«الذهب والنفط وأشياء أخرى».. مصر تصارع تركيا على النفوذ في غانا

أردوغان في العاصمة الغانية أكرا - مارس 2016

أردوغان في العاصمة الغانية أكرا - مارس 2016

كتب: خالد أبو هريرة

توسع مصر جغرافيا من دائرة صراعها السياسي مع تركيا خلال الفترة الأخيرة، وهو الصراع الذي يرجع أساسا إلى خلاف أيديولوجي حاد بين السلطتين القائمتين في القاهرة وأنقرة، مع تنازع رؤيوي حول المستقبل الجيوسياسي للشرق الأوسط. فبعد أن كان التنافس المصري - التركي يقتصر على مناطق من الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط والشمال الأفريقي، تحولت مصر إلى غرب أفريقيا، وبدأت في تنفيذ سياسة هدفها تقليص النفوذ الذي تمارسه تركيا اقتصاديا وسياسيا في المنطقة، وكانت قد أنشأته خلال العقد الأخير بتؤدة وعلى مهل.
تحتل دولة غانا، والتي ينظر إليها باعتبارها اللاعب الرئيس في غرب أفريقيا، مكانا مركزيا في هذه السياسة المصرية الجديدة، حيث تحاول القاهرة دفع علاقاتها مع العاصمة الغانية أكرا إلى أقصى مدى ممكن، عبر توقيع اتفاقات التعاون بين البلدين، وتوجيه دفة الاستثمارات المصرية إلى غانا، إضافة إلى تقديم الدعم الإنساني بكل صوره إلى الشعب في الأخيرة. وهي كلها خطوات من شأنها - حال اكتملت كما هو مخطط لها - أن تضيق على الوجود التركي البارز في غانا.

لفهم الأمر بصورة أوضح، لا بد أولا من الوقوف على العلاقات التركية - الغانية، لتبيان قيمة أكرا في سياسات أنقرة تجاه غرب أفريقيا. دشنت العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وغانا بعد حصول الأخيرة على استقلالها في العام 1958، وافتتحت أول سفارة تركية في العاصمة الغانية في العام 1964. ولكن مع إجراءات التقشف التي نفذتها تركيا عقب الانقلاب العسكري في أنقرة العام 1981، أغلقت السفارة التركية في غانا، ولم تفتتح مرة أخرى إلا في العام 2010، أي بعد وصول الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان إلى رأس السلطة في تركيا.

موضوعات متعلقة

يعبر التأخير الطويل في إعادة افتتاح السفارة التركية بأكرا عن افتراق السياسة الخارجية التي اتبعتها أنقرة تجاه القارة الأفريقية، قبل وصول أردوغان، عنها بعد اعتلائه سدة الحكم. فحتى العام 2003، والذي أصبح خلاله أردوغان رئيسا للوزراء في تركيا، كانت أنقرة تركز سياستها الخارجية على التشكيل الأمريكي - غرب أوروبي، إضافة إلى العالم الناطق بالتركية، خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، دون أن يكون لأفريقيا - ومناطق أخرى قريبة من تركيا مثل الشرق الأوسط نفسه - مكانا بارزا أو محوريا. وهو الأمر الذي تغير تماما بعد انتخاب أردوغان رئيسا للوزراء. فتحت تأثير التنظير الذي وضعه أحمد داود أوغلو، رئيس الوزراء التركي السابق، في كتاب «العمق الاستراتيجي»، وسع أردوغان من سياسات بلاده الخارجية إلى المناطق المهجورة من قبل أسلافه، خاصة أفريقيا، والتي اعتبرت بمواردها الهائلة فرصة لا بد لتركيا أن تحقق أكبر استفادة منها.

وبينما كان النفوذ التركي يؤسس في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، عبر تعميق العلاقات مع الدول الرئيسة فيه: إثيوبيا والصومال وإريتريا، كان نظام أردوغان يدشن في الوقت نفسه نفوذًا لبلاده في غرب القارة السمراء، من فوق الأراضي الغانية.

ورغم أن الرئيس التركي السابق عبد الله غول زار أكرا في مارس من العام 2011، فإن الزيارة التي قام بها أردوغان للعاصمة الغانية بين 29 فبراير و1 مارس من العام 2016، هي التي ينظر إليها على نطاق واسع كلحظة التدشين الحقيقية للعلاقات بين تركيا وغانا. فقد قال أردوغان خلالها إن أنقرة ترغب في تقوية علاقاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والتجارية مع أكرا. ثم شهد مع نظيره الغاني جون ماهاما توقيع الحكومتين التركية والغانية على مجموعة من مذكرات التفاهم في مجالات مثل تكنولوجيا المعلومات، إضافة إلى الإعلان عن ضخ استثمارات تركية في قطاعات مهمة بالنسبة لغانا أبرزها الرياضة والشباب. وأخيرا، شكل أثناء الزيارة منتدى عمل مشترك، ضم 150 رجل أعمال تركي إلى جانب نظرائهم من غانا.

بدأت آثار زيارة أردوغان إلى أكرا في الظهور سريعا، حتى أصبحت غانا تحتل المرتبة الثالثة كأكبر شريك تجاري لتركيا في أفريقيا جنوب الصحراء، فقد قفز حجم التجارة بين تركيا وغانا من نحو 399.5 مليون دولار في العام 2015، إلى 478.9 مليون دولار في العام 2016. ثم تراجع الرقم إلى 353.3 مليون دولار في 2018، قبل أن يحقق قفزة في العام 2019، عندما وصل إلى نحو 560.89 مليون دولار. ويلاحظ أن حجم التجارة بين البلدين يميل على الدوام في كفة أنقرة، حيث بلغ حجم الصادرات التركية إلى غانا في العام 2019 نحو 466.79 مليون دولار، مقابل 94.1 مليون دولار فقط من الصادرات الغانية إلى تركيا. وهو خلل يعود بشكل أساسي إلى طبيعة التجارة المتبادلة بين البلدين، حيث تصدر تركيا إلى غانا المواد التصنيعية على شاكلة الأسمنت والكابلات العازلة والمنتجات الحديدية والكيماويات، بينما تكتفي غانا بتصدير موادها الخام إلى تركيا، تحديدا الذهب والكاكاو والقطن.

إضافة إلى هذه العلاقات التجارية المتينة، فقد ضغطت تركيا - مثلما فعلت في البلدان الأفريقية الأخرى التي تنشط بها - على المسائل التنموية والإنسانية التي من شأنها أن تمنحها موطئ قدم دائما في غانا. فتعمل مثلا وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا)، على تقديم المعدات التعليمية إلى المدارس الابتدائية في أكرا. كما يقدم الهلال الأحمر التركي باستمرار المساعدات الإنسانية إلى الشعب الغاني. وتسهم أنقرة في مشروعات البنية التحتية بالعاصمة الغانية، إلى حد إطلاق اسم الجمهورية التركية على شارع عبده المقاولون الأتراك. وأخيرا، اعتمدت تركيا في تعميق وجودها بغانا على قوة صلاتها بالأقلية المسلمة الغانية، والتي تمثل 12% من سكان البلاد. وعبر تنسيق بين هيئة الشؤون الدينية التركية، ووقف محمود عزيز هدائي، الناشط في بناء المدارس والجوامع بأفريقيا، أنشأت تركيا أكبر جوامع أكرا على الإطلاق، وهو مجمع مسجد الأمة، المبني على الطراز العثماني.

 

مصر.. طموح كبير وفرص متاحة
أما بالنسبة لمصر، فالعلاقات بينها وبين غانا قديمة، تعود إلى زمن حركات التحرر الوطني في القارة من الوجود الكولونيالي، والتي دعمتها مصر بحرارة في عصر الرئيس جمال عبد الناصر. ولكن دفع التعاون بين القاهرة وأكرا اقتصاديا بما يتماس مع الوجود التركي في غانا، إنما بدأ في السنوات الأخيرة، عندما شرعت الحكومة المصرية في توسعة العلاقات الاقتصادية مع نظيرتها الغانية، وتشجيع الاستثمار المصري على التحرك إلى أكرا.

ففي العام 2017، وقع البلدان مذكرة تعاون في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تعهدت مصر بموجبها بنقل خبراتها في مجال التطبيقات الإلكترونية، والحكومة الإلكترونية إلى غانا وغيرها من دول غرب أفريقيا.

كما قفز حجم التجارة بين مصر وغانا من 70 مليون دولار فقط في العام 2017، إلى 108.3 مليون دولار في العام التالي 2018، بنسبة زيادة كبيرة تقدر بنحو 54.5%. وهو ما جعل من غانا رابع أسواق أفريقيا استقبالا للصادرات المصرية بعد كل من كينيا ونيجيريا وإثيوبيا.

العام 2019، شهد دفعا جديدا من مصر للعلاقات مع غانا، هذه المرة في مجال البنية التحتية. ففي أغسطس 2019، قامت شركة مصرية بإنشاء مستشفى في غانا بقدرة استيعابية 160 سرير. وفي أكتوبر 2020، وقعت شركة مصر للطيران المملوكة للدولة، اتفاقا مع الحكومة الغانية لإنشاء شركة الخطوط الجوية الوطنية الغانية باستثمار مشترك بين البلدين. وفي نوفمبر 2020، ناقش السفير المصري في أكرا عماد حنا، مع مسؤولين من سلطات تطوير السكك الحديدية في غانا، إمكانية عقد شراكة بين البلدين لتطوير قطاع السكة الحديدية هناك.

ومع مطلع العام الحالي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعثة غانية خاصة برئاسة عنان كاتو، ناقش خلالها الجانبان سبل التعاون بين البلدين في التجارة والاستثمار.

يقدم ما سبق خطوات مصرية للدخول بقوة في الأسواق الغانية. ولعل اقتران تلك الخطوات بإبداء القاهرة رغبتها في زيادة حجم التجارة مع غانا، إضافة إلى تطلعها للاستثمار في قطاعات بعينها في أكرا، وأخيرا الدور المحوري الذي أصبحت تلعبه غانا في اتفاقية التجارة الحرة للقارة الأفريقية، هو ما يمنح مشهد التنافس المصري - التركي على النفوذ في غانا صورة أكثر وضوحا.

بالنسبة للأولى، تحاول مصر عبر زيادة صادراتها إلى غانا، إزاحة البضائع التركية من الأسواق الغانية، أو على الأقل تقليص وجودها، لأن كلا من القاهرة وأنقرة تشتركان في مجموعة من المنتجات التي يتم تمويل أكرا بها، خاصة مواد البناء والمواد الغذائية ومنتجات الحديد.

ثانيا، فإن تحرك مصر إلى خام الذهب، وقطاعات البناء والطاقة في غانا (اكتشف النفط قبالة السواحل الغانية العام 2007، وبدأت في ضخه لأول مرة العام 2010 وهي تمتلك احتياطيا في حقل جوبيلي الرئيسي بالبلاد يقدر بمليار ونصف برميل)، وهي أكثر ما يضخ فيها المستثمرون الأتراك الأموال، يعني أن القاهرة تسعى للخروج من دائرة الاعتماد على المواد الخام الغانية (الكاكاو، أخشاب البناء)، إلى آفاق أوسع تزاحم فيها الشركات التركية.

أخيرا، يجعل انضمام مصر إلى اتفاقية التجارة الحرة للقارة الأفريقية، واستضافة غانا للسكرتارية الخاصة بها، من الشرطين الأول والثاني شروطًا قابلة للتحقق. فالاتفاقية التي تضم 44 دولة في القارة السمراء، وتنص على الإلغاء التدريجي للتعريفات الجمركية، مع خلق حوافز للاستثمار الداخلي بين الدول الأفريقية، بإمكانه أن يمنح الصادرات المصرية مزايا كبيرة على منافستها التركية، على مستوى انخفاض سعر البضائع، وتكلفة نقلها وشحنها.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع