«حماتها هم المفسدون».. الباشا والعسكر يتحالفون ضد أهالي دمشق

دمشق

دمشق

كتب- خالد أبو هريرة

كانت الجيوش العثمانية في القرن الـ18 الميلادي قد ترهلت كثيرًا، وفقدت أغلب قوتها القديمة، كما خسرت انضباطها العسكري الذي طالما اشتهرت به. وقد ظهرت تلك الحالة بوضوح في الأقاليم العربية الخاضعة للسلطنة العثمانية، حيث تحول فيها ضباط وأفراد الجيش، من حماة لتلك الأقاليم، إلى السبب الرئيس في الفساد المنتشر بها. بعد أن فرضوا الإتاوات لصالح جيبهم الخاص على التجار وعامة الشعب، وأثاروا الشغب في الشوارع، وأخلوا بالأمن في الطرقات، إذا رفض واحد من الباشوات الولاة منحهم رواتبهم ومكافآتهم المعتادة.

وقد كانت أسوأ اللحظات التي يمكن أن يمر بها الأهالي في الحواضر العربية المختلفة خلال ذلك الزمن، تلك التي تشهد تحالفًا بين أولئك المفسدين من العسكر العثماني، والسلطة الحاكمة والممثلة في الوالي، حيث كان الناس يُجبَرون على البقاء في موقف بالغ الإحراج، يحاصَرون خلاله بين بطش المتحالفين، بقدراتهم المسلحة الواسعة، دون أن ينصرهم نصير، أو يغيثهم مغيث.

شهدت دمشق، عاصمة الشام، حادثة مثل تلك في العام 1748، عندما أيد والي المدينة، أسعد باشا العظم (1743 - 1757)، السلوكيات الإجرامية لعساكره ضد الأهالي، بل وأجبر الطرف الأخير -في خداع بغيض- على الاعتراف بأن أولئك المفسدين، هم الأقدر على حماية المدينة، والدفاع عنها.

بدأت الحادثة بصراع محدود بين أفراد من الأشراف الدماشقة (أي الذين يحملون نسَبًا عربيًا شريفًا ينتهي إلى النبي محمد ﷺ)، وقائد فرقة القابي قول، انتهى بحرب شوارع بين الأهالي المناصرين للأشراف، والعساكر العثمانية. والقابي قول تعني في التركية (عبيد الباب)، وتشير إلى الحرس الخاص بالسلطان العثماني، وقد اندرج تحت مسمى القابي قول فرق المشاة السبعة الرئيسية في الجيش العثماني، وعلى رأسها الإنكشارية. ومن الصعب تحديد المقصود بـ القابي قول في الحادث المشار إليه هنا، بسبب التطورات الكبيرة التي كانت تلحق بالمصطلحات العسكرية والإدارية العثمانية على مر القرون، ولكن المؤكد أن القابي قول قد أصبحوا الجند الغالب على دمشق، بعد كسر أسعد باشا العظم لشوكة أغوات الإنكشارية.

كان المؤرخ الشعبي أحمد البديري، والمشتهر باسم (حلاق دمشق)، معاصرًا لتلك الحرب الأهلية قصيرة المدى. وفيها يقول:
«وفي نهار الثلاثاء آخر جمادى الثانية من هذه السنة (1748) وقعت الفتنة بين الأشراف والقابي قول. وسبب ذلك أن رجلاﹰ شريفاﹰ اشترى من رجل شريف طبنجة وأراد أن يجربها، فأتى إلى الخندق ليجربها، فلما ضربها سمع صوتها أغا القابي قول، وكان نائماﹰ، فاستيقظ مرعوباﹰ، وقال :ائتوني بمن يضرب هذه البارودة، فجاءت أعوانه وقبضت عليه وعلى جماعة كانوا معه، وأخذوهم إلى الأغا، فأمر أن يضرب كل واحد منهم ثلاثمائة سوط، فضربوا ضربًا وجيعًا وتركوا كالأموات.. فبلغ نقيب الأشراف ما فعل بهم؛ فأرسل وأتى بهم إلى داره. وفي اليوم الثاني قامت الأشراف على قدم وساق، وهجمت على القابي قول وتقاتلوا، فقتل من الأشراف ثلاثة، وجرح كثيرون وأغلقت البلد كلها».

يتابع: «وفي اليوم الثالث صار ديوان عند أسعد باشا حاكم الشام، واجتمعت فيه الأعيان كـ المفتي والنقيب والعلماء، ثم انقضى الديوان، وحكموا على القابي قول بأن يعطوا دية الشهداء الأشراف لورثتهم. ثم أمر الباشا بأن تفتح الأسواق. وكان يوم الوقعة اثنان من الأشراف الأول يقال له السيد حسن شيخ شباب باب المصلى، والثاني السيد محمد بن الدهان من السنانية كان قد كرا بعصاهما وهجما على القابي قول، وردوهم إلى القلعة خاسئين. وبعد يومين وهو نهار السبت، بينما كان السيد محمد بن الدهان، ماراﹰ في الشوارع، إذا بشخص من جماعة القابي قول ضربه طبنجة، فجاءت في بطنه. فقامت الأشراف وأهل البلد، وهجمت على أسعد باشا وأخبرته بالخبر، فقال لهم: إن مات قتلت غريمه، وإلا فأنا أدبره. فمات المضروب بعد الظهر، فذهبت الأشراف إلى الباشا، فأمر بإحضار الشهود لأجل الحكم على القاتل، فذهبوا للشهود، فلم يرض أن يشهد أحد على القاتل، وقالوا: من يشهد ليقتل، ويكون خصمه نحوًا من خمسة آلاف بطل شقي. وحاصله ما أثبتوا الدعوى، وتركوا دم الأشراف يروح هدرًا. والأمر لله العلي الكبير».

طاح دم الشريف المقتول على هذه الصورة، بعد أن خاف الشهود على حيواتهم من بطش القابي قول، الذين لا يدفع أذاهم أحد، ولا الباشا نفسه. ويفاجئنا حلاق دمشق في تاريخه، أن القابي قول هؤلاء، قد ورد فيهم فرمان من إسطنبول، بإبطال تشكيلهم العسكري، بعد أن أثبت ضرره لا نفعه. ولكن أسعد باشا العظم، وكما يخبرنا أحمد البديري، رفض تفكيك الفرقة العثمانية رغم الأمر السلطاني الصريح. ويبدو أن ذلك، بسبب مخاوف الباشا من أن يؤدي ذلك التفكيك إلى فقدانه أهم داعميه في السلطة. وبالتالي، فإنه أبقى على القابي قول، وتستر على جرائمهم في حق أهالي دمشق. وكي يتخلص من شكاوي الدماشقة، قرر اللجوء إلى الحيلة، لإقناعهم بضرورة بقاء القابي قول على وضعهم.

يقول حلاق دمشق: «وهؤلاء القابي قول قد جاء فيهم أمر سلطاني وخط شريف بإبطالهم من الشام، وأن من استخدمهم أو ردهم ملعون بن ملعون. فالحاكم (أسعد باشا العظم) وقتئذ تيقن أن البلد لا تصلح إلا بهم، فأقرهم وأبقاهم.. والحكم لله والغيرة لله ولرسوله.. وفي ثاني يوم الجمعة عمل أسعد باشا ديوانًا، وجمع فيه علماء الشام وأعيانهم، وقال لهم: أنا الليلة مسافر، فتسلموا البلد ولا تتركوا أحدًا يتعدى على أحد. فقالوا :يا أفندينا نحن أناس منا علماء ومنا فقراء ومنا مدرسون، وصنعتنا مطالعة الكتب وقرائتها. فقال لهم :هذا إقراركم، وكيف وأنتم الأعيان، فقالوا: حاشا ﷲ إنما أعيان الشام القابي قول. فقال لهم :هذا إقراركم، وقد تحققتم بأن أعيانها والمحافظون لها القابي قول. فعند ذلك أرسل خلف رؤساء القابي قول وسلم البلد لهم. وكان ذلك منه دهاء، ثم سافر وترك الناس تتقلب في فرش القهر والكدر. وقد كان رجل من الأشراف من جملة من كان أيام فتنتهم قد فتح دكانه بعد أن هدأت الأمور، فبينما هو يفتح دكانه إذ قبضت عليه جماعة من القبقول ورفعوه إلى القلعة، بعد أن شدوا وثاقه وثقلوه بالقيود، حتى كأنه من اليهود أو من قوم عاد وثمود، ثم فتشوا على غيره ليقرنوه، فهربت غالب الأشراف».

هكذا أجبر أهالي دمشق على قبول المفسدين من القابي قول، وكأنهم يتجرعون سمًا. ولم تبقَ لهم غير السماء يتضرعون لها، بعد أن عدموا الأنصار في الأرض. وكما قال المؤرخ البديري: «فانظروا يا مسلمين إلى هذا الإنصاف، وقولوا: يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع