من سرقة الأموال إلى هدم مساجد المالكية.. عن سوءات الحكم العثماني في ليبيا

طرابلس الليبية

طرابلس الليبية

كتب: خالد أبو هريرة

بين عامي 1843 و 1854، كان الشيخ غومة المحمودي، الزعيم الليبي الشهير الذي ثار ضد الدولة العثمانية لأكثر من عقدين متواصلين، منفياً في مدينة طرابزون شمال تركيا الحالية، ومفروضة عليه الرقابة المستحكمة من قبل العثمانيين. وقد اعتبر غومة أن وجوده بالقرب من مقر السلطنة في إسطنبول، فرصة لعرض مظلمة الشعب الليبي على السلطان العثماني عبدالمجيد الأول، أملا في أن ينصت الأخير للشكوى، ويندفع لتحسين أوضاع ليبيا التي كانت تعاني بشدة من السياسات العثمانية على كافة المستويات تقريبا.

كتب غومة المحمودي خطابا إلى السلطان، عدد فيه مساوئ الحكم العثماني في إيالة طرابلس الغرب، التي اعتبرها شيخ قبيلة المحاميد الليبية سببا رئيسا في ثورته المستمرة بمنطقة الجبل الغربي جنوبي طرابلس. وهذا الخطاب، بطروقه إلى مسائل مهمة مثل النظام الإداري العثماني في ليبيا، وسياساتهم الصحية والاجتماعية والمذهبية، يعتبر اليوم أحد أبرز الوثائق حول فترة وجود الأتراك في البلد العربي.

والي أم دلال؟!
يثبت خطاب المحمودي أولا سوء الإدارة العثمانية في ليبيا، حيث كان الحكم موزعا في إيالة طرابلس بين الوالي ونائبه (الكخيا) وقائد الجيش والجنود. وكل تلك المناصب القيادية العليا كانت في أيدي الأتراك دون العرب، أي السكان الأصليين لليبيا. وكانت سياسة تبديل الولاة بكثافة، والتي اتبعها العثمانيون في البلاد سببًا في زيادة الاضطراب بها، حيث لم يكن هم الوالي، وهو الذي يعرف بعدم بقائه في المنصب طويلا، سوى جمع القدر الأكبر من الأموال لشخصه.

يقول الشيخ غومة: «أما الحكومة فمن يوم وصول الوالي إلينا يترقب في عزلة فتصير همته في جلب المال لنفسه بكل وجه فيبقى يبيع في الوظائف الملكية بيننا كالدلال وقد يولون على أكثر مأموريات الإيالة سفلة خدمتهم التي كان لا يتولاها إلا من هو من الكبار والأعيان ومن إشترى وظيفة فيصير يجلب لنفسه ويسعى في سد رأس ملهي، وما يدخره بعد مصاريفه، وهؤلاء الخدمة الذين يتولون المناصب عرضآ عن إجتهادهم في التآلف بين العباد والنظر في مصالحهم الدولة العليا وأمر الرعية فهم يثيرون الهرج بين الناس ويغيرونهم حتى تبلغ النفسانية مقامها ثم تكون منهم الحيل في التكسب».

يتابع: «كلما صار تبديل والي من الولاة رجونا أن يكون أعدل من سلفه، فيكون أشد ظلمًا، وكلهم يجورون. ونحن صابرون مرتقبون لعل الولاة يصير منهم للناس حسن التفات، وهم لا يصدر منهم إلا أعنف المعاملات، يرتكبون في ذلك الإثم العظيم المخالف لأمر الله تعالى».

أرض مهملة
أشار الثائر الليبي كذلك إلى الإهمال العثماني للأراضي الليبية الخصبة الصالحة للزراعة، الأمر الذي أدى إلى تعرض ليبيا لمجاعات عنيفة، وهروب الفلاحين بسبب مضاعفة الضريبة عليهم إلى بلدان مثل مصر وتونس والجزائر والسودان وتشاد، حتى لم يبق سوى القليل منهم في ليبيا نفسها.

وباء
لم تكن الأوضاع الصحية أيضا أحسن حالًا في ليبيا العثمانية، إذ عانى أهلها من سوء التغذية والأمراض الوبائية، وضاعف الجوع والبرد من مصائبهم، وكان النفي جزاء كل من يجهر بكلمة حق. وصادر العثمانيون مصادر رزق الناس وعم الغلاء.

فرض المذهب
أخيرا، أشار الشيخ غومة إلى محاولات العثمانيين فرض المذهب الحنفي بالقوة على الليبيين من أتباع المذهب المالكي. حتى أن الأتراك عمدوا إلى هدم مساجد المالكية في ليبيا مثل مسجد ككلة. يقول المحمودي: «الشرع الشريف أهملوه وشرائع الدين الحنيف غيروه ومذهبنا مذهب إمام دار الهجرة حضرة الإمام مالك أبطلوه، والجوامع والمدارس خربت أو قربت من الخراب، ولا يصرفون إيراد الوقف في واجباته، فالقضاة يبيعون الوظائف الشرعية لمشتريها».

سلطان لا يسمع
رغم كل تلك الحقائق التي كشف عنها شيخ المحاميد للسلطان عبد المجيد، والتي أكدتها رسائل والي طرابلس الغرب مصطفى نوري باشا في نفس الفترة، فإن السلطان لم يهتز لها كثيرا، ولم يبدي استعدادا حقيقيا للإصلاح. وهو ما دفع الشيخ إلى استغلال حرب القرم التي اندلعت بين العثمانيين وروسيا القيصرية في عام 1853 في الهرب من طرابزون، والعودة إلى ليبيا للثورة من جديد في الجبل الغربي. وسوف تستمر ثورة غومة هذه المرة حتى مقتله بأيدي السلطات العثمانية بالقرب من المكان المعروف بـ«خشم غومة» في وادي أوال في 26 مارس 1858. وتتحول سيرته التي ترسخت في الأمثال والأشعار والأغاني الشعبية الليبية، إلى محفز لكل الثائرين في ليبيا، وحتى اليوم

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع