بسبب «ابن القنصل».. العثمانيون أغرقوا ليبيا في الحرب الأهلية

طرابلس الغرب في الزمن العثماني

طرابلس الغرب في الزمن العثماني

كتب: خالد أبو هريرة

قرب نهاية العهد الطويل لوالي طرابلس الغرب يوسف باشا القرمانلي (1793- 1838)، كانت ليبيا أصيبت على نطاق واسع بحالة من التكلس السياسي الظاهر، والتراجع الاقتصادي الحاد، اللذان نتجا عن توقف القرصنة البحرية أولًا، وهو المورد الأساسي لطرابلس، وثانيًا عن عدم اكتراث يوسف باشا بتجديد الترسانة العسكرية لولايته، بعد أن أصبحت ضعيفة متهالكة.

وعندما أدرك القرماني، وتحت وطأة الضغوطات الداخلية، ضرورة الإصلاح، أتت خطواته معاكسة لكل معاني ذلك المصطلح الأخير، فأمر بسك عملة مغشوشة جلبت عليه غضب الطرابلسيين، وتوسع في الاقتراض من الدول الأجنبية، منفقًا إياها على ملذاته الشخصية. وعندما عجز عن الدفع، واجهته القوى الأوروبية بإجراءات عنيفة، كادت أن تنتهي باحتلال ليبيا.

كانت فرنسا أول المدينين الأوروبيين تحركًا ضد يوسف باشا، ووصل الأمر إلى انتصاب أسطول فرنسي أمام سواحل طرابلس مهددًا بتدمير المدينة إذا لم يدفع القرمانلي ديونه، ما رد عليه الأخير بتوقيع هدنة مذلة الشروط مع فرنسا، لم يتعهد خلالها برد ما عليه من ديون للتجار الفرنسيين فحسب، وإنما حتى بدفع نفقات الأسطول الحربي الفرنسي الذي قدم لتهديده.

لكن ذلك لم يكن خاتمة الحكاية، بل بدايتها. فقد حاول القرمانلي في أعقاب توقيعه المعاهدة الآنفة التقارب مع فرنسا، الأمر الذي أغضب منه إنجلترا، وممثلها القنصل وارنغتون في طرابلس، ودفع الأحداث بسرعة نحو اشتعال حرب أهلية في ليبيا، انتهت بسقوط الأسرة القرمانلية، وعودة الدولة العثمانية لفرض سلطتها المركزية فوق البلاد.

يقول المؤرخ التركي عزيز سامح التر في كتابه (الأتراك العثمانيون في أفريقيا الشمالية): «تضايق يوسف باشا كثيرًا من المعاهدة الفرنسية التي أقضت مضجعه. وكان القنصل الفرنسي فظًا لا يطاق. وفيما كان الباشا يفكر في وسيلة لطلب تبديله بلغه نبأ ارتقاء لويس فيليب لعرش فرنسا فاتخذ هذه المناسبة وسيلة لتقديم ذلك الطلب. أوفد الحاج محمد شلبي إلى باريس حاملًا رسالة تبريك بالجلوس على العرش والرجاء بتبديل القنصل».

يتابع: «وفق الحاج محمد شلبي في بعثته وعين شخصا آخر للقنصلية بدلًا من الأول وحضر إلى طرابلس. وبفطنته وكياسته حبب نفسه إلى الباشا أكثر من غيره وأحل النفوذ الفرنسي مكان النفوذ الإنجليزي».

تسببت تلك الخطوة -كما سبقت الإشارة- في غضب «وارينغتون القنصل الإنجليزي الذي قدم في السابق خدمات جليلة للباشا وساعده في أمور كثيرة، إذ لم يهضم ميل الباشا أخيرًا إلى الفرنسيين ونسيانه له فبدأ يطالب بتسديد الديون المتأخرة لرعايا دولته وزاد في الإلحاح».

واستغل القنصل الإنجليزي حادثة ثانوية كان بطلها ابنه وجنود ألبان من الحامية العثمانية في طرابلس، في التحرك ضد يوسف باشا. يقول (التر): «احتقر جنديان ألبانيان ابن القنصل، الأمر الذي أغضب القنصل فأمر الباشا بالقبض على المسبيين للحادث وألقاهما في السجن، إلا أن اثنين من رفاق السجينين قالا لابنة القنصل كلامًا غير لائق لأن أخاها سبب حبس مواطنيهما فزاد غضب القنصل وارينغتون وأنزل علم بلاده.. فارتبك يوسف باشا لما بلغه الخبر وكتب رسالة للقنصل الإنجليزي تحتوي على عبارات الذل والمسكنة وطلب وساطة القنصل الهولندي لتغطية المسألة».

في الرسالة، طلب يوسف باشا القرمانلي مهلة من وارينغتون لتسديد ديون طرابلس لصالح التجار الإنجليز، كما ناشده إعفاءه من المصاريف الحربية التي يمكن أن تضم إلى تلك الديون فيما إذا اشتكى القنصل إلى ملك الإنجليز وجلب الأسطول. وأخيرًا، تعهد يوسف باشا، وهو يسترحم عفو القنصل الإنجليزي، بنفي الجنود الألبان الذين تسببوا في الإساءة إلى ابن وبنت القنصل، إضافة إلى دفع 100 ألف فرنك ثمنا للبضائع التي نهبها من السفن المالطية من لا يقدرون العواقب من أهل الإيالة ويتعهد بأن يستخدم في شؤون المخابرات رجالا من ذوي الصدق والأمانة.

على الرغم من كل ذلك، يؤكد عزيز سامح التر أن القنصل أعلن «استحالة الصلح وطالب بتسديد ديون الرعايا الإنجليز خلال 48 ساعة، ولما تأخر دفعها غضب وارينغتون وسافر إلى مالطة».

يتابع المؤرخ التركي: «تفاقم الأمر ووقع يوسف باشا في مشكلة لم يجد لها حلًا فدعا زعماء البلاد إلى اجتماع للتفكير في الخروج من المأزق فقرروا جمع الأموال من الأعيان واليهود وتسديد الديون.. وجمع قرابة الأربعة آلاف فرنك من سكان المدينة إلا أن أهل المنشية (محلة خارج أسوار طرابلس الغرب) رفضوا الدفع، فكتب إليهم الباشا يدعوهم إلى التردد على أسواق المدينة إلا أنهم ظنوا أنها حيلة منه فلم يحضروا، ثم اجتمع أعيانهم ومشايخهم وذهبوا إلى أحفاد القرمانلي محمد بك وأحمد بك، ليؤكدوا لهما عدم ثقتهم في الوالي بأي صورة، مطالبين بتنحيته وتعيين محمد بك واليا مكانه».

وافق محمد بك القرمانلي، وبدأ في الاستعداد للقتال ضد جده يوسف باشا، الذي لما علم بالخبر قاد ألف جندي لتشتيت أهل المنشية ولكنه فشل، فعاد إلى طرابلس واحتمى داخل أسوارها ووزع السلاح والبارود على الأهالي. ثم لما رأى تفاقم الأمر، جلب الباشا علماء طرابلس وحدثهم عن شيخوخته ورغبته في تعيين ابنه علي بك محله، فتلقى العلماء ذلك كما يقول (التر) «بالرضا والقبول. وبويع علي بك فعلا بالولاية، ولكن الثوار في المنشية ردوا على ذلك بالإصرار على محمد بك حاكما جديدا لطرابلس، وهو ما قابله علي بك بقصف المنشية بالقنابل، حتى وقع أكثر من 70 قتيلًا في صفوف الثوار».

ولما حاول يوسف باشا طلب مساعدة الدولة العثمانية، أرسلت تلك الأخيرة، وكانت تحت حكم السلطان محمود الثاني، فرمانا بتعيين علي بك محل أبيه يوسف في ولاية طرابلس. ولكن الثوار الذين بعث إليهم الوزير الحاج محمد شلبي مساعدات من الأسلحة النارية من جزيرة مالطة، وكان شلبي يكره علي بك القرمانلي، شدت من أزرهم، حتى راحوا يقصفون طرابلس بانتظام بنحو 20 إلى 30 قنبلة يوميًا.

أمام ذلك الوضع، أرسل محمود الثاني سفيرًا من قبله إلى طرابلس، هو شاكر أفندي للوقوف على الوضع. ولما وصل الأفندي، أعلن مشايخ القبائل الليبية رغبتهم في التخلص من يوسف باشا القرمانلي، والبعض الآخر تمنى لو تخلصت ليبيا من آل القرمانلي كلهم دفعة واحدة. كانت تلك لحظة مناسبة للسلطان العثماني الذي كان يسعى في ذلك الوقت إلى إعادة فرض سيطرته على الأقاليم العربية التي طال استقلالها عن إسطنبول، اللهم إلا من تبعية اسمية لا تغني ولا تسمن، فأرسل أسطولًا ضخمًا بقيادة نجيب باشا تمكن من إسقاط حكم القرمانليين للأبد في العام 1838. ولكن دون أن يعني ذلك نهاية التدخلات الأجنبية، أو تحسن الأوضاع السياسية والاقتصادية في ليبيا، بل كان الغزو العثماني الجديد في حقيقته فاتحة لعقود طويلة من ثورة القبائل الليبية الرافضة لسياسات إسطنبول، وكذلك من مضاعفة التدخلات الأوروبية في الشأن الليبي، تحت ستار الديون التي بلغت حدودًا قياسية في ظل الحكومات التركية التي حلت محل آل القرمانلي، وهو ما انتهى في الأخير بسقوط ليبيا في قبضة الاحتلال الإيطالي العام 1911.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع