نهاية السلطان العثماني «عبد العزيز»: الماسون قتلوه وأشاعوا انتحاره

السلطان عبد العزيز

السلطان عبد العزيز

كتب: خالد أبو هريرة

من بين كل السلاطين العثمانيين الذين انتهت حياتهم قتلًا، تظل حكاية السلطان عبد العزيز الأكثر إثارة للجدل، بعد أن اتهمت الحركة الماسونية في تركيا بقتله بعد خلعه عن العرش، ثم إشاعة انتحاره حزنا على فقدانه السلطة.

فأين هي الحقيقة؟!.. وما صلة الماسونية بالأمر؟!..

منذ نشأتها النظامية في أوروبا في القرن الثامن عشر الميلادي، وجدت الحركة الماسونية موطئ قدم لها في تركيا العثمانية، من خلال فرمانات الامتيازات الأجنبية التي منحها العثمانيون للأوروبيين، وسمحت لهم بتأسيس محافل ماسونية في المدن الكبرى بالشرق الأوسط. ولم يقتصر الأمر على فحسب على إباحة العالم العثماني للنشاطات الماسونية، بل انخرط مجموعة من الأتراك أنفسهم في المحافل منذ القرن الثامن عشر نفسه، وأشهرهم سعيد شلبي زاده الصدر الأعظم.

لكن الانتصار الحقيقي للماسونية في تركيا إنما وقع في القرن الذي يليه، أثناء تطبيق التنظيمات الخيرية بأمر من السلطان عبد المجيد الأول، والتي هي مجموعة من التشريعات العلمانية التي حلت محل النظم القانونية العثمانية القديمة، والقائمة على الشريعة الإسلامية.

كان معظم رجال "التنظيمات" من أعضاء المحافل الماسونية. وأبرزهم الصدر الأعظم رشيد مصطفى باشا، مهندس التنظيمات، والذي ارتفع عدد المحافل الماسونية في الشرق العثماني إلى 52 محفل، عند وفاته في العام 1858.

تحكم الماسون في الدولة العثمانية على مدار عصر عبد المجيد الأول. ولما مات ذلك الأخير في العام 1861، حاول خليفته وعمه السلطان عبد العزيز تقليص نفوذهم، فدبرت مؤامرة داخل محفل برودوس الماسوني الفرنسي من قبل اليوناني كالينتي سالييري، والوزير الشهير مدحت باشا، خلع على أثرها عبد العزيز في مايو من العام 1876، ثم اغتيل بعد أياماً قلائل (4 يونيو)، وأشيع انتحاره. ونصب أمير ماسوني من السلالة العثمانية، هو مراد الخامس على عرش الدولة العثمانية.

تحت عنوان «هل انتحر السلطان عبد العزيز الأول أم قتل شهيدا؟»، كتب المؤرخان التركيان أحمد آق كوندوز وسعيد أوزتورك في كتاب (الدولة العثمانية المجهولة): «نقل رجال حسين عوني باشا (أحد قادة الانقلاب) السلطان عبد العزيز إلى سراي طوب قابو بعد خلعه من السلطنة في 30 مايو 1876، ونهب مقر إقامته في قصر "دولمه بهجة" وهنا وقع في هواجس القتل وأسيئت معاملته، فكتب إلى السلطان الجديد مذكرات تبعث الهم في النفوس من أجل نقله إلى قصر "جراغان" فنقل إلى أجنحة منه أنشئت لمراد الخامس وأهمل هنا أيضا إهمالا شديدا كالمتروك لانتظار الموت. لذلك، قد يصح ضجر عبد العزيز من الحياة، وربما تمنيه للموت، لكن تصديق القول بانتحاره قريب من المحال».

يتابعان: «شاع خبر الموت بعويل نساء الحرم صباح 4 يونيو 1876، فبادر حسين عوني باشا بإصدار الأمر إلى خادم السلطان القريب فخري بك بأن يقول: (طرد السلطان عبد العزيز صباحا والدته وجواريه من حوله وأغلق على نفسه باب الغرفة، وطلب مقصا لتعديل لحيته، فقطع بهذا المقص شرايين الدم في يديه، وتعذر إنقاذ حياته بعد الدخول إلى الغرفة). ومن الواضح في هذا القول إهمال الرعاية الطبية اللازمة تماما. سلم نفر من الضباط جسده إلى المركز، وأعلن للرأي العام التقرير الرسمي بانتحاره نتيجة اختلال توازنه العقلي».

يؤكد أصحاب (الدولة العثمانية المجهولة) أن نقاشا طويلا ظل يدور حول نهاية السلطان عبد العزيز «لأن الحادث زور وأخفي، وعند إنعام النظر يظهر بوضوح أن الحادث ليس انتحارا، بل جريمة ارتكبها حسين عوني باشا ومدحت باشا ورفاقهما، للأسباب الآتية:

1- أن قطع عبد العزيز الأول لوريد يده اليسرى بالمقص، ثم قطع شريانه في اليد اليمنى بيده غير الجريحة غير قابل للتصديق، حسبما ذكر أحمد جودت باشا.

2- لم يجر تحقيق جنائي البتة ولا إعداد تقرير طبي جاد يتطلبهما - شرعا وقانونا - موت سلطان عظيم في ظروف شاذة، بل اكتفى بسؤال خادم اسمه فخري بك على عجل وإعداد تقرير طبي مشكوك فيه، لقد رفض حسين عوني باشا طلبات الفحص الطبي رفضا شديدا.

3- لم يستفسر عن الموضوع من والدة السلطان وجواريه وهم الأولى بالاستفسار، بل حصل العكس بعرض هؤلاء إلى التعسف والضغط حتى بلغت النذالة بأحد الضباط إلى حد مد اليد لانتزاع أقراط من أذن والدة السلطان.

4- ينقل أحمد جودت باشا أن واحدا من المقربين للسلطان مراد الخامس حدثه بما حصل فيما بعد، فجن لهول ما حدث وضاع عقله. ويقول أيضا: (إن حسين عوني باشا أراد بعد حين أن يخبره بالواقعة، لمن الموت سبقه، ويبين أن الحادث ظل مبهما حتى العام 1881، إذ ساد الظن بانتحار عبد العزيز الأول، ثم انكشف الأمر بعد ذلك).

5- يؤيد المؤرخون الموثقون المعاصرون للواقعة مثل أحمد جودت باشا ومحمود جلال الدين باشا وأيضا المؤرخون الذين جاؤوا بعدهم، وكذا النشرات الأوروبية الصادرة أيام وقوع الحادث، أن عبد العزيز الأول لم ينتحر، بل قتل.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع