«رفعوا السلاح لحماية رغيف الخبز».. عن ثورة الجياع في مصر العثمانية

القاهرة

القاهرة

كتب- خالد أبو هريرة

ماذا يحدث إن تضاعف الأغنياء ثراءً، بينما ازداد الفقراء فقرًا، حتى ينحرم الواحد منهم من حد الكفاف؟!. لا بد أنها ثورة الجياع التي لا تُبقي ولا تذر، والتي تشعلها طوائف المحرومين والبؤساء، من الذين رأوا حكامهم يرفلون في النعيم، بينما لا تقع أيديهم على ما يطعمون به أهلهم، فضلًا عن أنفسهم..

في عام 1695، اندلعت في مصر العثمانية واحدة من ثورات الجياع تلك، وكادت أن تلحق الدمار بكل شيء، لولا أن تداركها الحكماء من ولاة الأمر، فعالجوا الظواهر من أسبابها، وخففوا من حدة آثارها على الضعفاء من الناس.

 

فكيف كانت البداية في تلك الثورة، وكيف كانت النهاية؟!..

منذ منتصف القرن الـ17 تقريبا، بدأت قبضة العثمانيين الحاكمة لمصر في الخفوت المضطرد، مقابل صعود نجم البكوات من المماليك، وقادة الأوجاقات السبعة (الفرق العسكرية التي خلفها السلطان العثماني سليم الأول بعد غزو مصر العام 1517). وقد اتفق الطرفان فيما بينهما، على تحدي السيطرة العثمانية وفرض إرادتهم الذاتية على الدولة، بالثورة على الباشوات الذين كانت ترسلهم إسطنبول، وتعيين من يرونه مناسبًا في المنصب. ولكنه اتفاق لم يكن يعني انسجامًا حقيقيًا بين الموقعين عليه شفاهة، لأن صراعا دائما ظل يدور بينهم على السلطة الخالية من شاغر في المحروسة.

وفي عام 1695، كان الوالي العثماني في مصر، ويدعى علي باشا، يقتسم السلطة مع الأمراء من المماليك وقادة الأوجاقات. وبينما انهمك الجميع في كنز الثروات، واحتكار الأقوات، كان الفقراء من المصريين يعانون بشدة من غلاء الأسعار الذي أهلك جيوبهم، وأفسد معاشهم. ولما فاض بهم الكيل، وعجزوا حتى عن شراء ما يسد الرمق، قرروا الصعود إلى الباشا العثماني في مقر الحكم بقلعة الجبل، حتى يعالج أزمتهم، وإلا فلينزل غضبهم بالجميع.

يقول الشيخ المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في كتابه الشهير «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»: «في منتصف المحرم سنة 1107 هـ (أغسطس 1695)، اجتمع الفقراء والشحاذون رجالًا ونساءً وصبيانًا وطلعوا إلى القلعة ووقفوا بحوش الديوان، وصاحوا من الجوع فلم يجبهم أحد فرجموا بالأحجار، فركب الوالي وطردهم فنزلوا إلى الرميلة ونهبوا حواصل الغلة التي بها وكالة القمح».

وقد مد الثائرون أياديهم في تلك الهجمة إلى مخازن كتخدا (نائب) الباشا العثماني، وكانت مليئة بصنوف ما حرموا منه من الشعير والفول. يقول الجبرتي: «وكانت هذه الحادثة ابتداء الغلاء، حتى بيع الإردب من القمح بستمائة نصف فضة والشعير بثلاثمائة، والفول بأربعمائة وخمسين، والرز بثمانمائة نصف فضة الاردب، وأما العدس فلا يوجد».

انتقل الغلاء من القاهرة إلى بقية الأقاليم المصرية، ما دفع أهالي تلك الأخيرة إلى الانتقال للعاصمة بحثًا عن النجاة. يقول الجبرتي «وحضرت أهالي القرى والأرياف حتى امتلأت منهم الأزقة واشتد الكرب حتى أكل الناس الجيف، ومات الكثير من الجوع، وخلت القرى من أهاليها».
وقد كانت أكبر الأدلة على البؤس الذي وصل إليه المصريون في تلك المجاعة، أن رغيف الخبز أصبح وكأنه أغلى من الذهب ونفيس الجواهر، يحمل القادر على خبزه السلاح لحمايته من خطف الجائعين. يقول الجبرتي: «وخطف الفقراء الخبز من الأسواق ومن الأفران ومن على رؤوس الخبازين، ويذهب الرجلان والثلاثة مع طبق الخبز يحرسونه من الخطف وبأيديهم العصي حتى يخبزونه بالفرن ثم يعودوا به».

ظل ذلك الوضع حتى عزل علي باشا من الولاية في سبتمبر 1695. يقول الجبرتي: «وورد مسلم إسماعيل باشا من الشام، وجعل إبراهيم بيك أبو شنب قائم مقام ونزل علي باشا إلى منزل أحمد كتخدا العزب المطل على بركة الفيل، فكانت مدته أربع سنوات وثلاثة أشهر وأيام.. ثم تولى إسماعيل باشا وحضر من البر، وطلع إلى القلعة بالموكب على العادة في يوم الخميس سابع عشر صفر (سبتمبر 1695)، فلما استقر في الولاية ورأى ما فيه الناس من الكرب والغلاء، أمر بجمع الفقراء والشحاذين بـ قرة ميدان (الساحة أسفل قلعة الجبل)، فلما اجتمعوا أمر بتوزيعهم على الأمراء والأعيان كل إنسان على قدر حاله وقدرته وأخذ لنفسه جانبا، وأعيان دولته كذلك، وعين لهم ما يكفيهم من الخبز والطعام صباحا ومساء، إلى أن انقضى الغلاء».

لكن الغلاء العظيم أعقبه وباء أعظم، كاد يهلك أهالي المحروسة. وللمرة الثانية، تلعب السياسات الخيرية التي اتبعها إسماعيل باشا دورها في التخفيف من حدة الأمر. يقول الجبرتي: «وأعقب ذلك الغلاء وباء عظيم، فأمر الباشا بيت المال أن يكفن الفقراء والغرباء، فصاروا يحملون الموتى من الطرقات ويذهبون بهم إلى مغسل السلطان عند سبيل المؤمنين، إلى أن انقضى أمر الوباء وذلك خلاف من كفنه الأغنياء وأهل الخير من الأمراء والتجار وغيرهم».

وبينما كان الجميع منشغلا بذلك، ورد فرمان من الدولة العثمانية في إسطنبول، يطالب بمحاسبة علي باشا، الوالي المعزول، والذي بدأ الغلاء المهلك في أيامه، فشرع الوالي الجديد إسماعيل باشا في حصر ثروته التي جمعها أثناء ولايته على مصر، فوجدها 600 كيس من الذهب، كما قام بمصادرة منزله وأملاكه وباعها، رادًا أثمان الكل إلى خزينة الدولة. ولا ريب أن الفقراء حين سمعوا بنبأ تلك الكنوز راحوا يقلبون أكفهم عجبًا، وتذكروا يوم طلعوا إلى القلعة يشكون الباشا حالهم، فلم يكلف نفسه عناء جوابهم.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع