كيف أطفأ العثمانيون شعلة العرب الحضارية؟.. محمد كرد علي يجيب (1)

العثمانيون

العثمانيون

كتب: خالد أبو هريرة

بين أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، أوقع رواد النهضة العربية - وكانت لا تزال في ذلك الوقت خضرة العود - مسؤولية انحطاط المسلمين أمام الحضارة الغربية على عواتق العثمانيين الأتراك، والذين أدخلوا الشرق العربي في حالة من السكونية والجمود استمرت نحو أربعمائة عاما كاملة.

أحد هؤلاء الرواد كان المفكر السوري محمد كرد علي (1876 - 1953)، الذي سوف نتعرض لآرائه حول دور العثمانيين في تخلف الحضارة العربية، من خلال كتابه المعنون بـ (الإسلام والحضارة العربية)..

أولا، كان طبيعيا أن يبدأ "كرد علي" من حادث الغزو العثماني للأقطار العربية في القرن السادس عشر الميلادي، بما أنه التاريخ الذي بدأ فيه حكم الأتراك لتلك الأقطار دون انقطاع حتى القرن التاسع عشر، والذي نشأت خلاله النزعة القومية العربية، وطالبت بالاستقلال عن إسطنبول.

يقول كرد علي عن الأثر الحضاري السلبي للغزو العثماني على العرب: «فتح السلطان سليم الأول، وهو من أعظم السلاطين العثمانيين، قسمًا من بلاد فارس واستولى على الشام ومصر وسائر بلاد الجزيرة على أيسر سبب، ولم يقصد مباشرةً إلى تخريب ما احتمل من المدن العامرة، بل أراد تعريتها من ذخائر العلم والصناعات، فعمل على انتزاع بقايا المدنية العربية من القسم العامر من بلاد العرب في آسيا وإفريقية، محاولًا أن يعيش بالتراث العظيم الذي صار إليه من هذه الحضارة؛ فبدأ ينقل معظم أدوات المدنية إلى القسطنطينية ليعمرها على الصورة الإسلامية في الجملة، ويخرجها من الرومية (البيزنطية) المتأصلة فيها، لتكون محط الأنظار بين الأقطار.. فحمل هذا الفاتح من مصر إلى فروق كتب العلم ورجاله، وآلات الصناعة وصناعها، وأجمل الأعلاق وأثمن الجواهر، فسلب مصر مدنيتها.. وخرج السلطان سليم من مصر ومعه ألف حمل من الذهب والفضة، دع التحف والسلاح وأعمدة الرخام والصيني والنحاس، وأخذ من كل شيء أحسنه، وبطل من مصر نحو خمسين صنعة».

يتابع: «وعُمرت خزائن الآستانة وقصورها من كتب بلاد العرب التي نجت في القرنين السالفين من هولاكو وتيمور، وحبس الأتراك كتب العرب في قصورهم وجوامعهم ومدارسهم، على قلة الراغبين فيها من بني قومهم، وبذلك مُحيت من الأذهان أول المظاهر العربية في أرض العرب، وغض الأتراك الطرف عن معاهد العلم ومصانع البلاد فخربت خرابًا مبكيًا، ولم تعد لها قائمة، كأن هذا الجنس التتري حلمة طفيلية لا يعيش إلا بامتصاص دم غيره، وكأن السلطان سليمًا بعثته الأقدار للقضاء الأخير على الحضارة العربية في فارس والشام ومصر، وهي من الأقطار التي كانت على غابر الدهر موطن الحضارة العربية وكهفها الأمين».

توسع المفكر السوري في إظهار الانحطاط الفكري الذي أصاب الأمة العربية نتيجة إهمال العثمانيين للتعليم والمدارس. يقول: «ومن أهم ما قضى على مدنية العرب في عهد الترك إهمال المدارس وامتداد أطماع الطامعين في استصفائها، ونزع وقوفها وأحباسها، وفي الخطط التوفيقية أن النظار في مدارس القاهرة تصرفوا خلال ثلاثة قرون من العهد التركي على غير شروط وقفها، وامتنع الصرف على المدرسة والطلبة والخدمة، وانقطع التدريس بالكلية لكثرة الاضطرابات، وبيعت كتب المدارس وانتُهبت، حتى آلت الحال ببعض المدارس الفخمة والمباني الجليلة أن أصبحت زوايا صغيرة، وزال بعضها جملةً أو صار زريبة أو حوشًا أو غير ذلك».

يتابع: «ومثل هذا وقع في عاصمة الشام فقد دخل الأتراك دمشق وفيها أكثر من ١٥٠ مدرسة للقرآن والحديث والفقه على المذاهب الأربعة ومدارس الطب ومدرسة الهندسة، عدا الرُّبط والخوانق والمستشفيات، وخرجوا منها بعد زهاء أربعة قرون وليس فيها سوى بضع مدارس عامرة بعض الشيء ولا تدريس فيها، هذا عدا ما كان من المدارس الجليلة في مدن الأقاليم كالقدس وحماة وحمص وحلب وطرابلس وغيرها، وكلها أُصيبت بما أُصيبت به مدارس دمشق، وجميع هذه المدارس كان فيها خزائن كتب، وعامة المرافق وأسباب الراحة والتشويق والاستفادة تامة. ومثل ذلك قل في مدارس العراق، ولا سيما الموصل والبصرة وبغداد».

وعن تضرر الشام الحضاري تحديدا - وهي بلد كرد علي - من الحكم العثماني، يقول: «كانت العربية ماثلة في الشام يوم دخلها العثمانيون في سنة ٩٢٢ﻫ في معظم مظاهر الحياة، فأطفأوا شعلتها وأضعفوا قوتها، ولو نجا الشام وحده من حكمهم لنشر — لتوسطه بين الولايات العربية — أنوار الحضارة، ولو كُتب له الانضمام إلى مصر منذ استقلت بها الأسرة العلوية (يقصد أسرة محمد علي باشا)، لتساند القُطران الشقيقان في مهمة التمدين.. لا جرم أن صنعاء ومكة والمدينة والبصرة وبغداد والموصل وحلب ودمشق كانت إلى عهد قريب من الانحطاط في عمرانها، والجهل المتأصل في سكانها، على ما تذرف له الدموع حزنًا، ومن أين يُرجى لها مدنية وقد اصطلحت على جسمها جميع أمراض الانحلال، وهل المدنية غير ابنة الراحة والسكون، والعمل المتصل، والتفكير الطويل، وهذا ما كان مفقودًا فيها».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع