة. الأولى وقعت بين عامي 1688 و 1689، نقل مقديش عن المؤرخين السابقين أن الطاعون خلالها كان يقتل 900 شخص يوميًا. والثانية عاصرها مقديش بنفسه في مدينة صفاقس التونسية بين عامي 1784 و 1785، وقال إن الطاعون كان خلالها فتاكًا لحد إجهازه على كافة شعراء صفاقس. وهناك روايات معاصرة لتاريخ مقديش أشارت إلى مقتل نحو 700 من أهل تونس يوميا في ذلك الطاعون.

بعد خمس سنوات من وفاة محمود مقديش، عاد الطاعون ليضرب تونس من جديد في العام 1818. وقد تصدى للتأريخ للموجة الوبائية الجديدة تلك، المفكر والمصلح التونسي أحمد بن أبي الضياف (1804 - 1805/ 1847)، في تاريخه المعنون بـ (إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان). وروايته تنطوي على اتهام لـ محمود باشا باي تونس بالتسبب في انتشار الطاعون إلى أقصى مدى في البلاد، بعد أن أهمل تحذيرات طبيب مسلم من أصل إفرنجي يدعى (رجب)، حول ظهور الطاعون وضرورة الحذر من تداعياته. ولم يكتفي الباي بعدم الإنصات للطبيب، بل ذهب حتى إلى إيذائه بالضرب وحبسه. يقول ابن أبي الضياف: «وفي العام 1818، وقع في الحاضرة طاعون. وأول من تنبه له حكيم من مسلمة الافرنج اسمه رجب الطبيب. ولما أخبر الباي بذلك، أمر بضربه وسجنه كالمجرمين، فامتحن بسبب علمه. ولم يلبث أن فشا خطبه (أي الطاعون)، ومات به أعيان من أهل العلم. ووصل عدد الموتى به في الحاضرة أكثر من الألف في بعض الأيام، ودام نحو العامين».

وكما كان حاكم تونس متهما في انتشار الطاعون، فإن انقسام الفقهاء التوانسة حول الكرنتينا، واستغراقهم الوقت الطويل في المحاججة بشأن منفعتها أو ضررها، أدى كذلك إلى تفاقم الوباء، وتعاظم أثره. ومن المعروف أن نظام الكرنتينا، أو الحجر الصحي، قد واجه أثناء اقتحامه بصورته الحديثة الشرق الإسلامي أوائل القرن الـ19، مقاومة من قبل الفقهاء المسلمين. ليس انطلاقًا فحسب من الأرضية الدينية، لأنه ليس في الإسلام نصوصا ثبوتية حاسمة برفض الحجر الصحي، بل على العكس توجد نصوص تحرض عليه وتشجعه، وإنما انبنى رفض الفقهاء، وكانوا قادة الرأي العام في تلك الأزمنة، على الطرق اللا إنسانية التي رافقت تطبيق الكرنتينا على الجماهير، حيث الحبس لمدد زمنية غير معلومة داخل المدن والمنازل، أو التهجير القسري من القرى والمدن الموبوءة.

على أي حال، ظل الخلاف المعلن بين فقهاء تونس حول الكرنتينا في إطار قبول الشرع الإسلامي أو رفضه لها، لأنهم في النهاية كانوا يعيشون لحظة انتقال الشرق إلى المؤسسات الحداثية، وهي -مثل أي لحظة انتقال- لحظة مضببة، يغيب فيها عن المعاصرين المتغيرات التي سوف تفرضها منظومة القيم الجديدة على التشكيلات القديمة حتى تقصيها تماما.

يقول ابن الضياف: «افترق الناس في هذا الطاعون إلى قسمين: قسم يرى الاحتفاظ وعدم الخلطة بالعمل المسمى بـ الكرنتينةـ وربما ساعدته بعض ظواهر من الشرع، كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى ولا طيرة)، و(فر من المجذوم فرارك من الأسد)، أي لا عدوى مؤثرة، نفى تأثيرها فبقي أصلها مع دليل التجربة فإن غالب من تحفظ حفظه الله. مع اعتقاد أن المؤثر هو الفاعل المختار الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد سبحانه. وكأن هذا ينظر إلى رأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وعلى هذا جماعة كشيخنا أبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد بيرم».
أما القسم الثاني من الفقهاء، فكان «لا يرى هذا الاحتفاظ ويرى التسليم إلى مجاري القدر، ومن المقدور لا يغني الحذر، كشيخنا الكاتب العالم أبي عبد الله محمد بن سليمان المناعي. وهذا رأي أبي عبيدة بن عامر الجراح، عارض رأي عمر رضي الله عنهما.. وألف كل منهما (أي ابن بيرم وابن سليمان المناعي) رسالة حافلة في الاستدلال على رأيه بالنصوص الفقهية».
يتابع: «ومن القسم الثاني أبو عبد الله حسين باي (بن محمود باشا حاكم تونس)، فقد كان يسخر بأصحاب الكرنتينة ويقول لهم: (لا مفر من القدر)، ويدور أزقة الحاضرة وحارة اليهود لكثرة المرض بها، وقوى بذلك سكان البلاد».

لعب ميل حسين باشا، وكان يمثل دولة أبيه، ناحية رفض الكرنتينا، دورا خطيرا في زيادة أعداد الضحايا من الطاعون المتفشي في تونس. وكان أثر الطاعون الجارف بعيدا على البلاد لدرجة أن ابن أبي الضياف، والذي كتب تاريخه في ستينيات القرن الـ19 - أي أثناء العصر الذي انطلقت فيه نداءات الإصلاح بتونس وغيرها من أقطار العالم العثماني، بعد أن نال منها الوهن السياسي، وتزايد التدخل الأجنبي فيها - وصفه بأنه كان أحد الأسباب الباكرة في تراجع الولاية العربية العثمانية، بعد أن أدت الأعداد الكبيرة للضحايا، ويقدرها ابن أبي الضياف مبالغة بأنها مثلت نصف سكان المدن التونسية، إلى وقوع الخلل في اقتصاديات البلاد، خصوصا الزراعية، بعد أن خلت الأراضي من أصحابها الذي ماتوا في الوباء. يقول ابن الضياف: «وهذا الطاعون هو أول التراجع الذي وقع في الإيالة (ولاية تونس) بعد وفاة المرحوم أبي محمد حمودة باشا، لأنه نقص به من الإيالة قدر النصف، وبقيت غالب المزارع معطلة لا أنيس بها».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع