فشل تركيا في الاستحواذ على مطار الموصل: حرب فرنسية أم عقاب عراقي؟!

قوات عراقية تدخل مطار الموصل بعد تحريره من قبضة داعش - فبراير 2017

قوات عراقية تدخل مطار الموصل بعد تحريره من قبضة داعش - فبراير 2017

كتب: خالد أبو هريرة

في نهاية ديسمبر الماضي، منحت الحكومة العراقية المركزية في بغداد عقد تجديد مطار الموصل، المدمر منذ سقوط المدينة الواقعة شمال العراق في قبضة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، بين عامي 2014 و 2017، إلى الشركة الفرنسية العملاقة «مطارات باريس - أيرو بورتس دو باريس».

الانتصار الفرنسي جاء على حساب تحالف من شركتين تركيتين تعملان في مجال الإنشاءات، هما كورك و قاليون، كانتا قد قدمتا عرضًا إلى الحكومة العراقية لإعادة مطار الموصل الواقع غرب المدينة إلى الحياة في العام 2019. وسرت موجة من التفاؤل في الدوائر التركية بفوزهما بالعقد، خاصة بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أنقرة منتصف ديسمبر الماضي، ولقائه الرئيس رجب طيب أردوغان، لبحث التعاون بين البلدين. ثم سرعان ما تبدد ذلك التفاؤل بعد ذيوع نبأ التعاقد العراقي مع «مطارات باريس»، وتأكيده من قبل السفير التركي في بغداد فاتح يلدز، في تغريدة نشرها على حسابه الشخصي في موقع «تويتر» يوم 8 يناير الجاري.

على الفور، ربطت التحليلات التركية بين فشل كورك - قاليون والصراعات المحتدمة مؤخرًا بين تركيا وفرنسا، حول عدة ملفات في منطقة الشرق الأوسط وجنوب القوقاز، أبرزها الاعتراض الفرنسي على التنقيب التركي عن الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط، وكذلك دعم باريس لأرمينيا في حرب ناجورنو كاراباخ ضد أذربيجان المدعومة من تركيا. ووفقا لهذه التحليلات، فإن الحكومة الفرنسية هي التي ضغطت على نظيرتها العراقية لقبول عرض «مطارات باريس» بدلًا من العرض التركي، لخلق مساحة جديدة للضغط على أنقرة، هذه المرة في العراق، بسبب الأهمية الاستراتيجية القصوى للأخير بالنسبة لتركيا.

رغم تلك الرؤية، والتي جعلت من التنافس على مطار الموصل، توسعة فرنسية لجغرافيا الصراع مع تركيا، فإن التقرير الحديث الذي نشره موقع المونيتور للمحلل فهيم تشتكين، والمرفق ببيانات مهمة عن فوارق أساسية بين العرضين الفرنسي والتركي بشأن مطار الموصل، منحت الأفضلية في النهاية للأول، إضافة إلى الأزمات السياسية بين تركيا والعراق، بشأن ملفات بالغة الحساسية، مثل الأكراد والمياه والرؤية التركية المؤدلجة بخصوص الموصل نفسها، كل ذلك يدفع إلى تحويل قراءة إخفاق كورك - قاليون من أرضية النزاعات التركية - الفرنسية، إلى أرضية موازية ترتبط بالعلاقات التركية - العراقية المضطربة.

الخبرة وفهم السوق
وفقا لـ تشتكين، فإن مجموعة من العوامل اجتمعت لترجح كفة العرض الفرنسي على نظيره التركي. منها فوارق الخبرات التي تصب في صالح «مطارات باريس»، حيث تعمل الشركة الفرنسية طوال العقد الأخير في تطوير البنية التحتية للطيران المدني في العراق، مشرفة خلال ذلك على تجديد مطارات بغداد والبصرة، إضافة إلى إنشاء مطار «دهوك» شمال العراق. كما ساهمت مع شركة بريطانية في تصميم مطار وسط الفرات، على بعد 40 كيلومترًا شمال غرب النجف. في مقابل تلك الخبرة الفرنسية العريضة، تفتقد شركة كورك التركية والتي تعمل بكثافة في مناطق كردستان العراق، إلى خبرات شبيهة في نفس المجال. وهو ما دفع القائمين على كورك إلى التحالف مع شركة إنشاءات تركية أخرى هي «قاليون»، توصف بأنها إحدى أبرز الشركات المفضلة لدى حكومة العدالة والتنمية في أنقرة، وكانت واحدة من ثلاث شركاء فازت بعقد تأسيس مطار إسطنبول الجديد.

كذلك كان تقديم الشركة الفرنسية لعرضها، رفقة شريك محلي، وُصف بـ«المقرب من دوائر السلطة في بغداد»، عاملًا آخر منحها الفوز على المنافس التركي كما أشار تشتكين. وتقرير المونيتور يؤكد فهم مطارات باريس لواقع الاستثمار في العراق، حيث الترحيب في الأغلب بالمستثمرين الأجانب الذين يقبلون التعاون مع شركاء محليين عراقيين، أكثر من العمل مع المستثمرين الأجانب الذين يرغبون في العمل بالمشروعات المستهدفة بصورة منفردة، وهو فيما يبدو ما عجز التحالف التركي عن إدراكه.

استدعاء نموذج «مقديشو»
لكن سواء كان الأمر يتعلق بفارق الخبرة، أو درجة القدرة على الانسجام مع الطبيعة الاقتصادية العراقية، فإن طبيعة العرض نفسه الذي قدمه الأتراك إلى حكومة بغداد، يبدو أنها لعبت الدور الأبرز في خسارتهم في النهاية. خاصة أنها أثارت بتفاصيلها الداخلية، مخاوف مسبقة لدى الحكومة المركزية في بغداد من نوايا تركيا بخصوص منطقة الموصل في شمال العراق.

فعلى العكس من الفرنسيين الذي قصروا عرضهم لتجديد مطار الموصل على المناحي الإنشائية فحسب، فإن تحالف كورك - قاليون قدم عرضًا للاستثمار في المطار وفقًا لنموذج «البناء - التشييد - النقل»، والذي كان ليمنح تركيا في حالة الفوز، الحق في تجديد مطار الموصل إنشائيًا، ثم تقلُّد إدارته وتشغيله حصرًا بموجب عقد امتياز تُعيَّن له مدة زمنية محددة.

كان العرض التركي بتلك الصورة يستدعي نموذج «مطار مقديشو» في العاصمة الصومالية، والذي فازت بتطويره وتشغيله شركة فيفوري LLC التركية في سبتمبر من العام 2013. واعتُبر إلى جانب تولي مجموعة البيرق التركية للإنشاءات تطوير وتشغيل ميناء مقديشو (أكتوبر 2013)، الوسائل الاقتصادية التي مكنت نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من ممارسة النفوذ الواسع على الحكومة الصومالية المركزية في مقديشو، بل وفي منطقة القرن الإفريقي عمومًا.

فإذا ما تم وضع النموذج الصومالي جنبًا إلى جنب مع وضعية الموصل في المخيال السياسي والشعبي التركي، فإن رؤية عرض كورك - قاليون المدعوم من حكومة أنقرة لإدارة مطار الموصل تصبح أكثر سطوعًا.

الموصل.. الحلم المتجدد
فالموصل، والتي كانت حتى نهاية الحرب العالمية الأولى جزءًا من الدولة العثمانية، ينظر إليها في الوعي الجمعي بتركيا باعتبارها جزءًا من الوطن، تآمرت القوى الإمبريالية لانتزاعه من أيدي الأتراك في معاهدة لوزان 1923، بعد أن رفضت تلك القوى الاعتراف بالموصل ضمن خريطة الجمهورية التركية الناشئة حديثًا على أنقاض السلطنة العثمانية، وأرجأت البت في حسم مصيرها إلى عصبة الأمم. وبين جنبات الأخيرة، تم ضم الموصل إلى حدود المملكة الهاشمية العراقية الناشئة في العام 1926، وصارت عاصمة لمحافظة نينوى. ومنذ عشرينيات القرن العشرين وحتى اليوم، أصبحت الموصل، والتي تتمتع مع كركوك بثروة نفطية كبيرة يفتقدها الأتراك وبشدة، يشار إليها بمرارة في تركيا.

ومع انهيار الدولة العراقية ابتداءً من حرب الخليج مطلع التسعينيات، تبنت الدوائر السياسية الرسمية في أنقرة خطة لضم الموصل، أو على الأقل وضعها تحت الإدارة التركية، منعًا لدخولها في الحدود الجغرافية للدولة الكردية المزمع إنشاؤها بوصاية أمريكية في شمال العراق. ولكن رفض الإدارات المتعاقبة في واشنطن للخطة التركية جمّد تنفيذها حتى صعود رجب طيب أردوغان إلى رأس السلطة في أنقرة العام 2003، واتّباعه خطوات حثيثة لاستئنافها من جديد.

فأمام تنامي الطموح الكردي في شمال العراق عقب الغزو الأمريكي لبغداد، والإطاحة بالنظام البعثي بقيادة صدام حسين (2003)، والذي وصل صراحة إلى إجراء استفتاء في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق العام 2017 لتأسيس دولة كردية، عاد أردوغان لطرح الخطة التركية القديمة الخاصة بتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات: تركية في الموصل وكركوك، وكردية في أربيل والسليمانية، وعربية في بغداد والجنوب العراقي.

ولكن على العكس من أسلافه، لم يلجأ الرئيس التركي إلى المباشرة في مطلبه، وإنما إلى سياسة فرض الأمر الواقع على الحليف الأمريكي. فمن جهة، ينفذ أردوغان العمليات العسكرية باستمرار ضد حزب العمال الكردستاني (بي كا كا) في شمال العراق، خصوصًا معقلهم الرئيس في جبل قنديل، وآخرها عملية مخلب النمر (يونيو 2020 - حتى الآن). ومن جهة أخرى، يتبع سياسة مزدوجة ضد الحكومة الإقليمية لكردستان العراق، فيحولها بالشراكة السياسية والأمنية والاقتصادية إلى تابع للدولة التركية، وفي الوقت ذاته يشدد عليها الخناق كي تتراجع عن أي طموح لها في نفط كركوك تحديدًا.

وأخيرًا، يتبع الرئيس التركي خطوات ثابتة لضمان بقاء الموصل ومحافظة نينوى بالكامل تحت الحصار العسكري والسياسي التركي. فيؤسس قاعدة «بعشيقة» الجوية على بعد 12 كيلومترًا شمال الموصل، ويمدد غاراته إلى جبل سنجار ومخمور في نينوى لطرد مقاتلي بي كا كا منهما. ومن ناحية أخرى، وعلى الرغم من رفض الحكومة المركزية في بغداد لأي مشاركة من الجيش التركي في عمليات تحرير الموصل من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية (يوليو 2017)، فإن أردوغان جعل بلاده الممول الأكبر لإعادة إعمار العراق في مؤتمر المانحين (2018) بمبلغ 5 مليارات دولار، ضمنها قروضا كان من المفترض أن تمنح للتحالف التركي كورك - قاليون للسيطرة على مطار الموصل، كما اقترح إنشاء معبر ثانٍ بين تركيا والعراق عبر نينوى - الموصل، دون الحاجة إلى المرور عبر أراضي كردستان العراق. وهذا المعبر المزمع تحويله إلى محور إقليمي يربط أنقرة ببغداد عن طريق البر والبحر وأنابيب النفط، سوف يجعل الموصل في الحقيقة أقرب من السيطرة التركية أكثر منها العراقية، بحكم هشاشة الدولة المركزية في بغداد المعروفة للجميع.

هذه الحقائق كلها يمكنها أن تفسر إسناد بغداد لتجديد مطار الموصل إلى الشركة الفرنسية (مطارات باريس) وليس تحالف كورك - قاليون. فبالإضافة إلى المزايا الاقتصادية التي يقدمها الشريك الفرنسي، تحاول الحكومة العراقية المركزية منع تركيا من تدشين هيمنة على الموصل تخشاها جميع الأطراف المتنافسة على العراق، كما تعاقب أردوغان بذلك الرفض على سياساته المؤذية للدولة العراقية والشعب العراقي، خاصة في ملف المياه الذي يواجه العراق فيه شبح الجفاف الشامل نتيجة البدء في ملء سد «إليسو» جنوب شرق تركيا. وأيضًا في ملف الاستباحة التركية لشمال العراق، حيث لا يزال الرئيس التركي رافضًا انسحاب قاعدة بعشيقة، أو وقف ضرباته العسكرية في محافظة نينوى.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع