كيف أطفأ العثمانيون شعلة العرب الحضارية؟.. محمد كرد علي يجيب (2)

مدرسة إسلامية من العصر العثماني

مدرسة إسلامية من العصر العثماني

كتب: خالد أبو هريرة

نتابع رصد آراء المفكر السوري محمد كرد علي (1876- 1953) حول دور العثمانيين الأتراك في الانحطاط الحضاري للعرب، والتي أودعها كتابه (الإسلام والحضارة العربية)..

يشير كرد علي إلى عدم إفادة الأتراك الإسلام في غير أمور الحرب، ويقارن بينهم وبين دور الفرس الحضاري في التاريخ الإسلامي فيقول: «لم يُثبت الترك منذ تشرفوا بالإسلام أنهم مستعدون لمثل ما عُرف عن الفرس من كفاءة علمية وصناعية، وإن شهد لهم العارفون منذ الأعصر المتطاولة أنهم جد كفاة في الجندية، ولا بأس بهم في السياسة الدولية، فقد هيأ بعض الملوك العثمانيين عامة الوسائط لنشل أبناء جنسهم من عثرات الجهالة، وحاول سيد ملوكهم محمد الفاتح أن يجعل من دار ملكه موطنًا علميًّا يضاهي به على الأقل دولة المماليك في مصر والشام، وبذل لذلك أنواع البذل والمعاونة، واستدعى العلماء من الأقطار يغدق عليهم الجرايات والمشاهرات وأنواع التكرمة والتجلة، ومن جملتهم عالم عصره في بلاد ما وراء النهر علاء الدين بن محمد القوشجي، أراده السلطان على استيطان بلاده هو وتلاميذه وأعطاه مدرسة أيا صوفيا، فلما هلك الفاتح اضمحل كل ما أسسه القوشجي؛ لأن من العادة هنا أن يزول كل عمل بزوال عامله الأول، وكل ملك يغير طريقة حكمه بحسب معرفته.. وما كانت المدارس الدينية في الآستانة، بل في الأناضول والروم إيلي في الأدوار السالفة إلا صورة من انحطاط التعليم، لا نور فيها إلا بقدر ما تخرج تلاميذ وسطًا لتولي الوظائف الدينية، وقل أن جاء فيهم عالم كبير يُذكر، وعالمهم من كان يحسن النقل والاختصار والجمع، مع ركاكة أعجمية بادية، وإبهام في كتبهم لا تحل رموزه ومعمياته، خلافًا لما ألَّفه الفرس وعلموه باللغة العربية. على أن العثمانيين يُشكرون على أن لم يغفلوا في معظم أدوارهم العناية بالدروس الدينية باللغة العربية على رسوم دول الإسلام».

يتابع: «هذا في العلوم الدينية، أما في العلوم المادية فقد قال مؤرخو الترك والإفرنج: إن الأتراك طاردوا علماء بيزنطية فكانوا سبب نهضة إيطاليا ونشر المدنية الحديثة، ولا ينكر أحد أن الأتراك أرسلوا من الآستانة مواد بناء المدنية، فإن أوروبا على ما قيل مدينة بمعارفها الحاضرة إلى بضعة من فضلاء بيزنطية هاجروا منها إلى إيطاليا بدخول العثمانيين، أمثال يناديس وساريون ويوركي الطربزوني وكسطى وسكارديس وفرانجس وميخال دوكا».

إضافة إلى ذلك، يعقد محمد كرد علي مقارنة واسعة بين العرب والأتراك في ميدان الفكر والحضارة، فيقول: «يعترف علماء الترك أنه لم يظهر فيهم رجل من عيار ابن رشد الفيلسوف، فكَّر بحرية ثم كتب ما فكر فيه بجرأة، ولم ينبغ فيهم ولا مؤلف واحد يشبه من خرج من العرب في أدوار ارتقائهم، والأتراك بعد ستمائة سنة في الحكم لم يفارقوا الأخلاق التي عُرفوا بها يوم جاءوا من بلادهم الأصلية -كما قال جناب شهاب الدين- ونزلوا بلاد صاحب قرمان شراذم يرعون أغنامهم ومواشيهم، ولما استصفوا تلك البلاد وأنشأوا لهم حكومة، وتوسعوا في السلطان وتبسطوا في رحاب المدنية القديمة، وأسسوا على أنقاضها تلك الإمبراطورية العظيمة، لم يتجردوا من صفاتهم، وظلوا بعد كل هذا على أخلاق الرعاة؛ يظنون كل الناس غنمًا لهم وسائمة، يقودونها كما يشاءون، ويتصرفون بأوبارها وألبانها، بل بلحمها وعظمها، ولكن رعية الغنم غير رعية الأناسي، وهيهات أن تقوم بهذه الذهنية مدنية تذكر، يريد أن يقول، وهو تركي الجنس: إن قانون الرجعة قضى على الترك أن يظل دمهم كما كان، وإن قضوا أجيالًا في بيزنطية الجديدة».

وقد كان فساد التعليم العثماني أحد المظاهر الدالة كما يقول محمد كرد علي على انحطاط الشرق الحضاري بسبب الأتراك. يقول: «من أدهش ما يُدون في عهدهم أن أحد وزراء المعارف المتأخرين كان يضع مناصب التدريس في المدارس الثانوية في المزاد، ويتولى المنصب أجرأ المدرسين على تنقيص المشاهرة، يوسد إلى من اقتنع بالقليل في هذه التولية، مهما بلغ من جهله في الفن الذي أخذ على نفسه تدريسه بهذا الراتب الضئيل. وحدث أنهم وسدوا دروس الدين إلى غير المسلمين في المدارس الثانوية، وكان من العادة في المدارس الوسطى بالبلاد العربية أن يعهد إلى أبناء العرب الذين لا يحسنون التكلم والكتابة بالتركية بتدريس الآداب التركية، وإلى الأتراك الذين لا يجيدون تأليف جملة واحدة بالعربية أن يدرسوا الصرف والنحو والمنطق والبيان العربي. أما المدارس الابتدائية فمعلموها خرجوا على الأكثر من غمار الجهلاء، وليس غير بعض المدارس العالية في العاصمة كالمدارس الملكية والحربية والطب والهندسة، في أواخر أيام الدولة، يتولى التدريس فيها علماء أجلاء من الترك والعرب والأرمن والروم والفرنسيس والألمان وغيرهم».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع