الصراعات العثمانية المملوكية.. كيف مهدت لسقوط مصر في قبضة نابليون؟

الفرنسيون في مصر

الفرنسيون في مصر

كتب: خالد أبو هريرة

رغم فشل مشروع علي بك الكبير في الاستقلال بمصر عن الدولة العثمانية، فإن تلامذة علي بك من البكوات المماليك تمكنوا خلال السنوات التالية لمقتل أستاذهم من الابتعاد بمصر عن القبضة المركزية لإسطنبول. الأمر الذي دفع الأخيرة إلى الاستمرار في توجيه الحملات العسكرية صوب القاهرة لكسر شوكة المماليك. وإذا كانت من نتيجة كبيرة لتلك الصراعات المملوكية العثمانية العقيمة، فهي أن مصر أصبحت، وأكثر من أي وقت مضى، متزعزعة عسكريًا بصورة مكنت نابليون بونابرت من غزوها بسهولة أثناء حملته العسكرية الشهيرة (1798 - 1801).

عن تلك الصراعات التي مهدت للحملة الفرنسية على مصر، يدور التقرير التالي..

البداية من عند الأميرين المملوكين إبراهيم بك ومراد بك، اللذين احتكرا السلطة في مصر دون العثمانيين. يقول المؤرخ جرجي زيدان في كتابه «مصر العثمانية»: «مضى ثلاث سنوات على إبراهيم بك ومراد بك، وهما على وفاق وسكينة يقتسمان إيراد البلاد بينهما بالسواء، فوشى بهما محمد باشا والي مصر إذ ذاك إلى السلطان وبما كان فيه من الاستئثار بمالية البلاد. فأمر السلطان عبد الحميد الأول سنة 1785 أن يرسل إلى مصر جيشًا لإيقافهما عند حدهما فسار الجيش في عمارة (أسطول) بقيادة حسن باشا قبطان، فوصلت الإسكندرية في ٢٥ شعبان سنة ١٢٠٠ 1786، فخاف البكوات خوفًا شديدًا واجتمعوا اجتماعًا عامًّا في الديوان، وتباحثوا فيما يجب إجراؤه، فكثر اللغط، واختلفت المقاصد والآراء، فلم يقروا على شيء وأخيرًا ارتأوا طلب توسط محمد باشا. ولما عرضوا عليه رأيهم رفض».

يتابع: «فطلبوا من الشيخ أحمد العروسي شيخ الجامع الأزهر، والشيخ محمد المهدي الذي بقي في زمن الفرنساوية (أي الذي استمر في التقلب بالمنصب حتى في زمن الحملة الفرنسية) كاتم سر الديوان - وغيرهما - أن يسيروا إلى رشيد ويستعطفوا القبطان باشا.. فركبوا من بولاق في زورق فاخر، وما زالوا حتى بلغوا رشيدًا، فلاقاهم القبطان باشا بما يليق من الاحترام أما هم فلعلمهم أن الأميرين إبراهيم ومراد لا يثبتان على رأي خافوا إذا طلبوا العفو، وحصلوا عليه أن ينكثا ذلك فتكون الملامة عليهم، فقال الشيخ العروسي: «يا مولانا إن رعية مصر ضعفاء، وبيوت الأمراء مختلطة ببيوت الناس!» فقال الباشا: «لا تخشوا بأسًا، فإن أول ما أوصاني به مولانا السلطان هو قوله: إن الرعية وديعة الله عندي وأنا أستودعك ما أودعنيه الله تعالى» فدعوا له بطول العمر ثم قال لهم: «كيف ترضون أن يملككم مملوكان كافران يسومانكم سوء العذاب؟ لماذا لا تخرجونهما من دياركم؟»، فأجابه أحدهم بقوله: «يا سلطانم هؤلاء عصبة شديدو البأس لا نقوى على دفعهم!».

يقول زيدان: «فطيَّب (الباشا) خاطرهم ووعدهم بالحماية. وبالحقيقة أن هذا الوفد تصرف بالحكمة لأنهم لم يكادوا يخرجون من حضرة القبطان حتى سمعوا بقدوم «مراد بك» ومعه عشرة من البكوات وبعض الكشاف والمماليك. ثم شاع أنهم نزلوا في الرحمانية عند منشأ الترعة المحمودية الإسكندرانية؛ وسبب ذلك أن «مراد بك» بعدما أرسل الوفد خطر الدفاع بالسيف، فجمع إليه ذوي شوراه، وفاوضهم، فأقروا على الدفاع وأن يسير «مراد» لذلك ويبقى إبراهيم للمحافظة على القاهرة».

وفي الحرب التي دارت بين العثمانيين والمماليك «انذعرت جنود المماليك من قنابل العثمانيين التي كانت تتدافع بين حوافر الخيل فتشتت شملهم وفاز العثمانيون. ففر مراد بك ومن معه حتى أتوا القاهرة، فاجتمعوا «بإبراهيم بك» وخرجوا جميعًا إلى الصعيد، ومكثوا ينتظرون هجمات العثمانيين.. فلما رأى «محمد باشا» الوالي خلو القاهرة من المماليك جمع إليه الوجاقات ونزل بهم من القلعة لاستقبال الجنود العثمانية».

كانت تصرفات العثمانيين في مصر مدمرة، أثارت غضب علماء الأزهر كثيرا، ودفعتهم إلى معارضة القائد العثماني. يقول جرجي زيدان: «وفي شوال سنة ١٢٠٠/ 1786، دخل «حسن باشا» القاهرة بعد أن أخربت جيوشه ما مروا به من المدن والقرى ونهبوها ولولاه لم يبقوا على شيء أصلًا. لكنه كان يمنعهم من ذلك بالقوة، وقتل كثيرين منهم عبرة للباقين، فكفت الأيدي فسكنت الناس. فلما دخل القاهرة، نزل في بيت «إبراهيم بك» عند قصر العيني على النيل، ثم عرض أمتعة البكوات المنهزمين للمزاد العمومي، ومن جملتها حريمهم وأولادهم ومماليكهم، فاسترحم المشائخ أن يخرج الأولاد والنساء الحوامل من معرض البيع لأن ذلك فضلًا عن مخالفته للعواطف الإنسانية فهو مغضب لله.. فانتهرهم القبطان باشا قائلًا: «سأكتب إلى الآستانة بأنكم تعارضون في بيع أمتعة أعداء جلالة السلطان!» فأجابه الشيخ السادات قائلًا: «قد أرسلت إلينا لمعاقبة شخصين وليس لهتك شرائعنا والطعن في عاداتنا فاكتب إلى الآستانة ما شئت!».

أمام ذلك «أمر الباشا باستثناء المحظيات الحوامل من البيع، وبعد أن بيعت سائر الأمتعة عكف «حسن باشا» في إصلاح الإدارة، فأصلحها على ما يوافق الإرادة الشاهانية».

يتابع: «وكان الباشا قد استقدم «إسماعيل بك» و«حسن بك الجداوي» من الصعيد، فأرسلهما في جيش بقيادة «عابدين باشا» و«درويش باشا» قائدي الحملة العثمانية التي جاءت إلى مصر عن طريق البر — فضلًا عن العمارة المتقدم ذكرها — وسار في تلك الحملة أيضًا نحو ألف مقاتل من رجال الشام تحت قيادة أمير كبير من أمراء شيخي أوغلي، فاجتمعت هذه الحملة، وسارت نحو الصعيد لمحاربة مراد بك ورجاله، فحصلت هناك واقعة عظيمة شفت عن عدة قتلى من الجانبين، وانهزم «مراد بك» ورجاله إلى الشلالات، ورجعت الجنود العثمانية ظافرة إلى القاهرة. ثم جاءت الأوامر الشاهانية بعزل «محمد باشا» وتولية «عابدين باشا».

هنا تنتهي مهمة «حسن قبطان باشا» فاستُدعي إلى الآستانة بسبب الحرب مع روسيا. أما مصر فلم تفلت كما يقول جرجي زيدان «من البكوات المماليك، وكانوا لا يزالون في مصر العليا (الصعيد) كما رأيت، والمسيحيون يشكون من معاملة «حسن باشا» بأنه أخذ متاعهم وباعه على مشهد من الناس فضلًا عن الإهانة التي سامهم إياها، وعلى الخصوص المعلم «إبراهيم الجوهري» أمير احتساب مصر؛ فإنهم قبضوا على امرأته وأجبروها أن تخبرهم بمخابئ زوجها من النقود، فأخبرتهم، فاستخرجوها، وأخذوها». وقد ظلت تلك الأفعال تحط من قدرات مصر العسكرية حتى ظهر نابليون بونابرت بعد سنوات قلائل أمام سواحل الإسكندرية، فلم يجد من راد له أو دافع.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع