قبل إعلان إسرائيل بمائة عام.. كيف واجهت مصر الأطماع الصهيونية في فلسطين؟

محمد علي باشا

محمد علي باشا

كتب: خالد أبو هريرة

بين سنتي 1831 و1840، أدى نجاح إبراهيم باشا بن محمد علي، مؤسس العسكرية المصرية الحديثة في استقطاع فلسطين وسورية من الإمبراطورية العثمانية، إلى إنعاش الآمال الصهيونية في أوروبا بإمكانية تهجير اليهود إلى فلسطين، واستيطانهم فيها تمهيدا لتأسيس دولة إسرائيل. وتولى رجل الأعمال اليهودي الشهير في ذلك الوقت موسى مونتفيوري عمليات التفاوض مع محمد علي باشا في القاهرة، لانتزاع موافقته على منح جزء من الأراضي والقرى الفلسطينية لليهود المهاجرين.

وعلى العكس من الكتابات التي تقول بتعاطف محمد علي باشا مع المسألة الصهيونية، يذهب المؤرخ المقدسي عارف باشا العارف إلى أن واحدة من أبرز حسنات الحكم المصري في الشام بقيادة إبراهيم باشا بن محمد علي، كانت التصدي للحلم الصهيوني بإنشاء إسرائيل فوق التراب الفلسطيني.

كان المؤرخ اليهودي إيلي ليفي أبو عسل في كتابه (يقظة العالم اليهودي)، قد صور لقاء مونتفيوري بمحمد علي في القاهرة، بشكل يوحي بموافقة الباشا على مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين. فوفقا لأبي عسل، تعهد محمد علي لرجل المال اليهودي «بالترخيص لليهود في شراء أية مساحة يستطيعون أن يجدوها في ربوع سورية. ويرغب السلطان في أن يمنحها لهم بمجرد طلبهم. وقال: يمكنكم والحالة هذه أن تنتخبوا حكاما يقع اختياركم عليهم للإشراف على مقاطعات فلسطين بأسرها. وإنني لا أدخر وسعًا في سبيل معاونتكم وشد أزركم في إنجاز هذا المشروع الحميد المفيد». ولكن المؤامرة التي قادتها بريطانيا بالاتفاق مع الحكومة العثمانية في إسطنبول ضد الباشا، وانتهت بإجبار الجيش المصري على الانسحاب من سائر بلاد الشام، كانت هي من كتبت فصل الختام في مشروع مونتفيوري- محمد علي.

يقدم عارف باشا العارف في كتابه (المفصل في تاريخ القدس) قراءة عكسية لرواية ليفي أبو عسل رغم عدم عنايته أصلا بتفنيدها أو الرد عليها، فيقول: «من أفضل حسنات ذلك العهد (حكم إبراهيم باشا لفلسطين)، كانت الحيلولة دون مطامع الصهيونية، والوقوف في وجهها. يدلنا على ذلك ما قرأناه في مذكرات السير موسى حايين مونتفيوري، أحد كبار اليهود الإنجليز الذي هبط هذه البلاد في العام 1836. ويبدو منها أن السير مونتفيوري حاول أن يقنع إبراهيم باشا وأباه محمد علي باشا، بوصفه صاحب الأمر في فلسطين، أن يؤجراه أرضا مساحتها خمسون فدانا ومئتي قرية لخمسين عاما، بإيجار معين يسدد على أقساط سنوية. وكان ينوي كما جاء في مذكراته التي دونها في صفد في مايو 1837 أن يدعو إخوانه اليهود المقيمين في أوروبا وأمريكا وجنوب أفريقيا للإقامة في تلك القرى واستغلال موارد الثروة في هذه البلاد المليئة بالخيرات. ومتى تم ذلك (عاد آلاف اليهود إلى أرض إسرائيل ووطدوا أقدامهم فيها)».

يتابع عارف العارف مستعينا بوثائق المحكمة الشرعية في القدس التي نشرها المؤرخ اللبناني العلامة أسد رستم: «ولكن محمد علي باشا الذي استشار ولده إبراهيم باشا في هذا المشروع رفضه رفضا باتا. ولقد اطلعنا في (مجموعة الأصول العربية لتاريخ سورية في عهد محمد علي باشا) لجامعها الدكتور أسد رستم على الأمر الحكمداري التالي المرسل من مصر إلى متسلم القدس، ومنه يفهم أن اليهود أرادوا يومئذ أن يسمح لهم بشراء الأراضي إلا أن الأهالي مانعوا في ذلك، وأيدهم في رغبتهم مجلس الإدارة، والحكومة المركزية: (افتخار الأماجد ذوي الاحترام ولدنا العزيز مصطفى أغا السعيد نتسلم القدس الشريف حالا. إنه بهذه الأثناء ورد لنا تحرير من جناب محبنا أميرالاي بحري بيك وفي طيه جرنال وارد من مجلس القدس الشريف. والجرنال المرقوم من على معروض متقدم للمجلس من وكيل طائفة اليهود الساكنين بالقدس الشريف، بقصد الاستلام بأنه هل يترخص لهم شراء الأملاك والأراضي للزراعة وتعاطي الحرث والزرع والأغنام والأبقار وتعاطي مصابن (مصانع الصابون) ومعاصر بناء يدفعوا المرتب للميري مثل الرعايا. هذا مضمون استعلامنا، وفهمنا كيفية جواب المجلس بأن هذه ما سبق لها أمثال. وبالوجه الشرعي أيضا غير مساعد للمستأمنين المذكورين في جميع ما يستدعونه، حيث أراضي تلك الديار برية ووقفية. فالتماسهم بذلك لا يوافق حكم الشريعة، ما عدا تعاطي البيع والشراء بالتجارة التي يجلبونها من بلادهم من أنواع التجارة، حكم أمثالهم الذميين في السوق بأن هذه أعمال يتعاطوها الآن، فلا أحد يمانعهم بها. هذا ملخص مجاوبة المبسوط بصورة المذاكرة المرقومة.. فيجب والحالة هذه إفادة مجلس القدس بذلك، لكي يكون معلوما عند حضرات أرباب المجلس أن جوابهم بذلك.. من مصر في 24 محرم سنة 1253 هـ، الموافق 1837)».

وعلى سبيل الإكمال لتلك القراءة المخالفة للسائد من معالجات تاريخية، لا بد من الإشارة إلى أن انهيار مشروع محمد علي السياسي في مصر والشام لم يكن يعني بالتبعية انهيارا في المشروع الصهيوني بفلسطين. لأن المسألة الصهيونية ورعاية قيام دولة يهودية فوق أراضي العرب، كانت على رأس القضايا التي نوقشت في مؤتمر لندن 1840، والذي عقدته بريطانيا مع القوى الأوروبية النافذة لمناقشة مستقبل الدولة العثمانية ودولة محمد علي في مصر. وبداية من عصر التنظيمات العلمانية التي أقرها السلطان العثماني عبد المجيد الأول في دولته، ستبدأ عمليات التهجير اليهودية إلى فلسطين، وتأسيس المستوطنات الصهيونية فيها بفرمانات صادرة عن الباب العالي نفسه في إسطنبول، وسوف تصبح تلك المستوطنات النواة الأولى لدولة إسرائيل التي نعاصرها الآن، وتقتطع جزءا غاليا من وطننا العربي والإسلامي الأكبر.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع