حكايات الشارب في تركيا: أداة للتحزب السياسي واغتيال الخصوم

الشارب في تركيا.. من أتاتورك إلى أردوغان

الشارب في تركيا.. من أتاتورك إلى أردوغان

كتب: خالد أبو هريرة

للشارب في تركيا دلالات أبعد من تزيين ما بين أسفل الأنف وأعلى الفم بشعر كثيف، يبرز فحولة الرجل وقوته في تركيا، الشارب «مُسَيَّس»، تعكس انحناءاته المختلفة، وأنواعه المتعددة، الهوية السياسية أو الأيديولوجية لمربيه. يعلن التركي عن انتمائه الحزبي بالشارب، ويتعرف على شركائه في ذات الأفكار بالشارب، وقد يقتل خصومه من المنتمين للأحزاب الأخرى، والمعتنقين للأفكار المناوئة على أساس الشارب.

قبل نحو خمسمائة سنة، كان الشارب يستخدم من قبل الدولة العثمانية للإشارة إلى انتماء محدد لأحد العاملين تحت سطوتها، حيث حظر على الانكشارية مثلا، وهم الفرقة العسكرية الأبرز والأكثر شراسة، تربية لحاهم، والاكتفاء بإطلاق الشارب. ربما على سبيل توحيد المظهر والانضباط العسكري، أو لعدم التشبه بالسلاطين والصدور العظام ووزراء الديوان الهمايوني وشيوخ الإسلام، والذين كانوا يظهرون في الغالب باللوحات الاستشراقية بلُحى طويلة، دلالة على الوقار والحكمة والتدين.

رغم ذلك، لم يكن الشارب مقيدا بصرامة في الزمن العثماني. فقد اشتهر السلطان العثماني سليم الأول مثلا بشاربه القوي المبروم لأعلى، على شاكلة شارب الانكشارية. وكان سليما معروفا بقربه من الانكشارية وخلطته بهم منذ ما قبل السلطنة. كما أن الانكشارية أنفسهم لم يتقيدوا على الدوام بمسألة حظر اللحية، إذ ابتداء من نهاية القرن الـ 16، وبالتزامن مع الضعف الذي بدأ يدب في الدولة العثمانية، رفع ذلك الحظر وبدأ السماح للانكشارية بإطلاق اللحى إن أرادوا.

انكشاري

 

لحية التنظيمات
كان التحول الحقيقي في مسألة الشارب بتركيا، وانقلابه إلى رمز سياسي، قد وقع خلال القرن الـ 19 الميلادي. قرن التحديث والإصلاح والتغريب. ففي حدود العام 1839، بدأ السلطان العثماني محمود الثاني إصلاحات عسكرية وتشريعية واسعة استهدفت التحول العلماني للدولة. كان المظهر الخارجي للنخبة العثمانية أحد الأمور التي خضعت للتغيير على نطاق واسع في عصر التنظيمات، على مستوى الأزياء الشرقية التي استبدلت بأخرى غربية، أو على مستوى الشعر المزين للوجه، حيث أصبح رجال التنظيمات يمتازون في الغالب بلحية وشارب منمقين، كتلك التي ظهرت بها وجوه السلاطين محمود الثاني، وابنه عبد المجيد الأول.

عبد المجيد الأول

 

شارب مبروم
ومع انقلاب السلطان عبد الحميد الثاني على الحياة الدستورية والنيابية، بتعطيله العمل بدستور 1876، وإغلاق البرلمان، ظهرت في ثمانينيات القرن الـ 19 معارضة تركية قوية تطالب بإلغاء تلك القرارات، وتقييد السلطات المطلقة لـ عبد الحميد. تجمعت تلك المعارضة تحت مظلة واسعة لجمعية ثورية عرفت باسم الشبان الأتراك، وأطلق عليها لاحقا جمعية الاتحاد والترقي. ميز الشبان الأتراك أنفسهم عن رجال التنظيمات بلحى حليقة وشوارب مبرومة لأعلى.

أنور باشا

 

قدر لشوارب الشبان الأتراك أن تنتصر على لحية عبد الحميد الثاني في انقلاب إسطنبول العام 1908. وبعد خلع السلطان عن عرشه في العام التالي، أصبحت تلك الشوارب المبرومة هي الحاكم الفعلي للدولة العثمانية في سنواتها الأخيرة. وبكلمة من الأفواه المستقرة أسفلها، أعلن أعضاء (الاتحاد والترقي) دخول الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا القيصرية، ونالوا الهزيمة مع الأخيرة في العام 1918، لتسقط الدولة العثمانية أخيرا بعد 600 عام من الحياة، وينشئ مصطفى كمال أتاتورك على أنقاضها الجمهورية التركية الحديثة في العام 1923.

حرب أتاتورك
قاد أتاتورك حملة كبرى لقلب تركيا نحو العلمانية المطلقة، فأعلن سقوط الخلافة، والتحول إلى نظام الحكم الجمهوري، وانتقل باللغة التركية من استخدام الألفبائية العربية إلى نظيرتها اللاتينية. وبطبيعة الحال، اعتبر مؤسس تركيا الحديثة أن مثل تلك التحولات العميقة، لن تتم إلا بتغيير المظهر الخارجي للأتراك من جديد. فأمر مصطفى بحظر الطربوش الذي اعتبره غطاءً للرأس من زمن منبوذ، كما مال نحو حلق الرجال للحاهم وشواربهم بالكامل، ليتخلص للأبد من رواسب الصراع القديم بين لحية عبد الحميد الثاني وشوارب الشبان الأتراك، وكانت لا تزال بشكل أو آخر حية في النفوس. وكي يكون هو نفسه قدوة، ظهر أتاتورك أثناء رئاسته للجمهورية بشارب خفيف من طراز «الشارب القلم»، لا يشبه الشارب المبروم منذ العصر العثماني الأخير.

أتاتورك

 

آتت حرب أتاتورك ضد الشوارب أكلها حتى الأربعينيات، ثم ما لبثت الأجيال الفتية في تركيا أن تتحرر من القيود الرسمية وتعود إلى تربية الشارب. ولم تكن هذه العودة نتيجة تحولات سياسية كبرى كتلك السابقة، وإنما لأسباب أكثر نعومة وطرافة. فنتيجة افتتان الشباب التركي بنجوم السينما الأمريكية في الأربعينيات، من أمثال كلارك جيبل وإيرول فلين، وسيزار روميرو ودون أميش - وكانت الشوارب المنمقة تجمع بينهم جميعا - عاد الشارب للظهور مرة أخرى في شوارع تركيا.

حرب الشوارب
لكن الشارب العاطفي ذاك لم يلبث أن تحول مرة أخرى إلى شارب سياسي مع بدء الصراع على السلطة بين الجناحين القومي واليساري في تركيا. اندلع ذلك الصراع مع بداية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، حيث تحزب اليساريون إلى جانب الأخيرة، بينما مال القوميون جهة الولايات المتحدة والتشكيل السياسي الغرب أوروبي عموما. ومع احتدام النزاع بين الفريقين في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، أصبح الشارب هو الذي يميز أعضاء كل جناح سياسي عن الجناح الآخر.

فقد اشتهر القوميون الأتراك مثلا بشارب أطلق عليه اسم Ülkücü. يتميز بتمدده إلى أسفل على جانبي الفم كحدوة الحصان. ويفسر البعض هذا الشكل بأنه إشارة إلى حرف M في كلمة Milliyetçi والتي تعني "وطني". بينما يشبه البعض الآخر شارب Ülkücü بالهلال الذي يعد الشعار الأساسي لحزب الحركة القومية التركية.

القوميون

 

أما اليسار التركي، فكان أصحابه يفضلون الشوارب السميكة التي تغطي الشفة العليا فحسب، والمستوحاة من شارب الزعيم السوفيتي ستالين. وكان منتشرا بكثافة بين الأكراد، بما أنهم مثلوا المادة البشرية الكثيفة للنشاط الشيوعي في تركيا.

لم يكن شارب القوميين، أو منافسيهم في اليسار تعريفا فحسب بالمنتمين لكل طرف، بل أصبح كذلك خلال فترات الغليان وحروب الشوارع بين الفريقين، خصوصا بين عامي 1976 و 1980، وسيلة لتحديد الخصوم وتصفيتهم جسديا. فقد أثر عن أعضاء الذئاب الرمادية، وهي الذراع المسلحة لحزب الحركة القومية، قتلهم نشطاء اليسار التركي في الشارع عبر تمييزهم بالشارب الستاليني الضخم.

الشارب اللوزة
فترة السبعينيات كذلك شهدت صعود شارب سياسي جديد في تركيا، ميز نفسه عن كلا الفريقين السابقين. هذا هو badem bıyık أي الشارب اللوزة، والذي أصبح رمزا لأعضاء حركة مللي غوروش (الرؤية الوطنية)، التنظيم الأم لكل جماعات الإسلام السياسي في تركيا الحديثة والمعاصرة، والتي أسسها المفكر التركي نجم الدين أربكان في العام 1969.

نجم الدين أربكان

 

منح الإسلاميون الأتراك أنفسهم شارباً خفيفا يتموضع في وسط الفم - ومن هنا جاءت المقاربة بينه وبين حبة اللوزة - يشبه ذاك الذي أعطاه الزعيم النازي أدولف هتلر سمعته الرهيبة، لا يغطي الشفة العليا مثل الشارب اليساري، ولا ينزل على الجانبين مثل الشارب القومي.
بعد عقود من الشد والجذب، والتحالف والخصومة، والإباحة والحظر بين الإسلاميين الأتراك والجيش التركي العلماني، أعلن أخيرا عن انتصار الشارب اللوزة في العام 2003، وظفره بالسلطة في أنقرة بعد فوز رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية بالانتخابات النيابية.

ولأكثر من عشر سنوات، خرجت حرب الشوارب من المعادلة السياسية التركية نتيجة عوامل عديدة، فقد اتبع أردوغان ورجال حزبه سياسة انفتاحية على جميع الأقليات العرقية والدينية في تركيا وضعت الحوار محل الصراع، كما لعب التحالف بين العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية دوره في الوئام بين الشارب الهلالي والشارب اللوزة، وأخيرا، كان الشارب اليساري الشرس قد دخل أصلا في غيبوبة منذ سقوط الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات.

أردوغان

 

لكن هذا السلام المؤقت لم يلبث أن أعقبته عاصفة عادت من خلالها الرمزية السياسية للشوارب. فمع انقلاب أردوغان على الأقلية الكردية ودخوله في صدام عسكري معها، ثم نزاعه مع التيار العلماني بدءا من احتجاجات غيزي بارك 2013، وأخيرا حربه الشعواء ضد حركة الخدمة بزعامة فتح الله غولن عقب انقلاب إسطنبول يوليو 2016، عمد الرئيس التركي إلى التأكيد على هوية أتباعه السياسية والأيديولوجية، عبر توجيه أعضاء حكومته وحزبه بتربية الشوارب اللوزة. وكلا من وزير الداخلية الحالي سليمان صويلو، ووزير الاقتصاد السابق نهاد زيبكجي نماذج صريحة على هذه السياسة الإرشادية من أردوغان فيما بعد أحداث 2016.

على الجهة المقابلة، أصبح غياب الشارب اللوزة كذلك دليلا على معارضة العدالة والتنمية، أو الانقلاب على سياساتها. وأحمد داود أوغلو، المنظر الرئيس لـ العثمانية الجديدة، والذي تولى رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية في حكومات أردوغان السابقة هو الشاهد الأكبر على ذلك، حيث ظهر في ديسمبر من العام 2020 حليق الوجه، الأمر الذي دفع البعض للقول بأنها حركة رمزية من أوغلو للتأكيد على قرار انخلاعه عن حزب العدالة والتنمية، وهو القرار الذي كان قد أعلنه سابقا.

بعيدا عن الشارب المسيس، استعانت تركيا بشواربها كذلك في أغراض أخرى. فمنذ عرض مسلسل القرن العظيم، أو حريم السلطان كما شاع بعد دبلجته إلى العربية، أصبح الشارب العثماني الذي ظهر به الممثل بُراق أوزجيفيت في حلقات الممثل، موضة يتهافت عليها الشباب في العالم العربي ودول البلقان. واستفادت تركيا كثيرا من ذلك في الترويج لعياداتها المتخصصة بزراعة اللٌحى والشارب، والتي وصلت في إسطنبول وحدها خلال السنوات الأخيرة إلى نحو 250 عيادة، الرقم المرشح للزيادة. كما قالت إحصائية إن نحو 100 ألف شخص سافروا إلى تركيا خلال العام 2012 فقط، بغرض زراعة الشوارب. وشركات السياحة التركية تروج بذكاء بين السائحين العرب الذين يزورون البلاد لباقات تتضمن زراعة اللحى إلى جانب السياحة الشاطئية التقليدية.

بالي بيك

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع