ثورة علي بك الكبير: هل ولدت فيها نزعة وطنية مصرية ضد العثمانيين؟

مملوك

مملوك

كتب: خالد ابو هريرة

في ثورة الأمير المملوكي علي بك الكبير على الدولة العثمانية في مصر (1768 - 1773)، تبزغ نزعة وطنية غريبة عن عصرها، يمكن عدها تمهيدًا لاستقلال القاهرة عن إسطنبول خلال القرن التاسع عشر الميلادي.

عن تلك النزعة يدور التقرير التالي، اعتمادا على سيرة علي بك الكبير كما أوردها المؤرخ المعروف جرجي زيدان في كتابه «تاريخ مصر الحديث»..

يقول زيدان عن أولية علي بك الكبير: «كان في حوزة إبراهيم كخيا أكثر من ألفي مملوك، في جملتهم علي الذي سيلقب بعلي بك الكبير ويكون له شأن عظيم بهذا التاريخ، وسترى في سيرته أنه من أفراد الدهر حزمًا وبطشًا وحكمة. وكان علي سلحدارًا بين مماليك إبراهيم كخيا. وكان إبراهيم يحبه كثيرًا ويجل مواهبه حتى جعله ناقل سيفه. ومما زاده تعلُّقًا به أنه اصطحبه إلى الحرمين في قافلة وكان قد صار كاشفًا. فسار قائدًا لتلك القافلة فلاقاهم في الطريق عصابة من اللصوص، فدفعهم علي بقلب لا يهاب الموت فلقبوه بالجني».

يتابع: «رقي علي بك الكبير إلى رتبة (كاشف)، فشق ذلك على أحد البكوات المدعو إبراهيم بك، وكان من دعاة إبراهيم كخيا لكنه تظاهر عند ذلك بعداوته، ونمت بينهما الضغائن ولم تنتهِ إلا بقتل إبراهيم كخيا بعد ذلك بخمس سنوات بيد إبراهيم بك الشركسي المذكور».

سعى علي بك للانتقام لسيده «فأخفى ما في ضميره 8 سنوات اشتغل في أثنائها بجمع القوة. فابتاع عددًا وافرًا من المماليك، ووطد علائقه مع البكوات الآخرين، واكتسب ثقتهم بما كان يُظهره من الغيرة عليهم والإخلاص لهم». وبعد مغامرات كثيرة، نجح علي بك في الفوز بمنصب شيخ البلد فتمكن علي بك بهذا الانتصار من استلام مشيخة البلد في القاهرة سنة 1764، «وأول أمر باشره قتل إبراهيم الشركسي الذي قتل سيده». ثم تمكن من القضاء على تمردات العربان في الدلتا، وخاف من بقي من أعدائه، ولزموا السكوت.

انتقل علي بك الكبير بعد ذلك إلى التمهيد للاستقلال بمصر عن الدولة العثمانية نفسها. يقول جرجي زيدان: «سعى في تقليل العساكر العثمانية واستخدام المماليك من دعاته. حتى صاروا نحوًا من ستة آلاف، وحظر على سائر البكوات والكشاف الذين يخشى تغيرهم عليه أن يقتني أحدهم أكثر من مملوك أو مملوكين. وكان على ولاية مصر إذ ذاك محمد باشا فأزعجته إجراءات علي بك وخشي عاقبتها، فنصح له أن يقف عند حده فلم يكترث بقوله».

وفي سنة 1769 انتشبت الحرب بين روسيا والدولة العلية، فبعثت هذه إلى مصر أن تمدها باثني عشر ألفًا، فوصلت الأوامر لعلي بك بذلك ومشروعه لم ينضج بعدُ فلم يسعه إلا مباشرة ما أُمِرَ به، فابتدأ بجمع الجنود. أما أعداؤه فاغتنموا تلك الفرصة للوشاية فضموا إليهم الباشا الجديد الذي كان قد أُرْسِلَ من القسطنطينية بدلًا من الباشا الذي أخرجه علي بك، واتفقوا جميعًا على كتابة تقرير أمضاه الباشا وسائر البكوات أعداء علي يشون به إلى السلطان العثماني؛ بدعوى أنه إنما أراد بما يجمعه من الجيوش معاضدة روسيا للاستقلال بمصر، فأنفذ السلطان إلى الباشا أمرًا مشدَّدًا أن يُقتَل علي بك ويُرسَل رأسه إلى الأستانة».

وصلت تلك الأنباء إلى علي بك الكبير، فأعد العدة وأجهز على الرسول العثماني الذي جاء بفرمان السلطان قبل دخوله القاهرة. ثم أخذ علي بك الفرمان وجمع إليه ديوان البكوات العمومي، وأطلعهم عليه وأقنعهم أن ذلك الأمر ليس لقتله وحده، بل لقتلهم جميعًا، ثم خاطبهم قائلًا: «دافعوا إذن عن حياتكم وحقوقكم، واعلموا أن مصر ما برحت منذ القدم يحكمها دول من المماليك كانوا سلاطين أشداء، تفاخر بهم الأرض السماء. فأعيدوها إليهم، وهذه فرصة لا تضيعوها فإنكم لن تعثروا عمركم على فرصة مثلها، هلم إذن نسعى في الاستقلال فإن فيه حياتنا وحريتنا».

أثرت تلك الكلمات الحارة، والتي تعكس وعياً وطنياً لافتاً، في بكوات المماليك الحاضرين، «فعاهدوه على الدفاع عنه ما استطاعوا إلى الدفاع سبيلًا. أما سائر الأمراء المماليك من أعدائه فخافوا العاقبة ولزِموا السكوت. فكتب ديوان علي بك أمرًا إلى الباشا أن يبرح الديار المصرية في ثمانٍ وأربعين ساعة، وإذا لم يفعل يُقتل، وأن مصر قد أصبحت مستقلة. وبعث علي إلى الشيخ ضاهر العمر أمير عكا يعلنه رسميًّا باستقلال مصر، ويدعوه للمساعدة في ذلك، فأجابه الشيخ ضاهر مسرورًا، وجمع إليه رجاله ورجال بنيه السبعة وصهره، وانضم الجميع إلى جنود علي، وكان قد أضاف إلى الستة آلاف التي عنده من المماليك الاثني عشر ألفًا التي جُمِعَتْ مددًا للعثمانيين، وأضاف إلى هذه أيضًا رجال أصدقائه البكوات حتى رجال أعدائه؛ لأنهم لم يعُد يسعهم إلا طاعته».

هكذا بدأت حرب مفتوحة بين العثمانيين وعلي بك الكبير، وبقية الحكاية معروفة. حقق حاكم مصر الجديد انتصارات رائعة في البداية على إسطنبول، حتى تحول من الدفاع إلى الهجوم على الشام. ولم يفسد أمره سوى خيانة تلميذه المقرب محمد بك أبو الذهب، الذي قبل العمل مع العثمانيين ضد سيده، وتوقف عن الإيغال العسكري في الشام، عائدا إلى القاهرة للإطاحة بعلي بك من قلعة الجبل. وفي الشرقية، وقعت معركة حاسمة بين الأستاذ (علي بك الكبير)، وتلميذه (محمد بك أبو الذهب)، انتهت بانتصار الأخير في 26 أبريل 1773، وموت الأول عقب أيام قلائل، لتنتهي ثورته، ولكن بعد أن حولت الاستقلال عن الدولة العثمانية إلى حقيقة.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع